Note: English translation is not 100% accurate
تفكك دستوري لبناني
31 أكتوبر 2015
المصدر : الأنباء
بيروت ـ د.ناصر زيدان
يعيش لبنان ما يشبه الحرب الأهلية السياسية، تلقي بظلالها على كل مفاصل وزوايا الحياة العامة، وتنعكس على المؤسسات الدستورية كافة، لاسيما مؤسسة رئاسة الجمهورية الشاغرة من الرئيس، وكذلك على مجلس النواب المشلول الحركة، ومجلس الوزراء الذي يعاني من التعطيل على خلفية تباينات، عادة ما يحصل اكثر منها في الدول الديموقراطية، من دون ان يصل الأمر الى مقاطعة الجلسات، او عدم الدعوة الى جلسات.
تقول مراجع دستورية لبنانية مراقبة: ماذا تبقى من الانتظام الدستوري، اذا كان كل شيء في لبنان سيخضع للتوافقات المسبقة، وكيف يمكن اعتبار النظام اللبناني من النوع البرلماني الديموقراطي، اذا كان لدى أي من القوى السياسية القدرة على تعطيل عمل مجلس النواب، كما يحصل اليوم، حيث لا ينعقد المجلس لانتخاب رئيس للبلاد، وبحجة أولوية انتخاب الرئيس يعطل التشريع بالكامل، لكن الدولة التي تعتمد النظام البرلماني، تختلف عن الدول التي تعتمد النظام الرئاسي، او الملكي، وبالتالي لا يمكن لمثل هذه الدولة ان تعيش من دون عمل دائم لمجلس النواب، ليبت بالقضايا التشريعية، او الانتخابية، او الإجرائية او الرقابية.
الحرب الأهلية السياسية في لبنان واقع لا يمكن نكرانه، والخطر الذي يهدد الوحدة الوطنية، واقع، لا يمكن تغطيته بالإصبع. ولولا المناعة الاستثنائية التي يتحلى بها الاقتصاد اللبناني، لكان الاستقرار المالي قد ذهب مع الريح منذ فترة طويلة، ولكانت الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون مأساوية الى حد لا يطاق.
الخلافات السياسية بين القوى اللبنانية تجاوزت حدود الاختلاف ووصلت الى حد تهديد الوحدة الوطنية، او اقله الى تهشيم العقد الاجتماعي الذي اجمع عليه اللبنانيون منذ العام 1920، وأعادوا تأكيده في العام 1943 وفي العام 1990، كخيار لا بديل عنه، يتجسد في دولة واحدة، تحتضن تنوع طائفي وسياسي واسع.
فشل المؤسسات الوطنية في معالجة مشاكل الدولة، ينذر بتفاقم الأزمة، لأن فترة السماح التي اعطاها المواطنون للمسؤولين تكاد تنفذ، والحراك المدني الذي شهدته البلاد في اعقاب تفاقم أزمة النفايات المنزلية، ربما كان بمنزلة الانذار، رغم ان أفق التحركات الشعبية في لبنان مقفلة بسبب الانقسام الطائفي، او المذهبي، ولكن الحراك ربما يتوسع وينحو الى زاوية تقسيمية هذه المرة، اذا ما تفاقم اليأس عند المواطنين.
لقد مر على لبنان ايام قاسية، فيها حروب، وكانت الاختلافات السياسية واسعة، إلا ان الانسداد التشريعي والاجرائي لم يصل الى هذا الحد الذي نعيشه اليوم. وفي ايام الانقسام الكبير إبان الحرب الأهلية، كانت المراسيم الجوالة تدور على الرؤساء والوزراء لتوقيها، تسييرا لشؤون المواطنين، وللحفاظ على عجلات الدولة.
الاستهتار الدستوري الذي يعيشه لبنان اليوم مخيف الى حدود بعيدة، والمسؤوليات الوطنية التي يلقيها هذا الدستور على عاتق النواب والوزراء في السهر ساعة فساعة على مصالح الامة، لا تحترم، وهذا الوضع لا يمكن استيعابه فترة طويلة، لأن نتائجه كارثية على الدولة، ويؤدي الى تفكك دستوري، لا يمكن اعادة ضبطه فيما بعد.
في الأنظمة البرلمانية يمكن للوزراء والنواب ان يعترضوا على أي موضوع، او قرار يمكن ان يطرح على النقاش، اما مقاطعة الجلسات الدستورية، او تعطيلها، بحجة «الميثاقية» فهي مقاربة خطرة، تهدد وحدة الدولة مع الوقت، لأن الميثاقية لا يمكن ان تتعايش مع التعطيل، او من دون ضوابط دستورية على اقل تقدير.
وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل قال: ان لبنان يواجه خطر وجودي. لا نعرف ماذا يقصد، ولكن المعطيات المتوافرة تثير خوفا جديا من تفكك دستوري قادم.