تحية محمد صلاح لجماهير "طرابزون سبور" التركي بعد وصوله مطار طرابزون
منذ لحظة وصوله إلى تركيا، حظي لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح باستقبال استثنائي من جماهير طرابزون سبور، التي احتشدت في المطار وفي ملعب النادي للترحيب به بعد انتقاله إلى الدوري التركي، قادما من نادي ليفربول الإنجليزي.
لكن وسط مشاهد الجماهير الغفيرة والهتافات والألعاب النارية، لفتت الأنظار حركة محددة قام بها صلاح أكثر من مرة خلال ظهوره الأول مع النادي؛ سواء عندما استقبله المشجعون في المطار، أو خلال مراسم تقديمه رسميًا أمام جماهير الفريق في ملعب طرابزون.
لم تكن تلك الحركة مجرد تحية من لاعب جديد لجمهوره، بل كانت طقسًا جماهيريًا تركيًا معروفًا باسم "الأوتشلو" (Üçlü).
ما هي احتفالية الأوتشلو؟
محمد صلاح يؤدي احتفال "الأوتشلو" أمام جماهير طرابزون سبور
قد تبدو الحركة للوهلة الأولى مجرد احتفال عفوي، لكنها في كرة القدم التركية تحمل معنى أكبر من ذلك.
فـ"الأوتشلو" ليس احتفالًا شخصيًا مرتبطًا بلاعب معين، بل طقس جماهيري متوارث يقوم خلاله لاعب أو مدرب بالوقوف أمام المدرجات وقيادة الجماهير في ثلاث صيحات متتالية بإيقاع محدد.
وكلمة Üçlü تعني "الثلاثي" باللغة التركية، في إشارة إلى تكرار الهتاف ثلاث مرات، وأصبح هذا الطقس أحد الطرق التي يعبر بها اللاعبون عن قربهم من الجماهير وانتمائهم للنادي.
ولا يرتبط الأوتشلو عادة بالاحتفال بالأهداف داخل المباريات، لكنه يظهر بقوة في اللحظات التي تحمل طابعًا احتفاليًا خاصًا؛ مثل تقديم اللاعبين الجدد، أو الاحتفال بعد انتصارات مهمة، أو عقب التتويج بالبطولات.
وخلال السنوات الماضية، شارك عدد من أبرز الأسماء في كرة القدم التركية في هذا الطقس. فقد قاد الأرجنتيني ماورو إيكاردي جماهير غلطة سراي في احتفالات تقديمه عقب انضمامه للنادي عام 2022، كما ظهر المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو يؤديه في احتفالات جماهيرية مع أنصار فنربخشة بعد توليه تدريب الفريق عام 2024.
رموز لها دلالة
محمد صلاح أثناء حفل تقديمه بملعب "طرابزون سبور" التركي
ولم تكن مشاركة صلاح في "الأوتشلو" هي التفصيلة الوحيدة التي حملت رمزية خلال ظهوره الأول مع طرابزون سبور.
ففي بداية الأمر، لفت ارتداؤه القميص رقم 61 أنظار كثيرين، إذ اعتقد البعض أن الرقم سيكون رقمه الرسمي مع الفريق، قبل أن يتضح أن الرقم يحمل دلالة خاصة لدى جماهير النادي.فالرقم 61 هو رمز مدينة طرابزون، إذ يمثل الرقم البريدي للمدينة، وأصبح مرتبطًا بهوية النادي وجماهيره.
ويرى متابعون أن اختيار صلاح الظهور بهذا الرقم خلال مراسم التقديم كان جزءًا من محاولة بناء علاقة سريعة مع جمهور فريقه الجديد، عبر استخدام رموز محلية يعرف المشجعون قيمتها.
وتأسس نادي طرابزون سبور عام 1967، ويُعد أحد أبرز أندية كرة القدم التركية خارج إسطنبول. وكان أول نادٍ من خارج المدن الكبرى ينجح في كسر هيمنة أندية إسطنبول على الكرة التركية، بعدما توج بلقب الدوري التركي عدة مرات، كان آخرها موسم 2021-2022.
ويرى الصحفي الرياضي علي أبو طبل أن أحد العوامل التي قد تكون جذبت صلاح إلى طرابزون سبور هو التشابه بين النادي وليفربول؛ فكلاهما يمثل مدينة أكثر من كونه مجرد فريق كرة قدم.
ويقول أبو طبل إن هذا النوع من العلاقة منح صلاح في ليفربول مكانة خاصة بين الجماهير، وهو أمر قد يكون من الصعب تحقيقه بالسرعة نفسها مع أندية العواصم أو الأندية الأكبر، حيث تكون العلاقة بين اللاعب والجمهور مختلفة.
ويضيف أن جماهير الأندية في تركيا تلعب دورًا مباشرًا في تشكيل هوية النادي، وأن كسب ثقتها وارتباطها باللاعب يمثل عاملًا مهمًا، خاصة بالنسبة للنجوم القادمين من خارج البلاد.
ويقول أبو طبل إن مشاركة صلاح في "الأوتشلو" واستخدامه رموزًا مرتبطة بالمدينة والنادي تعكس إدراكه لأهمية بناء هذه العلاقة منذ البداية.
الجمهور.. جزء من قيمة اللاعب
جماهير "طرابزون سبور" أثناء استقبال محمد صلاح
لم يعد اللاعب في كرة القدم الحديثة مجرد شخص يرتدي القميص ويسجل الأهداف؛ فكل تصرف يقوم به أصبح يحمل رسالة، وكل اختيار، من طريقة الاحتفال إلى الملابس التي يرتديها أو الأماكن التي يظهر فيها، يمكن أن يتحول إلى جزء من هويته العامة.
ويرى صحفيون ومحللون رياضيون تحدثت إليهم بي بي سي أن بناء الصورة العامة للاعب أصبح عنصرًا أساسيًا في مسيرته، خاصة مع تحول نجوم الكرة إلى علامات تجارية عالمية.
ويقول الصحفي الرياضي علي أبو طبل إن الاحتفالات الجماهيرية، مثل "الأوتشلو" الذي قام به صلاح في تركيا، أصبحت جزءًا من عملية بناء العلامة الشخصية للاعب، لأنها تساعده على خلق رابط عاطفي مع الجمهور وتعزيز حضوره خارج الملعب.
ويضيف أن القيمة التسويقية للاعب لم تعد مرتبطة فقط بمستواه الفني أو راتبه مع النادي، بل أصبحت تشمل قدرته على جذب الجماهير، وزيادة مبيعات القمصان، وجذب الرعاة والشركات المرتبطة باسمه.
ويشير أحمد عطا إلى أن عالم كرة القدم أصبح أكثر تعقيدًا، مستشهدًا بحالة البرازيلي فينيسيوس جونيور، الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الوجوه التسويقية لريال مدريد إلى جانب مكانته داخل الملعب.
ويقول عطا إن كل تفصيلة في حياة اللاعب أصبحت تحمل دلالة؛ لأن هذه التفاصيل أصبحت جزءًا من الصورة التي يقدمها اللاعب لجمهوره وللسوق.