Note: English translation is not 100% accurate
اللبنانيون متمسكون بالدولة رغم كل الخلافات
1 مارس 2015
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
الارتجاجات غير الطبيعية التي تصيب لبنان جراء الأزمات الداخلية المتراكمة، ومن انعكاسات الأوضاع غير الطبيعية والمتوترة في محيطه، لم تؤسس لمقاربات جديدة يمكن ان تلغي العقد الاجتماعي الذي بنيت مداميكه في العام 1920 واستكملت في العام 1943، وتم ترميمها في اتفاق الطائف في العام 1989 ـ وبصرف النظر عن الشكوك في مدى ملاءمة الصيغة اللبنانية الحالية لمعايير القوانين الدولية، ولإخلالها الجزئي بمبدأ المساواة من خلال اعتمادها صيغة طائفية فيها شيء من التمييز بين المواطنين ـ لكن هذه الصيغة تبقى أفضل الممكن لتأمين الاستقرار لدولة فيها تنوع غريب عجيب من القوى السياسية والطائفية، وكل منها له ارتباطاته ومرجعياته في الخارج.
بالرغم من كل الشوائب التي تحيط بالوضع اللبناني، يبقى لبنان بلد التسويات، ومبتكر المعالجات، ويحمل في كنفه خلطة متميزة، تجمع بين الرقي الحضاري الذي يستند الى الأعراف والقوانين، وبين العشائرية والعصبية التي تحمل في طياتها شيئا من الفوضى التي تبعث على التشتت وتهدد بالانحلال.
وصودف ان انعقدت طاولة حوار جمعت كوكبة من الشخصيات اللبنانية من مختلف الاتجاهات السياسية والدينية والاجتماعية وأساتذة في علم السياسة والقانون، بشكل مغلق في كلية الطب في الجامعة اليسوعية في بيروت الاسبوع الماضي، وكان عنوان الحوار «مستقبل لبنان في ظل الأخطار المحيطة به». النقاش الذي دار بين الحاضرين ـ ومنهم نواب وقيادات حزبية ـ تناول قضايا جوهرية، غالبا ما تراعي وسائل الإعلام عدم التطرق إليها في العلن، فرغم كل شيء مازال اللبنانيون يراعون بعضهم البعض في مسائل حساسة، كما ان لكل من مكونات المجتمع اللبناني خصائص، عادة ما لا يبوح أفراد إحدى هذه المجموعات بخصائصهم الاجتماعية والدينية والسياسية أمام أفراد من المجموعات الأخرى، إلا ان سرية المداولات التي جرت على الطاولة المذكورة بعيدا عن وسائل الإعلام، سمحت لبعض المشاركين بالتحدث بأكثر مما يسمح به في النقاشات العلنية.
مما لا شك فيه ان الاختلافات السياسية بين اللبنانيين واسعة جدا، وقد توضحت معطيات مخيفة عن توقعات مستقبلية لا تبعث على الاطمئنان، خصوصا منها الحديث عن الانشطار الواسع بين شرائح البيئة الإسلامية، أو ما يطلق عليه (الصراع السني ـ الشيعي) فقوى أساسية من ممثلي الحراك المعلن من الفريقين، ينسبون مثلا: كل دور يقوم به حزب الله ـ لاسيما في سورية ـ الى كل الشيعة، وفي الجهة المقابلة يتم إلصاق كل أفعال المنظمات التكفيرية المتطرفة ـ مثل داعش وغيرها ـ الى كل السنة، وهذا بالتأكيد تشخيص غير واقعي، وغير صحيح، ولكن عدم صحته لا يخفي بالضرورة ارتداداته، وكونه سببا رئيسيا للتوتر القائم بين الفريقين.
أما على الضفة المسيحية، فإن المخاوف المستقبلية، تتزايد بشكل واضح، جراء الاستهدافات الوجودية لهؤلاء في العراق وسورية وليبيا، وجراء الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية في لبنان للشهر التاسع على التوالي، والرئاسة اللبنانية بالنسبة للمسيحيين لها رمزيتها الكيانية، كما لها صلاحياتها الضامنة من اي تجاوزات.
بصرف النظر عن بعض الصراخ الذي قد يتجاوز حدود الاختلافات الديموقراطية في الرأي برزت مجموعة من المحددات التي تبعث على التفاؤل، ولها دلالاتها الواسعة، ويمكن ان تكون خميرة في وعاء تعجن فيه وليمة المستقبل، تحمل بذور وحدة اكثر مما تحمل بذور تفرقة، بالرغم من الصورة المخيفة التي تظهر على شاشة المشهد.
أولا: كل الأطراف السياسية اللبنانية، ومعهم ممثلو المجتمع المدني والأكاديمي، مقتنعون بالإبقاء على العقد الاجتماعي القائم بين اللبنانيين، والذي ينتج عنه سلطة سياسية، فيها من المؤسسات المدنية والقضائية والعسكرية والمالية، ما يحافظ على حياة المواطنين واستقرارهم ومستقبلهم، وكل الأطراف والقوى متفقة على انه لا يوجد اي بديل عن هذه المشتركات، والدولة الموحدة على هشاشتها، تبقى ضرورة وطنية جامعة، وتفكيكها يصيب البلاد بفوضى واضطراب لا يمكن لأحد تحمل نتائجه، حتى أولئك الذين يشعرون بفائض من القوة.
ثانيا: هناك قناعة عند كل أطراف العقد اللبناني، بانه لا يمكن لأي حزب، او طائفة، إرساء مقاربة سياسية وقانونية قابلة للحياة، مهما كان حجمه السياسي، او العسكري، والتعاون مع المكونات الأخرى ضرورة لا يمكن تجاوزها، مهما بلغ حجم الاختلاف. وما ينطبق على الخصوصية اللبنانية بفسيفسائها المربك، لا يتشابه مع اي كيان آخر في المنطقة، اذا لم نقل في العالم. فلبنان أكبر من بلد، إنه رسالة، وفقا لتعبير الإرشاد الرسولي.
مجموعة الاختلافات العميقة بين اللبنانيين على القضايا الداخلية الحساسة، ومنها الإخفاق في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وعدم التمكن من إجراء انتخابات نيابية، كما التباينات الواسعة حول ما يحصل في المنطقة ـ خصوصا في سورية والعراق ـ كل ذلك يعطي الأهمية لما يجري من حوارات داخلية بين قوى لا يمكن لها ان تتفق على خط سياسي بياني واحد، خصوصا حزب الله وتيار المستقبل، والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، ولكن هذه الحوارات تؤكد ان اللبنانيين متمسكون بوحدة الدولة ومؤسساتها، وليس لهم خيار آخر غير ذلك رغم اتساع الخلافات، والحوار له دلالات ساهمت في خفض التوتر، بصرف النظر عن النتائج.