يبدي إقليم كردستان العراق تصميما ـ رغم نصائح وتحذيرات وضغوط إقليمية ودولية بعدم الانزلاق الى مشروع الانفصال والدولة المستقلة التي سيسهل ضربها وعزلها ـ على المضي قدما بخيار الاستفتاء وإعلان كردستان دولة مستقلة، ورفض دعوات التأجيل من بغداد أو من دول الجوار الإقليمي أو من الأطراف الدولية المهتمة، معتبرا أن هذه هي اللحظة التاريخية السانحة لاقتناص الدولة الكردية وتحويل الحلم الى حقيقة، في ظل ظروف العراق المتردية بسبب حربه على تنظيم «داعش»، والضعف الذي يعانيه بسبب المشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية.
فالعودة الى الوضع السابق لم تعد ممكنة، ومن مصلحة الأكراد الاستفادة من هذه التطورات لتثبيت ما أخذوه وتحصيل مكاسب جديدة، خصوصا تحصيل الاعتراف بكركوك جزءا من كردستان والحصول على هامش أوسع في القرار والحركة في إطار النظام اللامركزي.
يضاف الى ذلك انشغال الجوار الجغرافي لكردستان العراق بمشكلات حيوية تمنعه من تعطيل الاستفتاء: سورية غارقة في حروبها الداخلية، وتركيا لديها ما يكفيها من مشاكل داخلية، وتحركها ضد انفصاله سيقابله أكرادها بتصعيد عملياتهم العسكرية في سائر المدن. أما إيران، فإن الولايات المتحدة لن تسمح لها بأي تحرك ضده. إضافة الى الانشغال الدولي بمحاربة الإرهاب...
وتدرك حكومة كردستان أن الاستفتاء بقدر ما يشكل فرصة، فإنه يحمل تحديات ومخاطر حقيقية. ذلك أنه سيجرى في ظل عدم وجود توافق داخلي أو إقليمي أو دولي حوله، بل ترفضه (إضافة الى الحكومة العراقية) دول الجوار الإقليمي خصوصا تركيا وإيران وسورية، وبالتالي فإنها لن تتوانى عن تقويض دولة كردستان المستقلة إذا قامت في العراق. في المقابل هناك كثيرون ممن يشعرون بالتعاطف مع الأكراد، لكنهم يشعرون بالقلق عليهم وعلى العراق والمنطقة مما قد يحدث غداة استفتاء يفتقر إلى التوافق حوله، وتحيط به المخاطر الداخلية والخارجية. كما أنه لا ينسجم مع المعطيات والظروف الموضوعية الآنية على المستوى الإقليمي والدولي. فأي خطوة للعبور إلى دولة كردية لابد أن تحقق ثلاثة شروط: أولها أخذ الضوء الأخضر الدولي، ولاسيما من الدول الكبرى الفاعلة على الأرض، وثانيها إقناع الدول الإقليمية، ولاسيما تركيا وإيران، وثالثها تحقيق الاستقلال الاقتصادي للدولة الوليدة. وأي من تلك الشروط لم يتوافر حتى اللحظة بشكل كامل. فليس مهما إجراء الاستفتاء وإطلاق مشروع الاستقلال، وإنما المهم القدرة على ترجمة مشروع الدولة الكردية الى واقع وقابلية هذه الدولة للاستمرار والتطور في ظل انهيارات سياسية داخلية وحصار اقتصادي من الخارج.
أما الخيارات المتاحة أمام القيادة الكردية، فهي كما نقل عن السفير الأميركي في العراق دوغلاس سيليمان قوله للأكراد مؤخرا: «إنكم أمام ثلاثة خيارات بشأن عملية الاستفتاء: الأول عدم إجراء الاستفتاء وعدم تحديد موعد آخر، وفي هذه الحالة يستمر الدعم الأميركي للأكراد.
والثاني إجراء الاستفتاء داخل أراضي الإقليم فقط (من دون المناطق المتنازع عليها مثل كركوك) وستحصلون على سكوت أميركي.
والثالث، وهو أخطرها، إجراء الاستفتاء داخل الإقليم وخارجه، وفي هذه الحال يتحمل الأكراد وحدهم مسؤولية ذلك، ولا يحصلون على أي دعم أميركي، حتى لو تدخلت بغداد أو إيران عسكريا». ولكن رئيس الإقليم مسعود البارزاني رد بأن الإقليم لن يؤجل الاستفتاء إلا ببديل أفضل يرضي شعب كردستان. والبديل شيء ملموس، أي أن تعطي واشنطن والتحالف والمجتمع الدولي ضمانات بأنه في حال موافقة الإقليم على تأجيل الاستفتاء، فسيحدد وقت آخر لإجرائه وتعترف بنتائجه..
الأكراد الذين يواجهون ضغوطا هائلة لفتح حوار مع حكومة بغداد، يريدون بدائل تضمن البدء بحوارات ثنائية مع بغداد من شأنها تحقيق الاستقلال وبضمانات دولية لتنفيذ التعهدات.
معارضة القوى الإقليمية لاستقلال كردستان تنبع من الارتباك والخشية من النتائج.
تركيا: تحذير.. وبراغماتية
حذرت تركيا من أن الخطوة التي يصر عليها الإقليم الكردي في شمال العراق سيكون لها ثمن، وستؤدي الى حرب أهلية في العراق وتزيد من أزمات المنطقة وعدم استقرارها، مشيرة الى أن الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق قد يضر كثيرا بالعلاقات ما بين الحكومة التركية وحكومة الإقليم، علما أن تركيا هي الحليف الاقتصادي الأكبر للإقليم. ويحذر المسؤولون الأتراك من العواقب التي سيتركها الاستفتاء على التعاون في مجال الطاقة، (أبرمت تركيا في العام 2014 اتفاقا مع حكومة إقليم شمال العراق، ويقضي السماح بضخ مئات الآلاف من براميل النفط إلى تركيا عبر طريق تسيطر عليه حكومة الإقليم، وتصدر عبر خطوط أنابيب جيهان إلى الأسواق العالمية، إضافة إلى أن حجم التبادل التجاري بلغ 8.5 مليارات دولار في العام الماضي، فضلا عن مشاريع ضخمة للطاقة في طور الإعداد بين الطرفين).. وتخشى تركيا التي تضم العدد الأكبر من الأكراد في المنطقة ويشكلون نحو 20% من سكانها، من أن يشجع تأييد استقلال كردستان العراق في الاستفتاء الأكراد فيها على تصعيد مطالبهم بالحكم الذاتي في جنوب شرقي البلاد، والنزعة الانفصالية لـ «حزب العمال الكردستاني» المحظور.
تركيا التي تبدو للوهلة الأولى أبرز المتضررين وأول المعارضين، تنتهج سياسة براغماتية، لأن البارزاني هو صديقها وحليفها وشريكها في مواجهة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه إرهابيا.
هذا فضلا عن علاقات اقتصادية مع أربيل تبدو رابحة للأتراك، خصوصا في مجال تصدير النفط.
وما يزيد من قوة منطق التعامل البراغماتي مع استفتاء إقليم كردستان ومخرجاته، هو الاستحقاقات والانشغالات بالقضايا الداخلية التركية، خصوصا أن تركيا في مرحلة الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، ويمتلك الصوت الكردي التركي أهمية لـ«حزب العدالة والتنمية» في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والذي كان له دور مهم في نجاح الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة التي أفضت إلى النظام الرئاسي. كما أن الحكومة التركية تعرف جيدا أن تعاونها مع حكومة إقليم كردستان مهم وحيوي جدا لمساعيها الأمنية والعسكرية ضد عناصر حزب العمال الكردستاني، داخل تركيا وخارجها.
فأكثر ما تخشاه تركيا ليس الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق، بل ما يخطط له «قادة الأكراد» في سورية، حيث باتوا يشكلون قوة على الأرض بفضل الدعم الأميركي، ويتخذون حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي واجهة لتنفيذ مخططهم في قيام دولة معادية على الشريط الحدودي الممتد من عفرين إلى منبج وعين العرب (كوباني) وصولا إلى القامشلي، ما يعني زيادة التحديات الأمينة، ودخول أنقرة في نفق المواجهات العسكرية المفتوحة مع حزب العمال الكردستاني.
إيران: الأكثر رفضا
تعتبر إيران أن عملية اجراء الاستفتاء في إقليم كردستان خطوة خطيرة واستفزازية وغير مقبولة، ولا تساعد على دعم الحوار الأخير في بغداد لتسوية القضايا العالقة فحسب، بل ستؤثر في مسيرة دعم انتصارات العراق في محاربة الإرهاب. وحذرت من تداعيات هذا القرار الذي يعد انتهاكا صارخا لسيادة العراق ووحدة أراضيه، رافضة أي إجراء يؤدي إلى قيام أزمات جديدة في المنطقة وعلى حدود دول الجوار العراقي.
إيران تتحفظ على الاستفتاء لأنها تخشى أن تلهب هذه الخطوة مشاعر الأكراد لديها للمطالبة باستقلال إقليمهم، أو حصول تداعيات قد تؤدي الى اضطرابات ودخول المنطقة في احتراب عرقي. وهناك خشية من أن يستغل الإيرانيون رفض غالبية العرب العراقيين ومعهم التركمان كلهم للاستفتاء وأن ينجحوا في دغدغة الحس القومي لدى هؤلاء وافتعال صدام عربي ـ كردي لن تستفيد منه سوى إيران التي تعتبر أن قيام دولة كردية سيشكل مقتلا فعليا لتماسكها الذي بقي مهددا بيقظة فسيفسائها القومي، الأكراد والعرب والبلوش والآذاريين.. وغيرهم وهناك اعتقاد بأن إيران ستلجأ إلى التصعيد ودفع الأمور في اتجاه المواجهة العسكرية لضمان استمرار وجودها ونفوذها في العراق.
في الأسابيع القليلة الماضية، استقبلت أربيل والسليمانية، وفودا إيرانية، واجتمع قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» الجنرال قاسم سليماني مع أبرز قادة الأكراد. ما رشح عن لقاءاته محاولة إعادة ترتيب أوراق البيت الكردي الداخلي، خاصة المقربين من طهران، إلى جانب إقناع قيادة «الديموقراطي» بضرورة العدول عن إجراء الاستفتاء. وما رشح أيضا عن اجتماعات الجنرال الإيراني، تحذيرات طهران وأنقرة الجدية للحيلولة دون إجراء الاستفتاء، إما بـ «القوة والحزم» أو بـ «اللين، وإيجاد مخرج يحفظ ماء وجه البارزاني».
إسرائيل: الأكثر حماسا
تبدو إسرائيل الدولة الأكثر حماسة لقيام دولة كردية، إذ سبق أن أعلن عدد من قادتها دعمهم إقامة مثل هذه الدولة. وهذا الموقف لم يكن مفاجئا، بل يأتي تتويجا لمسار طويل من العلاقات الثنائية شملت المجالات الاستخبارية والعسكرية. فمنذ العام 2003 تقيم إسرائيل وإقليم كردستان علاقات واسعة ومتشعبة، ولا تقتصر فقط على العلاقات العسكرية والسلاح والاستخبارات، بما يشمل محطة خاصة للموساد تمكن إسرائيل من نقل معاركها الاستخبارية إلى تخوم إيران، بل تمتد لتشمل أيضا العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري.
ويبدو أن إسرائيل باتت أكثر تمسكا بهذا الخيار بعدما رأت أن مسار التطورات في المنطقة يتجه نحو مزيد من التعاظم لمحور الممانعة، وهو ما يشكل تحديا وتهديدا لأمنها القومي.
وتعمل إسرائيل على احتواء مفاعيل هذا المسار ومحاولة الالتفاف عليه من خلال الورقة الكردية إحدى أهم الأوراق التي تتحرك في موازاة مسارات أخرى تعمل عليها. ومما يعكس الطابع الاستراتيجي للموقف الإسرائيلي، أنها دعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى دعم هذا المسار والحث عليه لأن الأكراد يستحقون دولة لهم، ومن مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة قيام دولة كردية. وحان الوقت كي تدعم الولايات المتحدة ذلك.
مصادر مراقبة تشير الى أنه بغض النظر عن خصوصية الشعب الكردي، وطموحاته وحقوقه، إلا أن لإسرائيل رؤيتها وتقديراتها ورهاناتها على مسار الانفصال الكردي:
٭ هو بمثابة زرع قنبلة إقليمية يمكن أن تشكل أرضية تسهم في إعادة إرباك الساحة الإقليمية وإنتاج الفوضى الأمنية...
٭ سيكون بداية دينامية لن تقتصر مفاعيلها وتداعياتها على العراق وحده، بل ستشمل كل المحيط الإقليمي، وتحديدا إيران، إضافة إلى تركيا وسورية. ويبدو أن الدولة الكردية المفترضة ستؤدي دورا وظيفيا على المستويات الاستراتيجية والأمنية والسياسية في مواجهة التهديدات المحدقة بها. وستقدم إسرائيل نفسها في هذا السياق كدولة مناصرة لحرية الشعوب.
٭ الدولة الكردية ستكون جزءا من تحالف إقليمي يضم الأردن وسائر أطراف معسكر الاعتدال العربي، وكجزء من استراتيجية أوسع تستهدف احتواء مرحلة ما بعد «داعش»، وبهدف إنتاج خط توتر إقليمي جديد يفجر المنطقة ويؤسس لمسار استنزافي جديد.
كما يمكنها أن توفر إيجاد تواصل مباشر مع إيران عبر الجغرافيا الكردية. وتراهن إسرائيل على أن يساهم ذلك في زيادة قدراتها في الرد والردع والدفاع، عبر تعميق التحالف مع الدولة الكردية المفترضة، التي تتوافر فيها الأرضية والتاريخ والعلاقات والمصالح لتحقيق أقصى الطموح الإسرائيلي. وتهدف إسرائيل بذلك إلى إفقاد إيران إحدى أهم المزايا التي تتفوق بها، والتي تحضر بقوة لدى المؤسسة الأمنية، عبر مفهوم مفاده أن لإيران حدودا مع إسرائيل، فيما ليس لإسرائيل حدود مع إيران. لكن مع إقامة الدولة الكردية، يصبح لكل منهما، وفق المفهوم الأمني الإسرائيلي، حدود مع الآخر، وهو ما سيكون له تداعياته الاستراتيجية والأمنية. لذلك، تطلب إسرائيل من عواصم القرار الدولي، وتحديدا واشنطن، دعم خيار إقامة دولة كردية في هذه المرحلة، مغلفة الأبعاد الاستراتيجية والمصالح الكبرى بعناوين أخلاقية وإنسانية.