د.أمينة العريمي - باحثة سياسية إماراتية في الشأن الأفريقي
gulf_afro@
- عقب استقلال السنغال بعام افتتحت سفارتها في الكويت في 1961 كما افتتحت الكويت سفارتها في داكار عام 1971
- داكار وقفت مع الشرعية الكويتية عام 1990وشاركت في التحرير وخسرت 92 من جنودها
تصنف السنغال من الدول التي استطاعت أن تفرض نفسها كنموذج مثالي أثبت نجاحه على جميع الأصعدة سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا، فسياسيا، السنغال دولة لم يعرف في تاريخها أن شهدت انقلابات عسكرية منذ ما يزيد على ستة عقود، أما اقتصاديا فالسنغال اليوم هي مركز نقدي، وتجاري، واستثماري للعديد من الدول، هذا بالإضافة إلى اختيارها كمقر لكثير من المؤسسات المالية والنقدية بسبب استقرارها السياسي، أما اجتماعيا، فرغم الاختلافات العرقية والدينية في السنغال إلا أنها لم تشهد صراعا طائفيا كقريناتها الأفريقيات.
العلاقات الخليجية ـ السنغالية (فرص ثمينة)
٭ المملكة العربية السعودية: قدمت الرياض قروضا ميسرة لداكار خلال الأعوام 2010 ـ 2012، كما أن القطاع الخاص السعودي قام بتجديد قرض استثماري جديد للسنغال تمثل في مساهمة شركة «المملكة» في تملك 12% من شركة الاتصالات «سوناتل» السنغالية، وشراء فندق ميريديان داكار، وفي عام 2014، دعت المنظمة الفرانكفونية الرياض لحضور اجتماع المنظمة في داكار، وترأس الوفد السعودي سمو الأمير الوليد بن طلال لكونه أحد أهم المساهمين في مجال الاستثمارات والعقارات، وأكبر المانحين والداعمين لقطاع الصحة والتعليم في أفريقيا.
ساهمت الرياض في دعم مؤسسات ومراكز التعليم الإسلامي، وفتح مراكز خاصة لتعليم اللغة العربية في بلد نسبة المسلمين فيه 95%، كما دعمت المملكة برنامج «أوكسفام» في السنغال لتحسين فرص دخول العمل.
في فبراير 2016، وافقت الرياض على تمويل السنغال بتنفيذ مشروعها الإستراتيجي في قطاع البنية التحتية، وهو عبارة عن سكك حديدية للقطارات السريعة يربط بين العاصمة داكار ومطار بليز ديان الدولي الجديد، كما ساعدت المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص (عضو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية في جدة) جمهورية السنغال في إصدار صكوك سيادية في السوق الإقليمي للاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، خاصة أن الصكوك السنغالية تعتبر أول صكوك سيادية صادرة من قارة أفريقيا، وهذا ما مهد الطريق لدول غرب ووسط أفريقيا من اعتبار الصكوك أداة بديلة للتمويل، وتطمح «نيجيريا» اليوم أن تصبح مركزا أفريقيا للتمويل الإسلامي.
تهدف المملكة العربية السعودية إلى دعم انتشار الصيرفة الإسلامية في أفريقيا، والتي لاقت نجاحا كبيرا في العديد من العواصم الأفريقية «داكار»، «نيامي»، و«أبيدجان» التي نجحت مؤخرا في إصدار أكبر عملية للصكوك السيادية في غرب أفريقيا بقيمة (244) مليون دولار.
وافق البنك الإسلامي للتنمية بتاريخ 29 ـ 9 ـ 2016 على تمويل مشروعين لصالح السنغال بقيمة 356 مليون دولار، ويهدف البنك الإسلامي للتنمية إلى زيادة أنشطته في أفريقيا لتعزيز جاذبية التمويل الإسلامي في تلك المنطقة التي يقطنها أكثر من 70% من المسلمين، كما يهدف على تشجيع الصادرات، ودعم المشروعات التنموية، وخلق فرص عمل.
٭ دولة الكويت: بدأت العلاقات الكويتية ـ السنغالية في بداية عقد الستينيات من القرن الماضي، فبعد أن نالت السنغال استقلالها من فرنسا 1960، كانت أول سفارة للسنغال في الكويت عام 1961، وافتتحت الكويت سفارتها في داكار عام 1971، وأبرمت الكويت مع السنغال أول اتفاقية مشتركة بتاريخ 7 ـ 3 ـ 1972، وهي اتفاقية هدفها دعم التجارة بين البلدين، وتعززت العلاقات الكويتية ـ السنغالية بعد ذلك بوقوف داكار مع الشرعية الكويتية عام 1990، ومشاركتها في عملية تحرير الكويت 1991 والتي خسرت فيها السنغال (92) من جنودها هناك.
في عام 2009 اتفق البلدان على توقيع اتفاقية «عدم الازدواج الضريبي» وهي اتفاقية تقوم بحماية جميع الاستثمارات لكلا الطرفين، كما ساهمت الجمعيات الخيرية الكويتية وعلى رأسها جمعية «عبدالله النوري» وذلك بالتنسق مع الخارجية الكويتية، على تأسيس المجمع التعليمي الكويتي الثاني في عام 2014، والذي ستستفيد منه أكثر من 20 قرية سنغالية، كما أسست الكويت في عام 2004 «مجمع جابر الأحمد»، وهو مجمع لتعليم الدراسات العربية والإسلامية، ومن الجدير بالذكر أن هناك (29) اتفاقية تجارية واستثمارية بين الكويت والسنغال تتجاوز قيمتها (600) مليون دولار.
وأبرمت وزارتا الدفاع الكويتية والسنغالية مؤخرا اتفاقية عسكرية لابتعاث ضباط وجنود سنغاليين إلى كلية القيادة والأركان الكويتية للدراسة، وفي ابريل 2016 أبدت حكومة الكويت موافقتها على إسقاط الديون السنغالية.
٭ مملكة البحرين: وقعت مملكة البحرين مع جمهورية السنغال اتفاقية تدريب خبراء اقتصاد سنغاليين في (معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية/ Bahrain Institute of Banking & Finance)، خاصة أن هذا المعهد يقوم بدور حيوي في تدريب وتطوير الثروة البشرية في مجالات الخدمات المصرفية، والمالية الإسلامية، والتنمية التنفيذية، والقيادة الإدارية، والتأمين، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتؤدي البحرين دورا حيويا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في هذا المجال.
في مارس 2016، أقيم في داكار «أعمال المنتدى الأول للأعمال الحلال في أفريقيا»، تحت شعار «نحو دينامية المبادلات التجارية مع دول الخليج العربي وآسيا»، وترأس الوفد الخليجي رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي البحريني السيد «عبد الرحيم نقي».
٭ دولة الإمارات العربية المتحدة: وقعت شركة موانئ دبي العالمية والحكومة السنغالية مذكرة تفاهم لإنشاء منطقة لوجستية حرة بالقرب من مطار وميناء السنغال الجديدين، كما ساهمت دولة الإمارات بمبلغ 53 مليون درهم، لتطوير البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية في السنغال، وقدم صندوق أبوظبي للتنمية قروضا ميسرة بلغت 193 مليون درهم، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 451 مليون دولار.
أبرمت شركة ديار الإماراتية للتطوير العقاري عن توقيع اتفاقية مع مؤسسة «دبي للعطاء» لتأسيس مدرسه في منطقة (فاتيك) النائية في السنغال، لإتاحة الفرصة للأطفال لمواصلة تعليمهم، وسيستفيد من هذا المشروع 150 طفلا، و60 بالغا، وذلك ضمن برامج تعليمية خاصة للبالغين، وهذا هو المشروع الثاني في السنغال لذات الشركة.
٭ دولة قطر: أبرمت دولة قطر في عام 1998 مع جمهورية السنغال اتفاقية سميت بـ «بالاتفاقية الاقتصادية المشتركة»، والتي اتفق فيها الطرفان على التبادل التجاري والاقتصادي، ووقع الطرفان مؤخرا على مذكرة تفاهم لتنظيم جلب العمالة السنغالية إلى الدوحة، نظرا لما تشهده دولة قطر من تطور وتنمية على جميع الأصعدة، واستضافتها لمونديال 2020.
٭ سلطنة عمان: تقدم مسقط مبلغ «مليون دولار» لمناطق غرب أفريقيا، كمساعدات عينية وإغاثية ضمن برنامج المساعدات العالمي.
تقدم ملحوظ
أرى أن العلاقات الخليجية- السنغالية تشهد تقدما ملحوظا في مجال الاقتصاد والاستثمار ولكنه ليس مساويا بما فيه الكفاية في المجال السياسي، فدول مجلس التعاون الخليجي أمامها فرصة ثمينة في السنغال قد لا تتكرر في أي دولة من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ولضمان تقدم تلك العلاقات على المستويين الاقتصادي والسياسي يمكن عمل الآتي:
٭ يمكن لدول الخليج العربي البدء بتكوين شراكة إستراتيجية ممكن أن تتمثل في تكتل اقتصادي يضم (دول الخليج الست، والسنغال، والمغرب، ونيجيريا)، فقد يكون لهذا التكتل نتائج إيجابية ليس فقط على دول الخليج العربي، بل على الدول الأفريقية الأعضاء في ذلك التكتل، فمثلا قد تتقارب وجهات النظر المغربية- النيجيرية بشأن ملف الصحراء الغربية الذي يقوض الأمن الوطني المغربي، وإقناع «أبوجا» بسحب الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية، لكون نيجيريا إحدى أهم القوى الأفريقية المؤهلة لقيادة أفريقيا، ومن ناحية أخرى يمكن لدول الخليج العربي تحجيم النفوذ الإيراني في منطقة غرب افريقيا الذي بات يشهد نشاطا على جميع الأصعدة بدءا بالمراكز الثقافية وانتهاء بالعلاقات التجارية وخير مثال على ذلك افتتاح مصنع (خودرو/ أهم مصنع لتصنيع وتجارة السيارات الإيرانية) في قلب العاصمة السنغالية داكار.
٭ دعم المملكة العربية السعودية في برنامج التمويل الإسلامي، وإصدار الصكوك الإسلامية في السنغال وساحل العاج، والنيجير، ونيجيريا، لإرساء قيم اقتصادية قوية يمكن أن ينعش الاقتصاد الأفريقي من ناحية، ويحافظ على الأموال الخليجية بعيدا عن أي ابتزاز سياسي/ اقتصادي مستقبلي من ناحية أخرى.
إلا أن ما يعترض ذلك المشروع من وجهة نظري مجموعة عوائق قد تحدد سير ذلك المشروع المستقبلي:
٭ رؤية باريس لهذا التقارب الخليجي- الأفريقي والذي قد يتطور لشراكة إستراتيجية، فقد تراه فرنسا مهددا للمصالح الفرنسية في غرب أفريقيا، وتجاوزا على مصالحها في أفريقيا مما سيفضي إلى تبني إستراتيجية فرنسية تقض مضجع ذلك التقارب.
٭ الولايات المتحدة أعلنت عن تواجدها بشكل دائم في الساحل الغربي الأفريقي، بعد أن نقلت قاعدتها العسكرية (أفريكوم) من «شتوتغارت» بألمانيا إلى السنغال، وبالتالي قد تتعاون باريس وواشنطن ويستخدمان ورقة الجماعات الإرهابية لضرب المصالح الخليجية المتنامية في أفريقيا «جنوب الصحراء»، وبالتالي أرجح أن تتفق باريس وواشنطن على إبقاء الجماعات الإرهابية بنصف قوة، وذلك لاستخدامهم متى ما دعت الحاجة لتقويض حجم طرف ما، خاصة أن هناك قوى بدأت تطل برأسها في أفريقيا مثل الصين، وروسيا، وتركيا، وكوريا الجنوبية، وهذا ما يفسر عدم منطقية أن تجتمع الإيكواس/ وباريس/ والمجتمع الدولي على هزيمة بوكو حرام في نيجيريا، وتنظيم القاعدة في مالي ولم تنجح في القضاء عليهما حتى الآن.