بي.بي.سي: كلما اجتاح العالم أحد الأوبئة، نسج الناس حوله شائعات وأكاذيب. وقد انتشرت في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية الثالثة أكاذيب خطيرة حول مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، بدءا من الاعتقاد أن الفيروس من صنع المختبرات الحكومية، مرورا بفكرة أن الفحوص المخبرية للكشف عن الفيروس لا يعول عليها، ووصولا إلى النظرية التي لا أساس لها من الصحة وهي أن الفيروس يعالج بلبن الماعز.
ونشهد الآن سيلا من الأخبار الخاطئة الجديدة حول وباء كورونا المستجد «كوفيد - 19»، إذ يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الكثير من المعلومات المضللة حول الفيروس، عن أسباب تفشيه وطرق الوقاية منه.
وفي بعض الأحيان قد تكون هذه الشائعات مضرة، إذ خلص تقرير من إحدى المحافظات الإيرانية إلى أن عدد ضحايا الأكذوبة التي شاعت في إيران حول فوائد الكحول الإيثلي في الوقاية من فيروس كورونا المستجد كان أعلى من عدد ضحايا الفيروس نفسه.
وقد توهمك بعض المعلومات المضللة بأنك في مأمن من خطر الإصابة بالفيروس وتشجعك على عدم الالتزام بالإرشادات الحكومية وتقوض ثقتك في المنظمات الصحية.
وأشار استطلاع للرأي أجرته مجلة «إيكونوميست» بالتعاون مع شركة «يوغوف» لأبحاث الأسواق إلى أن 13% من الأميركيين يعتقدون أن أزمة كورونا المستجد برمتها أكذوبة، في حين يعتقد 49% منهم أن الفيروس من صنع البشر.
وانساق وراء هذه الأكاذيب أشخاص لهم حظ وافر من العلم. إذ كان من بين أبرز مروجي نظريات المؤامرة حول فيروس كورونا المستجد، الكاتبة كيلي بروغان، الحاصلة على بكالوريوس من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتي درست الطب النفسي في جامعة كورنيل.
وأنكرت بروغان جميع الأدلة التي تثبت مخاطر تفشي الفيروس في الصين وإيطاليا، بل وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، بتفنيد نظرية الجراثيم، التي تفيد بأن الجراثيم تسبب الأمراض، وأيدت أفكارا علمية زائفة.
كيلي بروغان حصلت على بكالوريوس في الطب النفسي من جامعة كورنيل، ومع ذلك تنكر وجود فيروس كورونا المستجد ونظرية الجراثيم التي تفيد بأن الجراثيم تسبب الأمراض
واتخذ موقعا فيسبوك وتويتر مؤخرا خطوة غير مسبوقة بحذف منشورات لبعض زعماء العالم لترويجها معلومات غير دقيقة حول مخاطر تفشي الفيروس، وعلاجات لم تثبت صحتها قد تضر أكثر مما تنفع.
ونظرا لغزارة المعلومات التي تتدفق علينا يوميا على مدار الساعة، قد نعتمد أحيانا على الحدس لتمييز المعلومات الدقيقة من الملفقة. ويستعين مروجو المعلومات الملفقة ببعض الحيل البسيطة لتبدو رسالتهم صادقة قدر الإمكان، حتى لا نتحقق من صحة مصدرها. وذكر باحثون في إحدى الدراسات أن الأفكار عندما تتدفق بسلاسة، ينساق الناس وراءها.
وأثبتت إيرين نيومان، من الجامعة الوطنية الأسترالية، أن وضع صورة بجانب المعلومة يعزز من مصداقيتها، حتى لو كانت هذه الصورة تمت بصلة بعيدة للمعلومة، مثل وضع صورة للفيروس مع معلومة عن علاج جديد.
وتكون المعلومات الملفقة في الغالب مفعمة بالتفاصيل والكلمات والعبارات الوصفية والقصص الشخصية، وتضاف إليها معلومات شائعة أو اسم جهة شهيرة، مثل هيئة طبية معترف بها، لتبدو الأكذوبة مقنعة.
وقد يعزز تكرار العبارة نفسها، سواء في نفس النص أو في عدة رسائل، من المصداقية. فكلما تكررت المعلومة على صفحتنا على موقع التواصل الاجتماعي، زادت سهولة انخداعنا بها، حتى لو كانت الشكوك تساورنا في البداية في مدى مصداقيتها.
وأشارت أدلة مؤخرا إلى أن الكثيرين من الناس يشاركون المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي قبل التفكير في مدى صحتها. إذ أجرى غوردون بينيكوك، كبير الباحثين في سيكولوجية المعلومات الزائفة بجامعة ريجينا في كندا، دراسة طلب فيها من المشاركين تمييز الأخبار الزائفة من الصحيحة حول فيروس كورونا المستجد، وانخدع المشاركون بالأخبار الزائفة في نحو 25% من المرات، في حين ذكر 35% منهم أنهم قد ينشرون هذه الأخبار الملفقة.
ويقول بينيكوك إن هذا يدل على أن الناس ينشرون الأخبار التي لو فكروا للحظات في مدى صحتها لأدركوا أنها ملفقة. ويعزو ذلك إلى الرغبة في الحصول على أكبر قدر من التفاعل من رواد الموقع، سواء بالإعجاب أو المشاركة.
وقد يخلي البعض مسؤوليته عن صحة المعلومة، سواء كانت علاجات طبيعية أو مزاعم بتستر الحكومة على الحقيقة، بإضافة تعليق: «لا أعلم مدى مصداقيتها». وقد يظنون أن المعلومة لو كانت تتضمن شيئا من الصحة فستفيد أصدقاءهم أو متابعيهم، ولو كانت خاطئة فلن تضرهم، لكنهم لا يدركون أن مشاركة المعلومات الخاطئة قد يضر الآخرين.
وأشارت أبحاث إلى أن بعض الناس أفضل بالفطرة في تجاهل ردود الفعل التلقائية الفورية من غيرهم، ولهذا فإن بعض الناس أسهل انخداعا بالأخبار الزائفة من الآخرين.
ولقياس مدى سهولة الانخداع بالأفكار الزائفة، استعان بينيكوك باختبار التفكير المعرفي. فإذا صادفت مثلا سؤالا من قبيل: «أبو إميلي لديه ثلاث بنات، الأولى تدعى أبريل، والثانية مايو، فما اسم الثالثة؟» ستكون الإجابة التلقائية التي تتبادر إلى ذهنك هي «يونيو»، لكن الإجابة الصحيحة هي إميلي.
ويتطلب التوصل إلى الإجابة الصحيحة تجاهل أول إجابة تتبادر إلى ذهنك. ولهذا يقيم هذا الاختبار قدرة المرء على توظيف ذكائه بإمعان النظر في المعلومة والتروي، بدلا من التسليم بالإجابة البديهية. وعلى النقيض، بعض الناس لديهم قدرات ذهنية ومعرفية عالية، لكنهم يتكاسلون عن استخدامها، ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة «البخل المعرفي».