عندما بدأت أعاني من آلام في منطقة المعدة، أخبرتني الفحوصات أن كل شيء يبدو طبيعياً، لكن الألم استمر ولم أشعر بالاطمئنان.
قررت البحث في غوغل، وهناك اقترح عليّ روبوت محادثة أن المشكلة قد تكون في المرارة، ونصحني بإجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية. وبالفعل، كشف الفحص أن هناك مشكلة والتي انتهت بالخضوع لعملية جراحية لاستئصال المرارة.
بالنسبة للبعض و كما حدث معي، لم تعد الخطوة الأولى هي الاتصال بالطبيب بل طرح السؤال على أحد محركات البحث وروبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل تشات جي بي تي أو كوبيلوت أو جيمناي وغيرها، أملاً في الحصول على إجابة فورية تساعدهم على فهم ما يحدث.
محرك بحث أم دليل صحي؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث عن المعلومات، بل بدأ يؤدي دوراً متزايداً في رحلة المريض قبل الوصول إلى الطبيب، فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون من قسم الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، بالتعاون مع فريق مايكروسوفت كوبيلوت، وشملت أكثر من نصف مليون مستخدم، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي أصبح جزءاً متنامياً من الحياة اليومية.
ووجدت الدراسة التي أجريت في شهر يناير 2026، والتي نشرتها دورية Nature Health، أن ما يقرب من خُمس المحادثات تتضمن تقييماً شخصياً للأعراض أو مناقشة حالة مرضية، وأن فئة المعلومات العامة السائدة تركز أيضاً على علاجات وحالات محددة، مما يشير إلى أن هذا يمثل الحد الأدنى للنية الصحية الشخصية. يتعلق واحد من كل سبعة من هذه الاستفسارات الصحية الشخصية بشخص آخر غير المستخدم، مما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التفاعلي يمكن أن يكون أداة رعاية صحية أيضاً.
ومع تزايد الاعتماد على هذه الأدوات، تبرز أسئلة جوهرية: هل يغير الذكاء الاصطناعي الطريقة التي يفهم بها الناس صحتهم ويتخذون قراراتهم الصحية؟ وهل يمكن أن يسهم في تحسين الوصول إلى المعلومات والرعاية الصحية، أم أنه قد يؤدي في بعض الحالات إلى تأخير التشخيص أو تقديم نصائح غير دقيقة؟ وأين تكمن حدوده ومخاطره؟ وهل سيصبح جزءاً أساسياً من مستقبل الرعاية الصحية؟
من العلاج إلى الوقاية
يرى بعض الخبراء أن انتشار الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي لا يقتصر على تسهيل الوصول إلى المعلومات، بل قد يمثل تحولاً في طريقة تقديم الرعاية الصحية نفسها، وخاصة مع توقعات منظمة الصحة العالمية (WHO) عجزاً عالمياً بنحو 11 مليون عامل صحي بحلول عام 2030، ويفتقر حالياً ما يقارب 4.5 مليار شخص حول العالم إلى الخدمات الصحية الأساسية بسبب النقص المزمن في الكوادر الصحية.
دانيال كرافت، وهو طبيب أمريكي له خبرة طويلة تتجاوز 25 عاماُ في الرعاية الصحية، ومؤسس منصة NextMed Health والشريك في Continuum Health Ventures، (وهو صندوق رأس مال استثماري يركز على تأسيس ودعم وتسريع الجيل القادم من الشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا الصحية والتكنولوجيا الحيوية، بهدف إحداث تحول جذري في الرعاية الصحية)، يقول لبي بي سي نيوز عربي:" إن الاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يوسع الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية ويعزز العدالة الصحية لأنه يوفر معلومات ورؤى صحية موثوقة لكثيرين لم تكن متاحة لهم بسهولة من قبل".
ويرى كرافت أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح بالنسبة لكثيرين، البديل الوحيد المتاح للحصول على معلومات أو إرشادات صحية أولية، خاصة بالنسبة لأصحاب الدخل المنخفض وفي الأماكن التي يصعب فيها الوصول إلى الرعاية الطبية.
ويضيف أن هذه الأدوات لا تقدم المعلومات بالطريقة نفسها للجميع، "بل يمكنها تكييف الإجابات وفق عمر المستخدم، ولغته وثقافته ومستواه التعليمي واحتياجاته الصحية، وهو ما يتيح - للمرة الأولى- تقديم معلومات صحية عالية الجودة بلغة المستخدم ولهجته".
الدكتور دانيال كرافت خلال مشاركته في مؤتمر "كليك لتبادل الأفكار" لعام 2022، الذي أقيم في "دوغال غرين هاوس" في 22 سبتمبر/أيلول 2022، في بروكلين، نيويورك.
لكن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تزال أكثر كفاءة باللغة الإنجليزية مقارنة بالعربية والعديد من اللغات الأخرى، وهي فجوة يرى كرافت ضرورة العمل على سدها مستقبلاً.
ولا يتوقف الأمر عند الإجابة عن الأسئلة الصحية، إذ يتوقع كرافت أن تتمكن هذه المنصات مستقبلاً من دمج التاريخ الطبي والبيانات الوراثية وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء، لتقديم إرشادات صحية أكثر تخصيصاً لكل فرد. كما يمكن أن تساعد المرضى على فهم حالاتهم والاستعداد بشكل أفضل قبل زيارة الطبيب، بما يمكنهم من طرح أسئلة أكثر ذكاء ودقة والمشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بصحتهم.
ويعتقد كرافت أن هذا التحول قد ينقل الرعاية الصحية تدريجياً من نموذج يركز على علاج المرض بعد حدوثه، إلى نموذج أكثر استباقية يركز على الوقاية والكشف المبكر والشراكة بين المريض ومقدم الرعاية الصحية.
محادثة بدلاً من البحث
يبدو أن جاذبية هذه الأدوات لا تكمن في سرعة الإجابة فحسب، بل في أسلوبها التفاعلي أيضاً، إذ تتيح للمستخدمين إجراء محادثة وطرح أسئلة متابعة والحصول على شروحات مبسطة، بدلاً من الاكتفاء بقائمة من الروابط كما هو الحال في محركات البحث التقليدية.
ويقول البروفيسور جيمس بارلو، أستاذ إدارة التكنولوجيا والابتكار في الرعاية الصحية بكلية إدارة الأعمال في إمبريال كوليدج لندن، لبي بي سي عربي نيوز، إن الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة بحث الناس عن المعلومات الصحية، إذ انتقل كثيرون من الاعتماد على محركات البحث التقليدية إلى محادثات تفاعلية تتيح لهم طرح أسئلة متابعة والحصول على إجابات مصممة خصيصاً وفق احتياجاتهم.
ويضيف بارلو أن هذه الأدوات تسهم في تبسيط المعلومات الطبية المعقدة، من خلال شرح المصطلحات السريرية ونتائج الفحوصات وخيارات العلاج بلغة يفهمها غير المختصين، كما توفر وصولاً فورياً إلى المعلومات على مدار الساعة، الأمر الذي يشجع كثيرين على طلب المشورة بشأن أعراض بسيطة أو مخاوف صحية ربما لم يكونوا ليسألوا عنها في السابق.
ويرى بارلو أن هذه التغييرات قد تجعل المرضى أكثر استعداداً قبل زيارة الطبيب، وأكثر قدرة على فهم حالاتهم الصحية وطرح أسئلة مبنية على معرفة أفضل، مما يعزز مشاركتهم في اتخاذ القرارات العلاجية.
لكن، في المقابل، قد يؤدي هذا التحول إلى تغيير طبيعة الاستشارة الطبية نفسها.
تتنافس الفرق في الجولة النهائية من مسابقة بكين لتطبيقات روبوتات الرعاية الصحية الذكية لعام 2026، 3 أغسطس/أب 2026 في بكين، الصين.
ويوضح بارلو أن الذكاء الاصطناعي قد يتولى جانباً من شرح المعلومات الذي كان يقوم به الأطباء تقليدياً، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى خدمات المعلومات الروتينية، بينما يزداد دور الأطباء في تفسير المعلومات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، ووضعها في سياقها الصحيح، والتحقق من دقتها.
لكن هذه الأدوات قد لا تصل إلى الجميع بالقدر نفسه، ويحذر بارلو من أنه قد يؤدي تفاوت الوصول إلى التقنيات الرقمية أو اختلاف مستويات الثقافة الرقمية إلى اتساع الفجوات الصحية بين فئات المجتمع، إذا لم يواكب انتشار الذكاء الاصطناعي سياسات تضمن استخدامه بشكل عادل وآمن.
أين تكمن المخاطر؟
رغم الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في تحسين الوصول إلى المعلومات الصحية، يحذر الخبراء من أن الاعتماد عليه دون إدراك حدوده قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
ويرى البروفيسور جيمس بارلو أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها. فالإجابات التي تقدمها روبوتات المحادثة قد تمنح بعض المستخدمين شعوراً زائفاً بالثقة، أو تدفعهم إلى تأجيل استشارة الطبيب، في حين قد يواجه آخرون صعوبة في تقييم مدى دقة المعلومات التي يحصلون عليها، خاصة إذا كانت لديهم معرفة صحية أو رقمية محدودة.
ويحذر بارلو أيضاً من تفاوت استفادة الفئات المختلفة بالقدر نفسه، مما قد يحرم بعض الأشخاص من فوائدها، أو يعرضهم لمخاطر أكبر نتيجة سوء فهم المعلومات.
ومن جانبه، يؤكد دانيال كرافت أنه لا توجد منصة ذكاء اصطناعي معصومة من الخطأ، لكن أخطاءها قد تُعرَض بثقة تجعل تمييزها أكثر صعوبة. ويكمن الخطر الأكبر في تأخير طلب الرعاية الطبية، إذ تتطلب الحالات الطارئة، مثل ألم الصدر أو أعراض السكتة الدماغية أو النزيف الحاد، الاتصال بخدمات الطوارئ فوراً لا الاعتماد على روبوتات المحادثة.
ويظل دور الأطباء ضرورياً في القرارات المتعلقة بالتشخيص والعلاج، مع إمكانية أن يعزز الذكاء الاصطناعي كفاءتهم المهنية.
ويبرز كرافت أهمية حماية خصوصية البيانات الصحية، مؤكداً ضرورة إدراك المستخدمين أن روبوتات المحادثة ليست بديلاً عن العيادات ولا تتمتع بالضرورة بمستوى السرية الطبية نفسه الذي توفره المؤسسات الصحية.
لكن في المقابل، يشير إلى إمكانية استفادة القطاع الصحي من مشاركة بيانات مجهولة الهوية بموافقة الأفراد، بما يساهم في تحسين الخدمات وتطوير حلول صحية تفيد مرضى آخرين.
هل يمكن الوثوق بروبوتات المحادثة؟
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانوا سيستخدمونها، بل كيفية استخدامها بأمان.
جوزيف ألدرمان، باحث وطبيب متخصص في الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية بجامعة برمنغهام في المملكة المتحدة، يعمل على دراسة استخدام التقنيات الرقمية في مجالات الرعاية الصحية والتخدير والعناية المركزة، يقول لبي بي سي نيوز عربي: "إن التحدث إلى روبوتات المحادثة قد يمنح المستخدم شعوراً بأنه يتحدث إلى شخص حقيقي، لكنها في النهاية أنظمة حاسوبية لها حدودها وقد تخطئ".
ويؤكد أن المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا تُؤخذ باعتبارها حقيقة نهائية، بل يجب مقارنتها بمصادر طبية موثوقة، خاصة إذا بدت الإجابات غير منطقية أو أثارت مزيداً من الشكوك، مع اللجوء إلى الطبيب عند الطوارئ.
وينصح ألدرمان، المستخدمين بصياغة أسئلتهم بوضوح، وتزويد روبوتات المحادثة بالمعلومات الضرورية عن حالتهم الصحية، لأن جودة الإجابة تعتمد إلى حد كبير على جودة السؤال. لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة الحذر عند مشاركة المعلومات الشخصية، موضحاً أن البيانات التي تُشارك مع روبوتات المحادثة قد لا تتمتع دائماً بمستوى السرية الذي تلتزم به المؤسسات الصحية.
وينصح ألدرمان بعدم الخوف من خوض تجربة روبوتات المحادثة للحصول على معلومات صحية، لكن مع الأخذ في الاعتبار أنها ليست بديلًا عن الطبيب. ونظرا لعدم معرفتها بتاريخك المرضي، فقد تقدم هذه الروبوتات معلومات غير دقيقة، لذلك ينبغي استخدامها باعتبارها أداة مساعدة، لا مصدراً وحيداً لاتخاذ القرارات الصحية.
هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الطبيب؟
رغم اختلاف زوايا تناولهم للموضوع، يتفق الخبراء الذين تحدثت إليهم بي بي سي نيوز عربي على أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من رحلة المريض، لكنه لا يمثل بديلاً عن الطبيب.
يرى دانيال كرافت، أن هذه التقنيات تتيح فرصة لتوسيع الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية، ودعم التحول نحو رعاية أكثر تخصيصاً ووقاية، خاصة في المناطق التي تعاني نقصاً في العاملين الصحيين.
أما جيمس بارلو، فيرى أن الذكاء الاصطناعي سيعزز على الأرجح دور العاملين في الرعاية الصحية بدلاً من أن يحل محلهم، كما سيعيد تشكيل علاقة المرضى بالرعاية الصحية من خلال تمكينهم من فهم حالاتهم بصورة أفضل والمشاركة بفاعلية أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بعلاجهم، لكنه في الوقت نفسه يفرض دورًا جديدًا على الأطباء، يتمثل في تفسير المعلومات التي تنتجها هذه الأنظمة والتحقق من دقتها.
لكن نجاح هذا التحول بحسب رأيه، يتوقف على عدالة الوصول إلى هذه الأدوات، مع بقاء التعاطف والفحص السريري والخبرة البشرية عناصر لا غنى عنها.
ومن جانبه، يؤكد جوزيف ألدرمان، أن الاستفادة من روبوتات المحادثة تعتمد على استخدامها بوعي، باعتبارها أداة للحصول على معلومات أولية، لا بديلًا عن التقييم السريري أو الاستشارة الطبية، خاصة في الحالات الطارئة أو عند ظهور أعراض مقلقة.
وربما تكمن المفارقة في أن السؤال لم يعد ما إذا كان الناس سيستخدمون الذكاء الاصطناعي عندما يشعرون بالقلق على صحتهم، بل ما الذي سيحدث عندما يصبح ذلك الاستخدام أمراً عادياً. فإذا كان روبوت محادثة قد يدفع شخصاً إلى اكتشاف مشكلة صحية لم تظهرها الفحوصات الأولية، فهل يمكن أن يصبح جزءاً من الطريق إلى التشخيص؟ وإذا كان قادراً على شرح نتائج الفحوصات وتقديم المعلومات في أي وقت، فهل نحن أمام مستقبل يصبح فيه الذكاء الاصطناعي مساعداً للطبيب أم أنه سيغير الطريقة التي نبحث بها عن الرعاية الصحية ونفهم بها أجسادنا ونتخذ بها قراراتنا؟