Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
الأزمة اللبنانية في الشارع وماذا بعد؟
25 أغسطس 2015
المصدر : الأنباء
بيروت: ما شهده وسط بيروت من تظاهرات وصدامات وأعمال شغب، شكل مفاجأة لعدة أسباب أولها الحجم الشعبي لهذا التحرك الذي فاق التوقعات، ووتيرة تطوره السريع، من تحرك احتجاجي يقوم به تجمع مغمور نشأ حديثا (حركة «طلعت ريحتكم») بعد تفاقم أزمة النفايات، الى حالة من الفوضى تهدد بخروج الوضع الأمني عن السيطرة.
وبالنسبة لكثيرين شكلت هذه التطورات «لغزا» وطرحت كمية من التساؤلات: هل هذا التحرك عفوي و«بريء» أم مسيس؟! من يقف وراءه ومن الجهة المستفيدة منه ومن الاستثمار في الشارع؟! كيف سيتطور وفي أي اتجاه وما المدى الذي يمكن أن يصل إليه؟! هل يكون مجرد حركة عابرة و«فشة خلق» شعبية أم كرة ثلج متدحرجة؟! هل يصيب الحكومة ويهددها ويسقطها فتكتمل حلقة الفراغ وتدخل البلاد أزمة كبيرة لا يمكن الخروج منها إلا عبر تسوية كبيرة؟! أم يحدث صدمة إيجابية يكون من نتائجها التعجيل بانتخاب رئيس للجمهورية؟! الوضع المستجد ليس سهلا ولا بسيطا وإنما هو معقد وخطير وتتداخل في صنعه عناصر سياسية وطائفية واجتماعية واقتصادية، كما لا يمكن تحديد مساره ووجهته النهائية.
وهذا ما يفسر الحذر الذي ساد مختلف القيادات والقوى السياسية التي تحاول فهم ما يجري وفك ألغازه وقطبه المخفية وتحديد كيفية التعاطي معه في ظل غياب الخطط الجاهزة لمثل هذا الوضع الطارئ الذي يمكن تفكيكه وتفنيده عبر الملاحظات والاستنتاجات التالية:
١- التحرك، في المنشأ والعنوان والهدف، هو تحرك شعبي يحوي كل المتضررين من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، وكل الناقمين على النظام والحكومات المتعاقبة والطبقة السياسية الفاسدة، وهذه الشريحة الشعبية المتضررة والناقمة موجودة وعلى نطاق واسع في كل الطوائف والمناطق، ما يشير الى أن هذا التحرك هو عابر للطوائف والمناطق.
ولكن نقطة القوة هذه تقابلها نقطة ضعف قاتلة وتتمثل في أن هذا التحرك يفتقر الى مرجعية وقيادة وخارطة طريق وأهداف محددة، وفي أنه سيتحول هو هدفا للطبقة السياسية الحاكمة التي يسهل عليها إجهاضه واحتواؤه واستغلاله.
٢- للمرة الأولى في لبنان تكون العلاقة بين الشعب والطبقة السياسية الحاكمة على هذا القدر من النفور والتباعد والطلاق. فقد انكشف الأمر عن هوة واسعة بين الطرفين وعن ضرر بالغ لحق بصورة الطبقة السياسية وهيبتها ومصداقيتها الى حد أنها، على الأقل في نظر المتظاهرين، لم تعد محترمة ولا موثوقا بها وأضحت جزءا من المشكلة وفي أساسها. ولكن إذا كانت أيدي وأدوار القوى السياسية غير مرئية وغير مؤكدة وغير واضحة حتى الآن، فإن الأكيد أن استغلال هذه القوى للتحرك وركوب الموجة الشعبية لن يتأخر.
٣-التحرك ينقل الأزمة الى الشارع الذي كان شهد تحركا خجولا وضيقا قبل أسابيع (تحرك التيار الوطني الحر) ولأهداف ومطالب تخصه، ويشهد منذ أيام تحركا شعبيا واسعا ولأهداف ومطالب وطنية جامعة. ومع انتقال الأزمة الى الشارع ترتفع نسبة الخطورة في الوضع وتتقلص قدرة التحكم والسيطرة. وما جرى ليل أمس الأول نموذج أول عن «الفوضى» التي يمكن أن تحصل وتطيح بـ «نعمة الاستقرار» التي ينعم بها لبنان وسط محيط متفجر تجتاحه حالات الفوضى والعنف والتطرف. ووفق هذا النموذج فإن الوضع قابل للتطور وتمدد حالة التوتر والاشتعال نظرا لحجم الاحتقان الحاصل. فالتظاهرة التي بدأت سلمية تحولت الى أعمال عنف وشغب ظهر معها أن الجهة المنظمة أعجز من أن تضبطها. والضغوط على الحكومة والسرايا أنتجت ضغوطا مقابلة وفق معادلة «شارع يقابله شارع» وحصل قطع للطرقات الدولية في السعديات (خط بيروت الجنوب) وسعد نايل (خط بيروت البقاع) تضامنا مع الحكومة وفي مواجهة «الغزوة» الجديدة التي تتعرض لها السرايا الحكومية.
4-المهم الآن، كيف سيتطور الوضع والى أين يتجه والمدى الذي يبلغه؟! التطورات في الشارع سرعت وتيرة الأزمة الحكومية والسياسية والبت في مصير الحكومة التي يسير رئيسها تمام سلام على «حافة الاستقالة»: الفريق الحكومي (بقيادة «المستقبل») سيوظف الضغط الشعبي باتجاه تفعيل الحكومة والبت بالملفات وأولها النفايات واتخاذ القرارات بالتصويت لأن الوضع لم يعد يحتمل...
والفريق الآخر داخل الحكومة (بقيادة حزب الله) سيوظف الوضع الجديد لمزيد من الضغط على الحكومة ورئيسها ومن يقف وراءه، لأن هذا الوضع أوجد ميزانا قويا جديدا في غير مصلحة الحكومة ووضعها أمام حال فوضى وانهيار كامل ما يرتب على الجهات المتحكمة بقرارها تقديم تنازلات وتسهيلات. الحكومة دخلت أسبوعا حاسما: فإما أن تصمد وتستمر بالعودة الى قواعد اللعبة المطبقة منذ الشغور الرئاسي. وهذا ما بات صعبا.
وإما أن تسقط باستقالة سلام الذي سيلجأ الى هذا الخيار للخروج من واقع يحشره في حال البقاء بين «الخضوع لمشيئة الميشال عون وحزب الله والتحول الى «شاهد زور». أم تحمل مسؤولية الانهيار الذي سيحصل انطلاقا من الشارع
استقالة سلام تحول الحكومة الى حكومة تصريف أعمال. في نظر البعض هذا التطور ليس سلبيا وفيه وجه إيجابي لأنه يعجل في انتخاب رئيس للجمهورية حتى يكون بالإمكان تشكيل حكومة جديدة. وفي نظر البعض الآخر تطور خطير لأنه يوقع البلاد في فراغ مؤسساتي شامل وينقل الأزمة الى مستويات جديدة عالية، ويكون التدرج من أزمة سياسية وطنية الى تسوية لا تنضج إلا على نار حامية وتكون هذه المرة «أكثر من دوحة وأقل من طائف».