Note: English translation is not 100% accurate
لبنان: شغور الرئاسة وتعطيل الدولة
8 يونيو 2014
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
تخيم اجواء من القلق السياسي الواسع على لبنان، رغم الاستقرار الامني اللافت الذي تعيشه البلاد. وتتزايد التساؤلات حول مغزى السياسة التعطيلية التي تنتهجها بعض القوى الفاعلة، برغم ادراكها أن التعطيل لا يحقق الاهداف التي تربوا عليها، لا في الوصول الى قصر بعبدا، ولا في احتكار المقاعد النيابية التي تتجاوز حجم تمثيلها الشعبي.
والتعطيل لم يقتصر على جلسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بل طال العمل التشريعي لمجلس النواب، ويتمدد الى الحكومة التي تتولى السلطة التنفيذية، بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية، وفقا لما تنص عليه المادة 62 من الدستور عند خلو الرئاسة لأي سبب كان، كما هو عليه الحال اليوم.
الجدل الفقهي، والدستوري، الذي تطلقه بعض الأوساط حول تعطيل التشريع في حالة الشغور في موقع الرئاسة الأولى، يتمدد الى اجتهادات غريبة طرحت داخل مجلس الوزراء، وتكاد تعطل عمل السلطة التنفيذية ايضا، عن طريق اطلاق تهديدات وتفسيرات، تطول الصيغة، اكثر مما هي ضغوط للإسراع في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لأن القوى التي تقف وراء الضغوط التعطيلية في مجلس الوزراء، هي التي تقف بالدرجة الأولى وراء تعطيل النصاب لجلسة انتخاب رئيس جديد.
صلاحيات مجلس النواب التشريعية واضحة والمادة 75 من الدستور تتحدث عن عدم جواز التشريع اثناء الجلسة الملتئمة لانتخاب رئيس جمهورية فقط، ولم تشر الى عدم جواز التشريع اثناء فترة الشغور الرئاسي، كما يحلو للبعض تفسيره خطأ (والدليل ان الرئيس ميشال سليمان استدرك الامر بتوقيع مرسوم فتح دورة استثنائية للمجلس في آخر يوم من ولايته، علما ان جلسات الانتخاب لا تحتاج لفتح دورة استثنائية لمجلس النواب، وهو ينعقد حكما لغرض الانتخاب). ورفض اقرار سلسلة الرتب والرواتب، لا تبرره حجج تعطيلية تدعي عدم قدرة المجلس النيابي على التشريع، برغم الملاحظات الواقعية التي يسوقها البعض على ضخامة ارقام السلسلة والمبالغة في تقديمات بعض جوانبها التي لا يتحملها الوضع الاقتصادي المكبل في لبنان، والهروب من تفريغ اساتذة الجامعة اللبنانية لا يبرر تعطيل الحكومة، فالجامعة لا تسير من دون اساتذة.
صلاحية مجلس الوزراء المناطة به السلطة التنفيذية، وفقا لما تنص عليه المادة 65 من الدستور، لا يجوز الانتقاص منها في حالة شغور سدة الرئاسة الأولى، بل العكس، ان صلاحية مجلس الوزراء تتمدد لتغطي صلاحيات الرئاسة الشاغرة، وفقا لما جاء في المادة 62 من الدستور، وهي مرحلة يفترض ان تكون قصيرة، واستثنائية، ولا يوجد مبرر دستوري في اطالتها، فتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية يعبر عن خلل سياسي في اداء بعض الكتل النيابية، اكثر مما هو خلل بالمعنى الفقهي للدستور، وحضور النواب جلسة الانتخاب الزامي على ما تشير الاعراف الدستورية، ولا يمكن تبريره الا بسبب قاهر يفترض بالنائب ان يبينه عند الغياب، فالأعمال السيادية الكبرى لا يمكن ربطها بالمصالح السياسية الصغيرة.
أما الآلية التي يفترض اعتمادها في ممارسة صلاحية رئيس الجمهورية ليست غامضة الى الحدود التي تدعيها قوى سياسية، ودور الرئاسة الجامع كرمز لوحدة الوطن والمفاوضات الخارجية ومنح الاوسمة والمهام السيادية والشخصية الاخرى لا يمكن ممارستها جماعيا.
والواجبات الإجرائية الملقاة على عاتق مجلس الوزراء في حالة الشغور محصورة بعدد من المواضيع اهمها الاطلاع على جدول اعمال الجلسات، والتوقيع على المراسيم، ونشر القوانين، وهذا الامر بطبيعة الحال يخضع لموافقة كل الوزراء بالتفاهم، ولكن القرارات التي تصدر عن الحكومة وفقا للآلية التي ينص عليها الدستور، نافذة حكما، وهذا ما يحصل في الاوقات العادية بوجود رئيس للجمهورية.
لا يمكن التسليم بمقاربة احداث فراغ تعطيلي في مؤسسة مجلس النواب، ومؤسسة مجلس الوزراء، في فترة الفراغ في قصر بعبدا، ذلك ان مخاطر هذا النهج تخلق مخاوف واسعة، وتنذر بتداعيات جوهرية على الشراكة الوطنية ـ على ما اشار الرئيس نبيه بري ـ وتؤسس لاحتقان طائفي لا تتحمله البلاد في هذه المرحلة العصيبة، وهي لم تخرج حتى الآن من الاحتقان المذهبي الواسع الذي تفاقم مع تطورات الأزمة السورية.
أوساط سياسية متابعة لما يجري، ترى أن الأعمال التعطيلية لا يمكن ان تحقق اهداف الساعين إليها، خصوصا في امكانية ايصال احد المرشحين الى قصر بعبدا، لاسيما ان ضرر التعطيل يطول الجميع، وعلى وجه التحديد جمهور القوى المعطلة، لأن هذا الجمهور يتطلع اكثر من غيره الى الاستقرار واستتباب الأمن، وإلى قوة مؤسسات الدولة التي تضمن سير الامور في سياقها الطبيعي، بعيدا عن ممارسات التشبيح والاستعلاء الميليشياوية.