Note: English translation is not 100% accurate
بري وحوار الضرورة
5 سبتمبر 2015
المصدر : الأنباء

بيروت - ناصر زيدان
يدرك رئيس مجلس النواب نبيه بري ان حجم الامتعاض الشعبي من سوء الاوضاع اوسع بكثير من حجم المظاهرات والاحتجاجات التي حصلت في بيروت، فالوضع الاقتصادي وصل الى مستويات قياسية من التراجع، والخلل في القطاعات الخدماتية - لاسيما الكهرباء - يربك حياة المواطنين، ويؤثر سلبا على موارد عيشهم، والفشل في معالجة ملف النفايات المنزلية، كان بمنزلة «القشة التي قسمت ظهر البعير»، وأنتج حالة غير مسبوقة من الازدراء الشعبي من اداء معظم المسؤولين.
اما الانكماش السياسي الذي يصيب المؤسسات الرسمية - خصوصا الفراغ في رئاسة الجمهورية، والشلل الذي يتحكم في عمل مجلس النواب، وتعطيل انتاجية الحكومة – فهو سابقة لم تحدث في لبنان حتى ايام الحرب الاهلية، ولا إبان الانقسام الحاد الذي عاشته البلاد في تمانينيات القرن الماضي.
خطورة ردة الفعل الشعبية على فشل الطبقة السياسية هذه المرة، انها تجرأت على تناول الاغلبية الساحقة من السياسيين والاحزاب، وهددت استقرار وسط المدينة الذي يحتضن مقري مجلس النواب ومجلس الوزراء، وعددا من الوزارات والادارات الحكومية.
مبادرة الرئيس نبيه بري الحوارية التي اطلقها في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر من النبطية، احدثت دويا سياسيا كبيرا، ولاقت استقطابا سريعا، لأن مساحة الفراغ السياسي اصبحت واسعة، ولم يعد بالامكان السماح لهذه المساحة بالتمدد، لأن تمددها سيصل الى كل المواقع التي تتبوؤها القيادات السياسية والحزبية على اختلافها.
بدت مبادرة بري في الشكل كأنها استجابة للمطالب الشعبية، ولكن في العمق، كانت بمنزلة المخرج للمأزق الذي يعاني منه معظم المسؤولين، وهي سرقت بعض الضوء من امام التحركات الشعبية التي قام بها ناشطون من المجتمع المدني، وواكبهم بعض المستغلين للامتعاض الشعبي، من اصحاب السوابق في إحداث الشغب، الذين ربما يمتلكون جدول اعمال يختلف عن طموحات الناشطين.
مهما كانت نتائج حوار رؤوساء الكتل النيابية الذي دعا اليه الرئيس بري، لا يمكن التقليل من اهميته، وهو يذكر بالحوار الذي دعا اليه بري في العام 2006، عندما كانت البلاد تعيش حالة من التوتر بعيد الانسحاب السوري من لبنان، فنجح الحوار في حينها في اعادة التواصل المقطوع بين المكونات السياسية والطائفية، وخفف من حدة الاحتقان.
جدول اعمال جلسة الحوار التي دعا اليها بري هذه المرة، يختلف عن جدول اعمال حوار 2006. مواضيع البحث اليوم تركز على الفراغ في رئاسة الدولة، وما يعكسه من شلل على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبالتأكيد سيكون موضوع معالجة الملفات الخدماتية الملحة حاضرا حكما على الطاولة. القوى السياسية الاساسية في لبنان اعلنت موافقتها على المشاركة، إلا ان ذلك لا يعني ان الاتفاق سيحصل على المواضيع المطروحة، خصوصا على البند الاول الذي يتعلق بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، ودون هذا الاتفاق عقبات، ناتجة عن شروط يضعها رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، اهمها انتخاب رئيس مسيحي قوي، في دلالة واضحة منه على شخصه بالذات، علما ان غالبية القوى – لاسيما المسيحية منها – لاتوافق على هذا التشخيص.
السباق بين الحوار، وتحركات بعض المجتمع المدني، يتسارع، وقد يدفع الطبقة السياسية الى انتاج «تسوية الضرورة» كي تتلافى المخاطر المحدقة بها من جراء الامتعاض الشعبي، فبعض قيادات الحراك، يتمتعون بحرفية عالية، ويرفضون الحوار، وهم يعدون العدة للحلول مكان الطبقة السياسية الحالية. فهل يتحول الوهم الى حقيقة في بلد العجائب السياسية؟