سنة 2020 تُقرأ من عنوانها.. إنها سنة التحولات والأحداث والمفاجآت «الدراماتيكية»، ما كادت «تقلع» في أيامها الأولى، حتى داهمها حدث اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد بأمر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا تطور على جانب كبير من الأهمية والخطورة يخلط الأوراق وقواعد اللعبة، ويضع المنطقة برمتها على «فوهة بركان» وحافة الحرب، وهذا حدث استثنائي يقرأ في خلفياته وأبعاده ونتائجه وتداعياته، ويمكن اختصار كل ذلك في النقاط التالية:
١- قاسم سليماني شخصية إيرانية قيادية، وعمليا وعلى الأرض، يعد أهم شخصية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. دوره وصلاحياته وسلطته أكبر وأبعد من مهامه وموقعه الرسمي كقائد لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. إنه مهندس ورأس حربة المشروع الإيراني في المنطقة، والعقل المدبر والمخطط والمنفذ لعملية تصدير الثورة الإسلامية وتوسع إيران وتمددها في المنطقة، وإقامة الرابط الجغرافي الاستراتيجي من طهران الى شاطئ المتوسط، مرورا ببغداد ودمشق وصولا الى بيروت، وإحاطة إسرائيل من 3 جهات في الجنوب (غزة) والشمال (لبنان وسورية)، بتهديدات وشبكات صاروخية.. ولأن سليماني هو على هذا القدر من الأهمية والقيمة الاستراتيجية، كان له هذا «التشييع الأسطوري» الذي امتد من جنوب العراق الى مدن إيران متنقلاً لـ 3 أيام وسط احتشاد الألوف من الأهواز ومشهد وقم الى طهران وكرمان مسقط رأسه، ولأنه كذلك، فإن إيران لا يمكن أن تتغاضى وتسكت، ولا يمكنها إلا أن ترد. المسألة ليست «هل ترد إيران؟»، الرد حتمي وآت لا محالة، المسألة هي في «كيفية وماهية هذا الرد».
٢- نحن أمام اغتيال «علني مباشر» نفذ بأمر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يتردد ولم يتأخر في تبني هذه العملية، ولم يحاول التخفيف من وقعها ووطأتها. ما يعني أن ترامب أخذ قرارات لم يقدر عواقبها، ويبدو لكثيرين قرارا متهورا، ولكنه يعني عمليا:
- نقل الصراع الأميركي- الإيراني الى مرحلة جديدة ورفع مستواه ووتيرته.
- الانتقال من «حرب الوكالة» (عبر الوكلاء) إلى المواجهة المباشرة وجها لوجه بين إيران وأميركا.
- تكريس العراق ساحة أساسية للمواجهة المقبلة، بعدما سقط كساحة «تعايش ومساكنة».
٣- اغتيال سليماني شكل مفاجأة لكل الدول ولإيران بالدرجة الأولى، حيث كان له وقع الصدمة الشديدة. فالخسارة فادحة وفراغ سليماني من الصعب أن يملأ. وإقدام ترامب على هذه «الفعلة» لم يكن متوقعا، وربما اعتقد الإيرانيون أن ترامب يكتفي بسياسة الضغوط الاقتصادية القصوى، وأنه لا يريد الحرب ولا يقدم على ما يمكن أن يتسبب بإشعالها. وهذا ما فعله عندما سكت عن إسقاط طائرة استطلاع أميركية وأحجم عن الرد. ويمكن القول إن خطأ إيرانيا في تقدير وضع ترامب وسياسته، لجهة الاعتقاد أنه لن يدخل في مغامرة في سنة الانتخابات، قد حصل، وأن هذا التقدير السياسي الاستراتيجي كان في أساس حالة الاطمئنان والاسترخاء لدى الجنرال سليماني في تنقلاته وحركته التي لا تهدأ بين بغداد ودمشق وبيروت.
٤- إصدار ترامب الأمر لاغتيال سليماني شكل مفاجأة لناحية نوعية الاستهداف و«الهدف الثمين» والتبعات والتداعيات. ولكن لم يكن مفاجئا في سياق تطور الأوضاع في العراق في الفترة الأخيرة، والتي أدت الى ارتفاع درجة التهديدات من جانب الأميركيين لإيران التي لم تأخذها على محمل الجد، ولم تتوقع أن تنفذ واشنطن تهديداتها وأن يكون ردها في هذا المستوى.
عملية اغتيال سليماني كانت لها مقدمات مسبوقة بتصعيد في نمط الصراع الإيراني- الأميركي على أرض العراق، بدأ من 3 أشهر عندما اندلعت تظاهرات شعبية غاضبة وضعتها إيران في إطار مؤامرة أميركية لضرب نفوذها عبر إسقاط حكومة عادل عبدالمهدي وزرع الشقاق داخل القوى الشيعية وبين بعض فصائلها وإيران. ثم راحت الأمور تتطور باتجاه أمني وعسكري بين الجانبين، مع قيام الطائرات الأميركية باستهداف مواقع للحشد الشعبي ولـ «حزب لله» العراقي.
وفي المقابل، تم استهداف قاعدة أميركية في كركوك وسقط قتيل أميركي (مدني متقاعد)، وطوق متظاهرون السفارة الأميركية في بغداد، وهو ما أيقظ لدى واشنطن هاجس احتلال السفارة الأميركية في طهران في بدايات الثورة الإيرانية. وادعى الأميركيون وجود مخطط كان أشرف سليماني على إعداده لتنفيذه في يوم ١١ الجاري، ويقضي بمهاجمة القواعد الأميركية، ليبرروا الاغتيال ويوحوا أنه كان بمثابة ضربة وقائية استباقية.
وباختصار، شعرت واشنطن أنها تواجه تحديا إيرانيا متزايدا في العراق وقررت الرد باغتيال سليماني. ليكون هذا الاغتيال أكبر تحد تواجهه إيران في تاريخ علاقتها مع الولايات المتحدة في العراق منذ العام ٢٠٠٣، هذه العلاقة التي استمرت لسنوات طويلة تحت سقط «المساكنة» وتحولت منذ وصول ترامب الى البيت الأبيض الى «مسار صراع»، وانتقلت بعد اغتيال سليماني الى «مواجهة مفتوحة».
٥- التحدي الذي تواجهه إيران يضعها أمام حتمية الرد ومن ضمن الخطوط والضوابط التالية:
- إيران ملزمة بأن تقوم هي بنفسها بالرد وأن تقوده، لأن المسألة تمس هيبتها ومصداقيتها ودورها ومعنويات حلفائها في المنطقة. وبالتالي، ليس أمامها إلا رد تثبت من خلاله أنها تتمتع بالقوة، وأن هذه الضربة لا تثنيها عن متابعة ما بدأته.
- إيران لا تريد حربا مفتوحة ولا مصلحة لها بها، وربما لا قدرة لديها على تحمل أعبائها في ظل أزمة اقتصادية وضائقة مالية وعزلة دولية لا يكفي لفكها تضامن خجول من روسيا والصين وتركيا.
- الردود العسكرية التقليدية مستبعدة حاليا، لجهة استهداف وضرب القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة مع ترجيح تحييد جانب منها لأسباب سياسية، أو لجهة ضرب المصالح والسفارات الأميركية. وضرب أهداف لحلفاء أميركا في المنطقة، ممكن ولكنه مستبعد، لأن «الرأس الأميركي» هو المطلوب في هذه المرحلة.
- العراق هو ساحة المواجهة الرئيسية بين إيران والولايات المتحدة. إيران التي أفادت مما حصل لتوحيد صفوف الشيعة من حولها ولوأد الانتفاضة الشعبية ولإنهاء أزمة الحكومة وتأليب البرلمان العراقي ضد الوجود الأميركي. والولايات المتحدة التي تواجه تغييرا على أرض العراق وتضييقا على وجودها ومصالحها وتهديدا لأمن جنودها. قبل اغتيال سليماني كانت التظاهرات الشعبية ضد الوجود والنفوذ الإيراني. بعد الاغتيال صارت الأجواء العامة (خصوصا الشيعية) ضد الوجود والنفوذ الأميركي.
اختارت إدارة ترامب أن يكون العراق هو الساحة الأبرز لترويض الخصم الإيراني، ما وضع الطبقة السياسية الحاكمة هناك أمام إحراجات لها أول وليس لها آخر. وعمليا، فإن العراق الآن موزع بين حراك شعبي مليوني أفضى حتى الآن إلى ما يشبه الفراغ في السلطة، وبين ولاء مكلف وقسري للجار الإيراني الذي لا يتساهل في أمر التبعية المطلقة له ولا يسامح من يخرج عن أجنداته ولو بالتظاهر، وهذا الحال الذي وصل إليه العراق تتحمل إيران جزءا مهما من المسؤولية عنه، وهذا في حد ذاته ما يغري رجلا مثل ترامب ليس فقط على استخدامه بل وللذهاب به إلى حد جعله أرضا محروقة.
أما إيران، فإنها اختارت عنوانا وهدفا لمعركتها هو «إخراج أميركا من العراق. وتضيف الى ذلك عنوانا أشمل هو إخراج أميركا من كل المنطقة، من غرب آسيا الممتد من لبنان، الى أفغانستان.
إيران لا تتوخى ضربة انتقامية عاجلة، وإنما تخطط لرد استراتيجي طويل الأمد، ومن الواضح أن العراق سيكون أول ميادين المعركة، وأن ضغطا كبيرا سيمارس على الوجود الأميركي هناك، وأن انسحابا أميركيا من العراق، إذا حصل تحت الضغط وكان اضطراريا، سيرتب خسارة استراتيجية على واشنطن.