Note: English translation is not 100% accurate
لبنان 2015 ـ 2016: بين الأزمة الشاملة.. والتسوية الشاملة
1 يناير 2016
المصدر : الأنباء - بيروت
إذا كان الإرهاب شخصية العام عالميا، فإن الفراغ هو شخصية العام لبنانيا. هذا الفراغ الذي بدأ من رئاسة الجمهورية واستوطن وتمدد ليشمل السلطتين التشريعية والتنفيذية، محدثا حالة من الشلل والركود العام، حالة لم تنحصر في المستوى السياسي وفي نطاق المؤسسات الدستورية، وإنما تعدت ذلك الى كل المستويات مع انعكاسات سلبية اقتصادية ومالية واجتماعية.
الفراغ هو مكمن الخطر والفجوة أو الثغرة الأساسية في الوضع التي يمكن أن تتسلل عبرها الأزمات ويبدأ منها مسلسل الانهيارات. والاقتناع الذي يزداد رسوخا أن شغور مركز رئاسة الجمهورية أدى الى هذا الوضع غير الطبيعي في البلاد ما يثبت أهمية الرئاسة ودورها وموقعها، وأن الخروج من هذا الوضع لا يبدأ إلا من نقطة محددة هي انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما يفتح الباب أمام تشكيل حكومة جديدة انتقالية تكون مهمتها إصدار قانون جديد للانتخابات تجري انتخابات نيابية جديدة على أساسه.
ثمة اقتناع آخر مكمل واستطرادي وهو أن انتخاب رئيس للجمهورية لم يعد ممكنا ومتاحا إلا من خلال تسوية سياسية شاملة وفق مبدأ «السلة الواحدة»، بمعنى أن الاتفاق على شخص الرئيس وحده لا يكفي وأن انتخاب رئيس جديد لا يحصل إلا بعد التوصل الى اتفاق يشمل الحكومة وقانون الانتخابات وتفاصيل أخرى تتعلق بقيادة الجيش والمراكز الأمنية الأساسية. ولكن قانون الانتخابات هو المسألة المركزية في الصراع السياسي ويعتبر «أم المعارك» والاتفاق عليه أصعب بكثير من الاتفاق على الرئيس. إذا كان الفراغ هو «نقطة الضعف ومصدر القلق» حتى إشعار آخر، إلا أن الوضع اللبناني أثبت على امتداد عام أنه يمتلك «نقطة قوة» تتمثل في «مناعة وحصانة» وقدرة على الصمود رغم كل الضغوط، وفي استيعاب الأزمات على أنواعها والتكيف معها. وبالتالي فإن الوضع شهد اهتزازات قوية خلال عام 2015 ولكنه لم يشهد «انهيارات»: الدولة من دون رأس ولكنها لا تزال «تعمل». الحكومة معطلة وغير منتجة ولا تقدر على أن تجتمع وتأخذ قرارات ولكنها لا تزال موجودة ولم تسقط ولم تستقل وممنوع عليها أن تفعل لسبب بسيط وهو أنه لا إمكانية لقيام حكومة جديدة في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية. لحوار بين المستقبل وحزب الله متواصل و«صامد» رغم أنه يدور في ظل ظروف إقليمية غير مساعدة وتوترات داخلية ومواجهات سياسية وإعلامية لا تتوقف. الوضع الأمني يحافظ على هدوء نسبي، ولكنه، مقارنة بما يجري في المحيط العربي وما تعيشه دول أوروبية وغربية من حوادث وهواجس، يعد وضعا جيدا ومازال تحت السيطرة مادام لا قرار دوليا وإقليميا بتفجير لبنان ولا إرادة سياسية للحرب والقتال عند أي من الفرقاء اللبنانيين الذين خبروا ويلات الحرب الأهلية التي لا رابح فيها.
الوضع العام اهتز لأكثر من مرة ولكنه لم يسقط مرة. ويعود «الفضل» في ذلك الى جملة عوامل ساهمت في إرساء وترسيخ «الستاتيكو» اللبناني:
٭ هناك أولا العامل الدولي المساعد: لبنان لا يشكل أولوية للمجتمع الدولي في منطقة «تغص» بالأزمات والحروب، وليس مدرجا على جدول الأعمال وليس مشمولا بخطط ومشاريع دولية.
وكل التركيز جار على تحييده عن أزمات المنطقة وخصوصا عدم امتداد الحريق السوري الى أرضه. وأقصى الطموحات هو أن يحافظ على استقراره الداخلي وعلى قدرة الاستمرار.
٭ هناك ثانيا العامل الإقليمي المؤثر: لبنان محيد عن صراعات المنطقة، وتحديدا الصراع السني ـ الشيعي، لبنان جزء من هذا الصراع ولكنه ليس جزءا من مسرحه الممتد من اليمن الى العراق ومن سورية الى فلسطين، ويقف خارج نطاق العمليات والمواجهات وتصفية الحسابات.
٭ هناك ثالثا العامل الداخلي الأهم: لبنان وضعه منذ عشر سنوات قائم على توازنات دقيقة، زادتها دقة الحرب السورية التي فرضت على اللبنانيين، وخصوصا عل السنة والشيعة، التزام أقصى درجات الوعي والحذر، في وقت يشكل المسيحيون والدروز عامل توازن في الصراع الشيعي ـ السني ونوعا من مساحة سياسية عازلة.
حزب الله «غارق» في سورية ومنصرف الى معركة يضعها في مصاف معركة وجودية مصيرية «معركة حياة أو موت»، معركة انتصار وانكسار ولا خيار ولا احتمال ثالث فيها، ومدرك تماما أن الحرب في سورية هي التي تحدد، ليس فقط مستقبل سورية، وإنما أيضا مستقبل لبنان السياسي. ولذلك يصب كل تركيزه وجهوده في سورية ويحرص على هدوء الجبهة الداخلية هنا، وبالمقدار الذي يكفي لحماية ظهره وللتفرغ للقتال هناك.
والمستقبل «غارق» في مشاكل متعددة أدت الى تقييده وإضعاف إمكانياته وتأثيره في مجرى الأحداث، خصوصا أنه لم يستعد بعد زمام المبادرة السياسية والسلطوية التي فقدها مع خروجه من الحكم عام 2011. وهو مدرك تماما أن النار السورية إذا انتقلت الى لبنان سيكون هو المتضرر الأول منها وسيضطر الى الانكفاء وإخلاء الساحة لقوى التطرف. ولذلك فإنه يجد نفسه في معسكر الاعتدال وشريكا في محاربة التطرف والإرهاب. وهذه الشراكة هي جزء من شراكة سياسية موضوعية وقسرية مع حزب الله ترجمت في حكومة سلام وفي حوار عين التينة.
صحيح أن لبنان نجح في اجتياز تحديات العام من دون كلفة وخسائر عالية، وأنه «يتعثر ويهتز ولكنه لا يسقط». ولكن الصحيح أيضا أن لبنان ليس قادرا على اجتياز عام آخر على خير وسلام في ظل أوضاعه الحالية التي لم تعد تسمح باللعب على حافة الهاوية وصارت تهدد بالسقوط في الهاوية:
٭ الوضع «المؤسساتي» في أدنى مستوياته الإنتاجية وأسوأ حال لم تشهده الإدارة حتى في عز أيام الحرب ويقارب حال «العجز والشلل».
٭ الوضع السياسي في حال انسداد بواقعه الراهن وأفقه المستقبلي الى درجة أنه لم تعد هناك إمكانية لتجديد أو لتغيير في الطبقة السياسية وإعادة إنتاج السلطة.
٭ الوضع الأمني «هش» وتحت السطح الهادئ تتفاعل عوامل وأوضاع سلبية.
هذا نوع من الهدوء المريب والمعرض للسقوط في أي لحظة مادام غير مستند الى واقع صلب وثابت في السياسة وعلى الأرض.
فالحدود الشرقية مازالت تختزن كل أسباب تمدد الحرب السورية الى الداخل اللبناني. وقوى الإرهاب والتطرف نفذت الى الداخل اللبناني وأصبح لها وجود وخلايا نائمة وشبكات عنقودية تجهد السلطات والأجهزة اللبنانية في رصدها وتفكيكها. وإذا كانت المؤسسات الأمنية عاملة ومنتجة بخلاف المؤسسات السياسية وسجلت إنجازات نوعية رغم الإمكانيات المتواضعة، فإن هذه المؤسسات بدأت تتلقى انعكاسات الخلل الحاصل على أدائها وفاعليتها وتشكو من عدم وجود بيئة رسمية وسياسية حاضنة.
٭ الوضع الاقتصادي يكاد يستنفد قدرته على الصمود وقوة الاحتياط التي لديه. وبات العمال وأرباب العمل، النقابات العمالية والهيئات الاقتصادية، يتساوون في الشكوى والتذمر وقرع جرس الإنذار والتحذير، واستنادا الى وقائع ومظاهر ومؤشرات مثيرة للقلق: النمو صفر. ضغوط على الليرة بعد سنوات طويلة من الاستقرار. القطاع المصرفي الذي هو الحلقة الأقوى والعصي على الأزمات يسجل للمرة الأولى تراجعا في نسبة نموه (الودائع والأرباح)، القطاع العقاري يسجل للمرة الأولى عدم تناسب بين فائض العرض وقلة الطلب. القطاع السياحي يفتقد «الإنفاق الخليجي»، هجرة الشباب وخريجي الجامعات تزداد وفرص العمل تتقلص. شركات ومؤسسات أقفلت وأخرى تواجه خطر الإفلاس.
٭ الوضع الاجتماعي وصل الى القعر، الى وضع غير مسبوق من تراجع الخدمات والمرافق الحيوية والبنى التحتية، وأكثرية اللبنانيين فقراء وربعهم تحت خط الفقر. مشاعر القرف والاشمئزاز من الوضع الراهن لا توازيها إلا مشاعر القلق على المستقبل والمصير. «الحراك الشعبي» الذي أطلق صرخة قهر ووجع ووجه إنذارا للطبقة السياسية وفضح عيوبها وفسادها ومساوئها، أسفر في النتيجة عن تعميق حال الإحباط بعدما كمنت له الطبقة السياسية وتوحدت ضده، وبعدما اصطدم بواقع عصي على التغيير في بلد طائفي لا تصح فيه ثورات شعبية ولا انقلابات عسكرية. ازاء هذا الوضع الذي لم يعد يحتمل سنة أخرى من الانتظار، صار الخروج من المأزق أمرا ملحا وبمعزل عن مجريات الأزمة السورية التي تدفع باتجاه تحصين الوضع الداخلي في لبنان أيا تكن اتجاهاتها المقبلة، سواء اتجهت الى مزيد من الحرب التي تلفح لبنان بنارها، أو اتجهت الى التسوية التي تعني لبنان في مفاعيلها ونتائجها.
إذا كان مسار الخروج من الأزمة يبدأ من نقطة انتخاب رئيس للجمهورية، فإن هذا الانتخاب لم يعد ممكنا إلا من ضمن تسوية شاملة. ليس انتخاب الرئيس هو الذي يأتي بالتسوية. وإنما الاتفاق على التسوية هو الذي يأتي بالرئيس. ومادام هذا الاتفاق السياسي الشامل لم يحصل، فإن الفراغ الرئاسي يتواصل ولا تنفع معه مبادرات جزئية وتفاهمات جانبية ولقاءات ثنائية.
لبنان، بين عام مضى وقطع بأقل خسائر، وعام آت يخبئ الكثير من المفاجآت والخسائر، يتأرجح بين احتمالين واتجاهين:
٭ إما الأزمة الشاملة على كل المستويات ودخول الوضع مرحلة الفوضى والمجهول مع حدوث انهيارات سياسية وأمنية واقتصادية تفضي الى انهيار «نظام الطائف» وتدفع باتجاه البحث عن نظام جديد وإعادة بناء الجمهورية، لأن الأزمة في لبنان أزمة جمهورية وليست أزمة رئاسة جمهورية.
٭ إما التسوية الشاملة المترابطة الحلقات، من انتخاب رئيس «إدارة التوازنات» الى حكومة وحدة وطنية الى قانون انتخابات ينصف الجميع ويؤمن التوازن السياسي والطائفي. هذه التسوية التي تشبه الى حد كبير التسوية التي قامت في الدوحة عام 2008 وتطلب إنضاجها نارا أمنية من معركة نهر البارد حتى أحداث 7 مايو في بيروت.
من المفترض أن يكون الحدث الأبرز في العام 2016 هو انتخاب رئيس للجمهورية وعودة الحياة والأضواء الى قصر بعبدا. ومن المتوقع أن يحصل هذا «الانتخاب» لرئيس من خارج نادي الأقطاب الأربعة بعدما يكون الوضع، وحزب الله فيه هو «سيد اللعبة»، وصل الى «ذروة التأزم» الذي ينتج ويفرض تسوية ستكون أكثر من «دوحة» وأقل من «طائف».