Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
14 آذار 2005 ... 14 آذار 2014
17 مارس 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
كانت الساحة اللبنانية على شفير الهاوية عندما زحف أكثر من مليون مواطن إلى ساحة الشهداء في 14 آذار 2005، وكان مضى على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري شهرا كاملا، وبالرغم من أهمية المطالب التي رفعها جمهور ثورة الأرز، إلا أن الحافز الرئيس الذي دفع الحشد الكبير للنزول إلى بيروت من مختلف المناطق اللبنانية، كان الرد على الجموع التي احضرها حزب الله وحلفاؤه في 8 آذار 2005 الى ساحة رياض الصلح وسط بيروت لشكر سورية وفسر الأمر في حينها بأنه تحد من الطراز الرفيع لمشاعر اللبنانيين الغاضبين من الاغتيالات، وهؤلاء كانوا يحملون القوات السورية ومعاونيها من القيادات الأمنية اللبنانية المسؤولية عن عملية التفجير التي استهدفت الحريري.
حركة 14 آذار 2005 كانت انتفاضة عارمة في وجه الاستبداد الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، وقد حققت نتائج هامة، لعل أبرزها قرار انسحاب القوات السورية من لبنان في 26/4/2005 ودفع المجتمع الدولي لتأسيس محكمة دولية خاصة بلبنان، ولكن في الوقت ذاته لا نستطيع أن نتجاهل أن حركة 14 آذار ساهمت في تأجيج الانقسام اللبناني إلى حده الأقصى، والذي توج بحرب أهلية باردة، تحولت في برهة من الزمن إلى حرب أهلية فعلية في 7 مايو 2008 ولولا العناية العربية والدولية، والحكمة التي تحلى بها بعض قيادات 14 آذار لكانت البلاد غرقت في بحر من الدماء.تتشابه المخاطر في 14 آذار 2014 مع المخاطر التي كانت قائمة قبل 9 سنوات، والمرحلة اليوم فيها من التحديات ما قد يتجاوز التحديات التي كانت مطروحة في الماضي، فرغم استعراضات القوة الشعبية لكلا الطرفين في 2005 ورغم الانقسام العمودي الحاد الذي ساد البلاد آنذاك، لم تنفجر سيارة مفخخة واحدة في الشوارع والأحياء الا ما كان يستهدف منها قيادات 14 آذار، ولم تستخدم الصواريخ، ولم تندلع حروب زواريب كما حصل في طرابلس منذ 2012، ولم يلجأ أي طرف إلى إجراءات امن ذاتية كما يحصل اليوم في الضاحية، أو في بعض مناطق البقاع الشمالي.منذ مطلع العام 2011، تغيرت قواعد الاشتباك في لبنان، والهدنة التي عاشتها البلاد بعيد أحداث العام 2008، قوضتها الحدة القاسية في طريقة تعاطي الأطراف السياسية اللبنانية، وكان التوتر يتصاعد على خلفية مذهبية، تأجج بعد القمع الذي واجه الانتفاضة السورية التي قامت بوجه النظام في 15 آذار 2011 بعد أن بلغ الاحتقان حدا متقدما.ومع الوقت تغيرت الظروف، وأصبحت التداعيات أكثر خطورة، وأشد قساوة على الواقع اللبناني، في ظل غياب للرعاية العربية والدولية عن الوطن الجريح، وتفاقم الانقسام رغم محاولات تدوير الزوايا، وصناعة المشتركات من قبل قيادات أدركت قبل غيرها سوداوية الأجواء.
على صدر الذكرى التاسعة لـ 14 آذار تجثم مأساة ثقيلة تكاد تخنق البلاد برمتها. وأصبحت 14 آذار، كما 8 آذار، عبئا على الوطن بكل مكوناته، لأن الهواجس الوجودية بدأت تتسرب الى مشاعر الأطراف المختلفة ـ كي لا نقول الى الطوائف ـ وزاد الحذر وزادت الخشية، واهتزت الثقة بين المجموعات المكونة للبنان، في ضوء التداعيات الدموية المتعاظمة للأزمة السورية، والانعكاسات التي تستقدمها هذه الأزمة الى الجسم اللبناني، بعد المشاركة العسكرية للأطراف اللبنانيين في المعارك السورية، وفي المقدمة منها تدخل حزب الله الوازن.
التحدي المطروح في آذار 2014 يختلف في الشكل وفي المضمون عن تحدي آذار 2005. فالبلاد لم تعد أمام خطر الانحرافات الأمنية المتأثرة بالأنظمة الأحادية المهددة للديموقراطية اللبنانية فقط، بل أصبحت أمام خطر وجودي يهدد الكيان برمته. وطرفي النزاع يراهنان على تطور الأحداث لقلب التوازنات القائمة حاليا في لبنان رأسا على عقب. والمجموعات السياسية والطائفية الوسطية تخشى من عدم قدرتها على ضبط الأوضاع، مما قد يضطرها الى سلوك خيارات راديكالية بهدف الحفاظ على المستقبل والوجود، وفي مقدمة هؤلاء الخائفين السواد الأعظم من القيادات المسيحية. ومبررهم: الشلل الذي يصيب مؤسسات الدولة، والتهديد الذي يطال الاستحقاقات الدستورية ـ الحكومية والنيابية ـ ناهيك عن خطر حصول الفرع في رئاسة الجمهورية ـ في ظل تعطل آليات الحكم، والضياع الذي يكاد يطال المرافق العامة كافة، ولولا الجهود التي يبذلها الجيش والقوى الأمنية الأخرى، لكانت الأمور أسوأ مما نراه بكثير.
وترى أوساط متابعة لما يجري: ان مخاوف بعض الأطراف اللبنانية تدفعها للمطالبة بإجراءات وتدابير متطرفة لمواجهة الأحداث، وقد تعود الشعارات التي طرحت إبان الحرب الأهلية الماضية الى السطح مجددا، مع زيادة المخاوف، بما في ذلك المطالبة بالانفصال، او اعتماد مقاربات محلية للأمن الذاتي تهدد وحدة الوطن.
14 آذار 2014 محطة خطرة، ومواجهتها أول ما تحتاج الى إلغاء «اصطفاف 14 آذار» وان تبقى الحركة روحية من دون أمانة عامة حبلى بالخلافات، وبالتأكيد مصلحة الوطن تتطلب إلغاء هيكلية تجمع قوى 8 آذار الذي أصبح عبئا على البلاد، بعد ان بالغ البعض في هذا التجمع بالاستهتار بالمصلحة العليا للدولة، وبتحميل لبنان فاتورة كبيرة لا يستطيع تحملها، ودائما وفقا لما تراه أوساط سياسية محايدة.