من غير المقبول أو المنطقي الادعاء بأنه تمت هزيمة تنظيم (داعش) تماما، حيث انه مازال متواجدا في عدد من الدول العربية وغيرها من دول العالم، ومن حين لآخر تتردد أنباء هجماته التي ينشرها موقع أعماق الإخباري التابع له.
ويرى الخبير الاستراتيجي الأميركي أنتوني كوردسمان، أن السياسة هي السياسة، لكن هناك مخاطر جادة في الزعم بالنسبة للقدرة على هزيمة الإرهاب بوجه عام- وداعش بوجه خاص، وأن من أهم عيوب الطريقة التي خاضت بها الإدارتان الديموقراطية والجمهورية في الولايات المتحدة«الحرب ضد الإرهاب هي أنهما عاملاها إلى حد كبير كنضال عسكري ضد حركات إرهابية ومتطرفة منفردة، بدلا من أن تكون حملة على نطاق أوسع للتعامل مع مجموعة من التهديدات التي لا يمكن هزيمتها بدون نجاحات مهمة ضد مجموعة كبيرة من الحركات التي تتغير باستمرار، وكذلك من دون بذل جهود كبيرة للحد من أسباب الإرهاب.
وقال كوردسمان في تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، إن نتيجة ذلك الآن هي أن الولايات المتحدة حققت أحيانا انتصارات على مستوى عسكري، لكن كل الحركات الإرهابية الأجنبية التي استهدفتها الولايات المتحدة ظلت باقية أو تمحورت إلى تنظيمات مختلفة بأسماء مختلفة. والأمر الأكثر سوءا هو أنه إذا رجع المرء إلى ما حدث في 11 سبتمبر عام 2001 فسيجد أنه لم يتم تقليص أي من الأسباب الرئيسية التي كانت سببا في استمرار بقاء الحركات المتطرفة والإرهابية- والتي تؤدي إلى ظهور تهديدات جديدة.
والسجل الحقيقي للحرب ضد الإرهاب واضح تماما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأفريقيا جنوبي الصحراء، وأفغانستان، وأمريكا اللاتينية، وآسيا. حتى عندما تحقق الولايات المتحدة تقدما عسكريا كبيرا ضد حركة معينة، فإن الحركة إما تتعافى أو يظهر مكانها شكل جديد من أشكال الإرهاب.
ومن الممكن أن تتعاون الولايات المتحدة في بعض الأحيان مع حلفائها وشركائها الاستراتيجيين للحد من الإمكانات العسكرية لحركة إرهابية معينة ولتقليص واحتواء قدرتها على الانتشار، لكن هذا لا يعتبر هزيمة دائمة للإرهاب. والأمر الأسوأ هو أنه إذا ما ضعف الجهد الأميركي لاحتواء حركة معينة فمن المرجح تماما أن يعود الإرهاب والتطرف.
وأضاف كوردسمان أن النجاحات التكتيكية ضد الحركات الإرهابية لا تهزم الإرهاب، وداعش ليس استثناء، فهو مازال نشطا في سورية وإيران وغيرهما من الدول. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التقارير الرسمية لأجهزة المخابرات والجيش توضح ذلك تماما، بغض النظر عن المزاعم السياسية التي تنطوي على عكس ذلك.
وتغيير اسم مصدر التهديد في العراق من القاعدة إلى تنظيم الدولة في العراق وسورية لم يكن انتصارا يذكر. وينطبق نفس الشيء على الجهود الأميركية لهزيمة الإرهاب والتطرف في الفترة من 2002 إلى 2011، حتى الاحتواء كان غير مؤكد تماما في دولة مثل أفغانستان، حيث اضطرت الولايات المتحدة إلى السعي لتحقيق السلام، إذ كان يجب عليها محاولة استغلال حركة إرهابية مثل طالبان لمساعدتها في التصدي لانتشار حركة إرهابية أخرى هي داعش في نفس الدولة.
وربما تكون الولايات المتحدة قد ساعدت في القضاء على حلم داعش في إقامة «خلافة» بالعراق وسورية، لكنها لم تهزم داعش تماما. وعلاوة على ذلك، فإنه حتى لو كانت الولايات المتحدة قد نجحت في طرد داعش من سورية والعراق لم يكن سيعتبر هذا هزيمة تامة للإرهاب لو أدت نفس الأسباب حينئذ إلى ظهور حركات جديدة. وبالإضافة إلى ذلك أدى القتال للقضاء على خلافة داعش إلى فتح الدولتين لأشكال جديدة من إرهاب الدولة.
ويقول كوردسمان إنه من الخطر بالمثل إخفاء الفشل في هزيمة داعش بصورة حقيقية بالحديث عن هزيمة خلافتها المادية. وليس من المنطقي الحكم على قدرات أي حركة ببساطة على أساس الأراضي التي يمكنها السيطرة عليها بصورة مباشرة، فقد كانت استعادة المدن والبلدات العراقية والسورية من داعش إنجازا كبيرا، لكن التدمير «المادي» الذي تحقق لم يصب داعش بالشلل، إنما أدى إلى تدمير منازل ومحال أشخاص عاديين.
وعلى أية حال، أسفر الأداء السيئ للحكومة العراقية في إعادة تلك المنازل والمحال إلى ما كانت عليه، عن سبب خطير جديد لعدم الاستقرار الذي يساعد التعافي المحتمل لداعش، كما تسبب في ذلك أيضا ظهور لاجئين ونازحين جدد في سورية.
واختتم كوردسمان تقريره بالقول إن هناك حاجة لأن نلتزم الصراحة والأمانة بالنسبة للحديث عن داعش وكل ما يتعلق بالحرب ضد الإرهاب، فالدفع بطالبان إلى المناطق الريفية في أفغانستان لا يعتبر هزيمة للحركة.
والانتصارات التكتيكية ضد الإرهاب في بقية العالم لم تسفر عن نهاية الإرهاب في أي دولة. وبالإضافة إلى ذلك تظل قدرة الإرهابيين على استغلال شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام العالمية أداة خطيرة للإرهاب والتطرف تتجاوز حدود الدول.