Note: English translation is not 100% accurate
فوضى سياسية لبنانية
15 يونيو 2014
المصدر : الأنباء
بيروت - د.ناصر زيدان
يبدو ان الهدنة السياسية التي انطلقت مع ولادة حكومة الرئيس تمام سلام الجامعة قبل نحو شهرين، بدأت تتآكل، وتتراكم المعوقات شيئا فشيئا فوق ركام التوافق، والتوافق يفقد معناه عندما يتحلل احد اهم اطرافه من الالتزامات. هكذا بدى مشهد التجاذبات بين القوى السياسية الاساسية حول موضوع سلسلة الرتب والرواتب، وحول ملف الجامعة اللبانية، وفي الخلاف حول استمرارية العمل في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء - او شل العمل فيهما - ريثما تنتهي عملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتعطيل جلسات الانتخاب فيه شيء من التشبيح الدستوري، قد يكون النائب سليمان فرنجية عبر في تصريحه من الرابية عن واقع الحال خير تعبير عندما اشار الى ان التعطيل ناتج عن عدم قدرة قوى 8 آذار على تجيير 65 صوتا لصالح العماد ميشال عون.
وعلى ام ان لا تكون الاهتزازات السياسية مؤشر على انتهاء فترة المهادنة التي انتجت انجازات تشريعية وادارية واسعة، تتكشف ملامح مرحلة شديدة الاضطراب، تسودها فوضى سياسية تفتقر الى معايير الشفافية والوضوح.
كيف وصل الاداء السياسي اللبناني الى هذاالمستوى من الانحدار؟
قبل اشهر من انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان سجل حراك سياسي غريب، كان ابرزه اللقاء الذي حصل بين الرئيس سعد الحريري والعماد ميشال عون في باريس رافقه صمت مطبق من حزب الله، لاسيما حول تسمية مرشحه للرئاسة، لانه امتنع عن تسمية العماد عون، الا في الاسبوع الماضي، وبعد ان سبقه الى التسمية نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، وتبعه الرئيس بشار الاسد.
عاشت البلاد على التبصير السياسي لفترة طويلة، كان محور التبصير تحليل ما يمكن ان ينتج عن الحوار بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر، وتحديدا الجواب عن سؤال حير المتابعين: هل يؤيد الرئيس سعد الحريري العماد ميشال عون في رئاسة الجمهورية؟
تعزز الغموض، وتشعبت التوقعات، بعد زيارة الدكتور سمير جعجع الى باريس ولقائه مع الرئيس سعد الحريري، وبعد اطلاق تصريحاته الشهيرة التي اشارت الى ان الحريري سأله عن مدى انطباق صفة الرئيس التوافقي على العماد ميشال عون.
وسبق ذلك تسريبات اعلامية دلت على عدم ممانعة الولايات المتحدة الاميركية تولي العماد عون الرئاسة في لبنان، وترافقت مع تردد وعموض عبر عنهما وزير الخارجية جون كيري وسفيره في بيروت ديفيد هيل.
اختلط حابل المناورة مع نابل التحالفات، وغابت المقاييس الواضحة عن سماء اللعبة السياسية، وكاد الارتباك ان يقلب التحالفات، وتحول بين ليلة وضحاها: الخصم الى صديق وحليف الحليف الى حليف بالاصالة، ووصلت الرسائل الدمشقية في البريد السريع من خلال مشهد يذكر بأيام خلت، كاد التدخل السوري ان يطيح بالصيغة اللبنانية.
الفوضى السياسية تضرب اهدافا في عمق المساحات الطائفية، وتكاد تصيب في سهامها مطلقيها، فتعطيل النصاب في جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، تأتي من الفريق الطاىفي الذي يدق النفير العام في مواجهة الشغور في سدة الرئاسة، بينما يتحمس لتأمين النصاب قوى من الصفوف الخلفية، ليس لها اهداف حزبية او فئوية او طائفية من عملية الانتخاب.
وتعبر الفوضى السياسية السائدة عن عجز فادح عند الطبقة الحاكمة، تجر بممارساتها البلاد الى مأزق شديد الخطورة، قد يودي الى اعلان لبنان دولة فاشلة، وهو ليس كذلك، بل ان معظم الطبقة السياسية هي الفاشلة، واصابها مرض الاستهتار بالمصالح العليا للشعب، وهذه المصالح عادة ما تكون فوق كل اعتبارات ذاتية او مصلحية، ولكن ما يحصل اليوم، هو تقديم المصالح الشخصية والفئوية على مصلحة الوطن.
وعندما تتخلف الطبقة الحاكمة عن معالجة الملفات العادية، مثل القضايا الاقتصادية والمعيشية، وتسوية الملفات المطلبية والادارية - وهي قضايا طبيعية في اي دولة - تكون بذلك قد تخلت عن واجباتها البديهية، وليس بالضرورة ان تحل هذه الازمات عن طريق تلبية كل المطالب - التي قد يكون مبالغا فيها - ولكن قواعد المعالجة تحتاج الى مصارحة، وشفافية، بعيدا عن المزايدات الشعبوية التي تعبر عن مراهقة سياسية، اكثر مما هي نبالة، وترفع، تحتاجهما معالجة القضايا الوطنية العليا في الدولة.
لا يمكن التسليم بتعميم الشلل، بانتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ومنطق تعميم الفراغ في كل المؤسسات اذا ما حصل في واحدة منها، تهور سياسي، واستهتار وطني، وليس من المنطق ان نسير على جثتي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية للوصول الى رئاسة الجمهورية، ولكن الاستهتار بعملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية لا يجوز بكل المقاييس، وهو تخل عن الواجبات الوطنية، وتفريط في مصالح الامة.
من حق البطريرك بشارة الراعي ان يصرخ في وجه الجميع كي يتم انتخاب رئيس للدولة، ولكن احداث الشلل في البلاد، لا يحقق الاهداف المرجوة، وحده الانضباط السياسي والاخلاقي للنواب، وحضورهم جلسات الانتخاب، يخلص البلاد من الفوضى السياسية.