بعد نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في قطاع غزة، لا تزال تداعيات هجمات السابع من أكتوبر عام 2023 وما تبعها تلقي بظلالها على الفلسطينيين والإسرائيليين والمنطقة بأكملها، وسط أزمات إنسانية وسياسية وأمنية متشابكة، وتباين واسع في المواقف بشأن مستقبل غزة والضفة الغربية وشكل التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وبينما يواجه الفلسطينيون في غزة آثار الدمار والنزوح والأزمة الإنسانية، تشهد الضفة الغربية تحولات ميدانية متسارعة بفعل الاستيطان والتوتر الأمني. وفي الجانب الإسرائيلي، يستمر الجدل حول المسؤولية عن وقوع هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين أول وحول طريقة إدارة الحرب على غزة ونتائجها، في وقت تتبدل فيه مواقف دولية وشعبية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
قطاع غزة
تواجه غزة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا، بعد سنوات من القصف والعمليات العسكرية التي خلفت دمارا واسعا وخسائر بشرية كبيرة. ويعاني السكان من صعوبات في الحصول على الغذاء والماء والدواء والخدمات الأساسية، فيما لا يزال عدد كبير منهم يعيشون في ظروف نزوح أو تشريد.
وأدى الدمار الذي لحق بالقطاع إلى تضرر قطاعات واسعة من البنية التحتية والمساكن والمنشآت الصحية والتعليمية والخدمية، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار مهمة ضخمة تتطلب موارد مالية وترتيبات سياسية وأمنية واضحة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مسألة إدارة قطاع غزة ومستقبله السياسي والأمني غير محسومة. فهناك فراغ في الحكم والخدمات، في ظل غياب اتفاق فلسطيني شامل على الجهة التي ستتولى إدارة القطاع، وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه السلطة الفلسطينية أو الأطراف العربية والدولية.
كما لم تتحقق حتى الآن الوعود التي ارتبطت ببعض المبادرات الدولية بشأن نشر قوات دولية أو توفير ترتيبات أمنية مستقرة أو إطلاق عملية واسعة لإعادة إعمار القطاع، فيما بقيت التصورات المتعلقة بمستقبل غزة موضع خلاف بين الأطراف المعنية.
الوضع في الضفة الغربية
في الضفة الغربية، تتواصل التوسعات الاستيطانية الإسرائيلية في مناطق مختلفة، وسط مخاوف فلسطينية من أن يؤدي استمرار الاستيطان وتوسيع البؤر والمستوطنات إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي وتقليص فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
وتشهد مناطق مختلفة من الضفة كذلك توترات أمنية وعمليات عسكرية إسرائيلية، فيما تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الفلسطينيين.
وفي رام الله، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، فيما تتعرض لانتقادات بسبب محدودية قدرتها على التأثير في التطورات الميدانية.
وعلى الرغم من الدعوات المتكررة إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني، لا تزال المصالحة الوطنية بعيدة عن التحقق، كما لا تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على اتفاق فلسطيني شامل بشأن إدارة غزة أو العلاقة بين السلطة الفلسطينية والفصائل المختلفة.
الوضع في إسرائيل
في إسرائيل، لا يزال الجدل الداخلي بشأن هجوم السابع من أكتوبر مستمرا، ولا سيما حول المسؤولية السياسية والأمنية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم، ومدى قدرة الحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية على منع وقوعه أو التعامل معه.
وتتعرض الحكومة الإسرائيلية لضغوط سياسية وشعبية بسبب إدارة الحرب، والخسائر التي تكبدها الجيش، إضافة إلى الخلافات حول مستقبل قطاع غزة والجهة التي ستتولى إدارته بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وأدت سنوات الحرب إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن أهداف الحرب وحدودها ونتائجها، كما برزت مواقف أكثر تشددا في قطاعات من المجتمع، بالتزامن مع استمرار النقاش حول العلاقة مع الفلسطينيين ومستقبل الصراع.
ولا تقتصر آثار الحرب على الجانب العسكري والسياسي، إذ ظهرت تداعيات اجتماعية ونفسية داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصا بين جنود الاحتياط وعائلاتهم.
وتشير تقارير إلى ارتفاع الطلب على خدمات الدعم والعلاج النفسي بين جنود الاحتياط، إضافة إلى استمرار النقاش بشأن الضغوط التي يواجهها الجيش والمجتمع نتيجة طول أمد الحرب وتعدد الجبهات.
كما برزت قضية الهجرة أو مغادرة البلاد ضمن النقاش الداخلي الإسرائيلي. ووفقا لدراسة منسوبة إلى جامعة تل أبيب، غادر نحو 270 ألف إسرائيلي البلاد لمدة ثلاثة أشهر متتالية أو أكثر منذ السابع من أكتوبر عام 2023، وهو رقم يستخدم في النقاشات الإسرائيلية لقياس بعض الآثار الاجتماعية للحرب، مع اختلاف تفسير دوافع المغادرة وما إذا كانت مؤقتة أو دائمة.