أحكمت حركة طالبان سيطرتها على مناطق واسعة شمال أفغانستان وغربها وجنوبها، وأصبحت على بعد 50 كيلومترا من العاصمة كابول، بينما سرعت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة خطواتها لإغلاق سفاراتها واجلاء مواطنيها، استعدادا لسيناريو ما بعد سقوط العاصمة الذي يبدو انه لن يستغرق حتى مدة الشهر التي سبق أن توقعتها الاستخبارات الأميركية، بحال فشلت الجهود الديبلوماسية في وقف تقدم الحركة.
وقد دعت قطر أمس طالبان الى خفض التصعيد، وذلك على هامش الاجتماعات التي تستضيفها الدوحة للدول الباحثة عن حل للأزمة. وقال بيان لوزارة الخارجية القطرية إن الوزير الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني التقى رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان الملا عبد الغني برادر، وحثه «على خفض التصعيد ووقف إطلاق النار».
وبعد ان باتت طالبان على بعد 50 كم من العاصمة اثر سيطرتها على مدينة علم بل عاصمة ولاية لوغار التي تعتبر المدخل الجنوبي دون مواجهة تذكر، بحسب ما نقلت رويترز عن مسؤول محلي، قال الرئيس الأفغاني أشرف غني إنه يجري محادثات عاجلة مع زعماء محليين وشركاء دوليين.
وأضاف غني في كلمة مقتضبة نقلها التلفزيون «بصفتي رئيسكم ينصب اهتمامي على الحيلولة دون تفاقم انعدام الاستقرار والعنف وتشريد شعبي».
ولم يعط غني أي إشارة تحمل ردا على مطالبة مقاتلي طالبان له بالتنحي من أجل إجراء أي محادثات حول وقف إطلاق النار والتسوية السياسية، واعتبر أن «إعادة دمج قوات الأمن والدفاع هي أولويتنا».
وكان جون كيربي المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية الپنتاغون حذر من مخاوف من أن تهاجم طالبان العاصمة في غضون أيام. وقال «كابول ليست في حالة خطر وشيك، لكن من الواضح... أننا حين ننظر إلى ما تفعله طالبان فسنرى أنها تحاول عزل كابول».
وتأتي سيطرة طالبان على لوغار التي يمكن شن هجوم منها على العاصمة، بعد يوم من سقوط ثاني وثالث أكبر مدن أفغانستان في أيدي مقاتلي الحركة.
وبات الوضع الميداني حرجا للغاية بالنسبة الى الحكومة، إذ تمكنت طالبان خلال ثمانية أيام من السيطرة على معظم الشمال والغرب وجنوب أفغانستان، وباتت نحو 18 ولاية من أصل 34 بيد الحركة.
وكان مسؤول بالحكومة الأفغانية أعلن سيطرة طالبان على قندهار المركز الاقتصادي الواقع في جنوب البلاد. وسقطت مدينة هرات التي تقع في الغرب على الحدود مع إيران في قبضة طالبان.
ومثلت خسارة قندهار ضربة قوية للحكومة، بعدما تخلت عنها قواتها التي لجأت إلى منشآت عسكرية خارجها للتفاوض على شروط الاستسلام.
وتشيد حسابات مؤيدة لطالبان على وسائل التواصل الاجتماعي بالغنائم الهائلة للحرب التي استولى عليها المتمردون، ونشرت صورا لآليات مدرعة وأسلحة ثقيلة وحتى طائرة بدون طيار استولى عليها مقاتلو الحركة في قواعد عسكرية مهجورة.
ودارت معارك عنيفة امس حول مدينة مزار الشريف الاستراتيجية، عاصمة ولاية بلخ، لكن الغارات التي شنها الجيش الأفغاني لم تمنع سقوط المدينة بيد الحركة حسب ما نقلت رويترز عن مسؤول محلي أكد أن عناصر الجيش فروا إلى أوزبكستان المجاورة. وهذا المفترق التجاري هو المدينة الرئيسية الوحيدة في شمال البلاد التي لم تسيطر عليها حركة طالبان بعد.
وكابول ومزار شريف وجلال أباد في الشرق هي المدن الرئيسية الوحيدة المتبقية تحت سيطرة الحكومة. لكن لا يتوقع أن تقاوم لفترة طويلة لأنها تقع في منطقة يهيمن عليها البشتون الاثنية التي تنتمي إليها طالبان.
وفي جنوب شرق أفغانستان دخلت طالبان مدينة «شارانا» بإقليم باكتيكا، حسب مزاعم ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم الحركة.
وفي الوقت نفسه ذكرت مصادر في ولاية «باكتيا» جنوب شرق البلاد، أن طالبان شنت هجمات عنيفة في مدينة غارديز، عاصمة الولاية.
ولا يبدو أن الحركة ستبطئ زحفها فقد سيطرت امس على ولاية كونار في الشرق وصار بإمكانها أن تتقدم نحو كابول من الشمال والجنوب والشرق.
وفي سياق متصل، ذكر مسؤول أميركي أن قوات أميركية بدأت في التوافد على كابول للمساعدة في إجلاء موظفي السفارة ومدنيين آخرين.
ووصلت كتيبة أولى من مشاة البحرية الأميركية «المارينز» إلى العاصمة حيث سيكون دورها تأمين إجلاء الديبلوماسيين والأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة ويخشون أعمالا انتقامية.
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أنها ستنشر ثلاثة آلاف جندي في مطار العاصمة الأفغانية، وتخطط لعمليات اجلاء آلاف الاشخاص يوميا.
وفي مشهد اعاد للاذهان، عمليات إجلاء المروحيات للأميركيين من سايغون في نهاية حرب فيتنام قبل 46 عاما، حلقت مروحيات ذهابا وإيابا في كابول أمس بين المطار والمجمع الديبلوماسي الأميركي الواسع في المنطقة الخضراء التي تخضع لإجراءات حماية مشددة.
وذكر ديبلوماسيون أن بعض السفارات بدأت في حرق مواد حساسة قبيل إجلاء موظفيها.
وأخطرت السفارة الأميركية في كابول موظفيها، في مذكرة اطلعت عليها رويترز، بأنها وفرت صناديق حرق للقضاء على الأوراق والأجهزة الإلكترونية وغيرها بهدف «تقليل حجم المواد الحساسة بالمنشأة».
وأعلنت لندن في الوقت نفسه عن إعادة نشر 600 جندي لمساعدة البريطانيين على المغادرة.
كما أفادت دول أوروبية منها بريطانيا وألمانيا والدنمارك وإسبانيا، عن تقليص وجودها في أفغانستان إلى الحد الأدنى، وأعلنت عن برامج لنقل موظفيها الأفغان.
وفضلت بلدان أخرى بينها النرويج والدنمارك والتشيك إغلاق سفاراتها مؤقتا واجلاء مواطنيها.
وحذر أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، من أن «أفغانستان تخرج عن السيطرة» وحث جميع الأطراف على فعل المزيد لحماية المدنيين.