Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«اتفاق جنيف النووي» بين إيران والدول الكبرى: النتائج وحسابات الربح والخسارة
26 نوفمبر 2013
المصدر : الأنباء
بعد أربعة أعوام على مفاوضات مكثفة وصعبة في جنيف بين إيران والدول الست الكبرى (مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا)، تم التوصل الى اتفاق تمهيدي مدته ستة أشهر ينص على كبح طهران برنامجها النووي بما في ذلك وقفها تخصيب اليورانيوم بنسبة تفوق 5% في مقابل التزام الدول الست بتخفيف عقوبات اقتصادية مفروضة عليها.
يقول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن هذا الاتفاق الذي هو في الواقع اتفاق أميركي ـ ايراني وكان ثمرة مفاوضات سرية عقدت في سلطنة عمان في وقت سابق من هذا العام، ان الجميع رابح فيه ولم يخرج أحد خاسرا. وبالفعل يتصرف الجانبان الأميركي والإيراني ويتحدثان كرابحين راضيين عن المكاسب والانجازات التي يراها كل طرف من وجهة نظره ويتسلح بها في معركة تسويق الاتفاق. يرى الايرانيون انهم حققوا انجازا كبيرا واتفاقا تاريخيا أعطاهم مكسبا استراتيجيا بعيد المدى بحصولهم على اعتراف دولي وإن على نحو غير مباشر بحق ايران في تخصيب اليورانيوم، لتتحول عضوا في النادي النووي الدولي وتصبح دولة نووية باعتراف دولي، كما أعطاهم مكسبا آنيا حيويا تمثل في كسر نظام العقوبات ورفعها جزئيا وهم في أمسّ الحاجة اليه هذه الأيام لكسر حدة الأزمة الاقتصادية المالية التي تحاصرهم. فقد تم رفع الحظر، ولو جزئيا، في معظم القطاعات خصوصا قطاع النفط والتأمين (على ناقلات النفط) والتحويلات المصرفية واستيراد قطع الغيار للأسطول الجوي والبحري.. إلخ. الأميركيون يتحدثون ايضا عن مكاسب وانجازات تحققت بفعل هذا الاتفاق. فقد تم قطع الطريق على ايران في مجال تطوير برنامجها النووي وتحويله برنامجا للاستخدام العسكري وذلك بمنعها من تخصيب اليورانيوم بنسبة عالية (20%)، ووافقت ايران على عدم التخصيب بنسبة تفوق الـ 5% حدا أقصى وعلى تجميد العمل في معمل «أراك» خلال الفترة المرحلية (ستة أشهر)، وستكون آليات الرقابة والتفتيش على المنشآت النووية الايرانية دقيقة وحازمة عبر لجنة مشتركة وعبر مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأما العقوبات فقد جرى تخفيفها ولكن هيكلها مازال قائما وقدم الإيرانيون ضمانات كثيرة استباقا وتسهيلا لتطبيق الاتفاق ومنعا للعودة الى الوراء. أما الإسرائيليون فلهم وجهة نظر مغايرة عن حلفائهم الأميركيين، وهم يقرون صراحة بأن إسرائيل هي الطرف الخاسر في هذا الاتفاق السيئ الذي يمنح ايران خفضا وتخفيفا جوهريا للعقوبات من جهة، ويحافظ على الأجزاء الجوهرية في مشروعها النووي من جهة ثانية، اي ان الاتفاق يسفر عن تفكيك نظام العقوبات الذي تطلب بناؤه سنوات من دون ان يوصل الى تفكيك برنامج ايران النووي. وباختصار فإن اسرائىل ترى ان ايران أحرزت «صفقة العمر» ونجحت في انتزاع اعتراف أميركي ودولي بها كدولة نووية، وإذا كان الموقف الإسرائيلي ركز دائما على تجريد ايران من قدراتها النووية سلما او حربا وعلى رفض احتفاظ ايران بمشروعها النووي حتى لأغراض سلمية، فإن ما خلص اليه الاتفاق المبرم هو تحقيق ايران وضعية «الدولة العتبة» بالحصول على حق التخصيب بنسب منخفضة، وإبطاء المسيرة الإيرانية نحو المشروع النووي العسكري مع استمرار امتلاك التقنيات اللازمة لذلك. ماذا يعني هذا الاتفاق؟ وماذا سيغير في المشهد الدولي والخارطة الاقليمية على صعيد العلاقات والتوازنات والملفات؟
مما لاشك فيه ان اتفاق جنيف النووي هو واحد من أهم أحداث العام 2013، لا بل أهمها، ويتجاوز بدرجات بأبعاده وانعكاساته اتفاق جنيف الكيميائي حول سورية. وهذا الاتفاق نقطة تحول مفصلي ومن المفترض انه يمهد ويؤسس لاتفاق نهائي بعد ستة أشهر. وحصول الاتفاق، بغض النظر عن تفاصيله المهمة، مهم في حد ذاته ويشكل اعلانا لمرحلة جديدة، وحيث ما قبل الاتفاق ليس مثل ما بعده. وأما أبرز النتائج والانعكاسات فهي:
1 ـ خروج ايران من العزلة الدولية التي طال أمدها. فالأمر لا يقتصر على «تصديع نظام العقوبات» وإنما يتجاوزه الى اعتراف دولي بموقع ايران ودورها الاقليمي واستعداد دولي للتعايش مع «ايران نووية» وإن لأغراض سلمية.
2 ـ دخول اسرائيل في عزلة دولية بما خص البرنامج النووي الايراني. بدت اسرائيل تقاتل بمفردها على هذه الجبهة، ولن يتأخر الوقت حتى تدرك ان عهدا آخر يبدأ في المنطقة يطوي صفحة الخيار العسكري مع ايران ويعيد رسم خريطة جديدة من العلاقات والمصالح والاستراتيجيات. وسيكون صعبا على اسرائيل ان تخوض الخيار العسكري منفردة او ان تواجه ارادة المجتمع الدولي وقراره مهما كان من غضب واستياء ومهما بالغت وتباهت بالتلويح بالخيار العسكري وبأنها قادرة منفردة على توجيه ضربة عسكرية ضد ايران ومنشآتها النووية.
3 ـ انتقال العلاقات الأميركية ـ الايرانية الى مرحلة جديدة تطوي ثلاثة عقود من التوتر والانقطاع، وحيث يعلن الاتفاق النووي ان أميركا وإيران تجاوزتا «الخلافات الايديولوجية» وتتجهان لتغليب المصالح الآنية التي فرضتها ظروف خاصة على كل منهما، فإدارة أوباما كانت تستعجل اتفاقا وانجازا يقطع الطريق على تحرك الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على طهران ويفتح الباب أمام تسوية كثير من ملفات المنطقة، حيث لا غنى عن دور ايران، كما تحتاج واشنطن الى تهدئة طويلة في المنطقة التي تتحرك أحداثها على ايقاع سريع ومفاجئ، منتقلة من «ربيع عربي» راهن فيه الأميركيون على بروز قوى اسلامية معتدلة لمواجهة التمدد الايراني والقاعدة على حد سواء، الى تصدع الجبهة «الاسلامية الاخوانية» التي كانت تتشكل بين أنقرة والقاهرة كان سببا مباشرا في فتح حوار مع ايران.
4 ـ اشتداد أزمة الثقة بين الولايات المتحدة والدول الحليفة لها في المنطقة، التي تخشى ان تمر مثل هذه الاتفاقات على حسابها وأن تساهم في تكريس النفوذ والتأثير الايراني المتعاظم في المنطقة وفي ظل الصراع السني ـ الشيعي الدائر والمحتدم. وتنظر دول خليجية بعين القلق الى ما تعتبره «هرولة أميركية» باتجاه ايران من دون اخذ أدوارها ومصالحها بعين الاعتبار.
5 ـ اطلاق دينامية سياسية ـ ديبلوماسية جديدة في المنطقة تغلب الحوار والحلول السياسية على الحروب والحلول العسكرية، وهذا ما ينعكس على ملفات ساخنة عالقة في مقدمتها ملف الأزمة السورية، وفي ظل توقعات تقول ان اتفاق جنيف النووي من شأنه ان يسرع مسار «جنيف 2» وعلى قاعدة دولية ـ اقليمية صلبة جديدها انضمام ايران الى هذا المسار والقبول بها كجزء من الحل، ولكن من دون ان يعني ذلك ان «جنيف 2» مضمون ونجاحه في المدى المنظور، لا بل تبدو فترة الأشهرة الستة المحددة كمرحلة انتقالية لتطبيق الاتفاق المرحلي واختبار النوايا، فترة صعبة وحافلة بالتحديات بسبب وجود حالة اعتراضية على اتفاق جنيف النووي وجود مهلة أخيرة لتحسين المواقع والشروط قبل الوصول الى الاتفاق النهائي، وللدخول في اختبارات قوة ومواجهة في ساحات المنطقة الممتدة من العراق الى سورية ولبنان.