قائد تاريخي وجهه سمح والبسمة لا تفارقه والكرم والشجاعة من صفاته ويجنح للسلام
بقلم: يوسف عبدالرحمن
[email protected]
أبلغني الاستاذ عاطف غزال نائب مدير التحرير بخبر اغتيال القائد الافغاني برهان الدين رباني على يد «قاتل» من حركة طالبان والذي فجر نفسه بعبوة ناسفة خبأها في عمامته «والعمامة لها شيء كبير من القداسة في العرف الافغاني فلا تمس ولا تفتش» وليسقط متوفي بجراحه احد ابرز القادة الافغان الذين قادوا الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في بداية الثمانينيات وهو ايضا من القادة الذين استعانت بهم الولايات المتحدة للاطاحة بنظام طالبان.
وتعود معرفتي بالشيخ الجليل الوقور بــــرهان الدين رباني ـ رحـــــمه الله ـ الــى بداية الثمانينيات يوم كنت اغطي معارك الجهاد الافغاني لجريدتي «الأنباء» التي كانت من اوائل الصحف العربية التي غطت مراحل الجهاد الافغاني طيلة الحرب وحتى سقوط كابول.
وحقيقة، دار في رأسي شريط طويل من الذكريات الحلوة والمرة مع هذا القائد الذي تعرفت عليه من خلال لجنة الدعوة الاسلامية التابعة لجمعية الاصلاح الاجتماعي في الكويت والتي تعتبر احدى ابرز المؤسسات الخيرية العربية الاسلامية التي قدمت دعما غير معهود للشعب الافغاني خلال فترة الحرب اضافة الى جهود لجنة افغانستان بجمعية احياء التراث الاسلامي في الكويت وكانت اللجنتان تشكلان عنصر توازن في تقديم الدعم اللوجستي الخيري للشعب الافغاني حينذاك.
برهان الدين رباني يذهلك بأدبه الجم وخلقه وحلو حديثه وطيب معشره وكرمه وانا مازلت حتى هذه اللحظة اتذكر اقراص الخبز وكوب الحليب الذي شربته عنده في مقر ضيافته في قرية بابي في بيشاور.
برهان الدين رباني بن محمد بن يوسف هو القائد الذي تعود اصوله الى الطاجيك في مدينة فيض اباد مركز ولاية بدخشان وينتمي الى قبيلة «البغتليين» ذات العرقية الطاجيكية السنية وكانت عائلته تعمل بالتجارة وهو من مواليد عام 1940 وقد درس في مدرسة ابي حنيفة في كابول ثم التحق بكلــية الشريعة عام 1960 وعين فيـــها بعد تخرجه ثم التـــحق بجـــامعة الازهر في عام 1966 ليحصل على شهادة الماجســـتير في الفلسفة الاسلامية عام 1968 ثم عاد الى بلــــده ودرس في جامعة كابول مدرسا للشريعة وحاولت الشرطة الافغانية العميلة للروس اعتقاله داخل الحرم الجامعي ولكنه نجح في الهروب الى ارياف افغانستان بمساعدة الطلبة الافغان المتعاطفين مع الحركة الاسلامية، ومن خلال معرفتي الشخصية به فإن افغانستان فقدت اليوم واحدا من ابرز قادتها الذين لهم دراية بالحرب ومقتنع بأهمية السلام خاصة ان القائد برهان الدين رباني يعتبر احد ابرز القادة السياسيين لتحالف الشمال المعارض لحركة طالبان وأحد الحالمين دائما بضرورة تطبيق الديموقراطية انتخابا.
قال لي في احد تصريحاته الصحافية التي اجريتها معه انه لا ينسى القاهرة وكيف التحق بالازهر وكيف حصل على الماجستير في عامين فقط لجده واجتهاده وتعاطف اساتذته معه وكيف تخصص في دراسة الشريعة الاسلامية والقانون الاسلامي.
مرحلة الجهاد الأفغاني
اشترك برهان الدين رباني في كل مراحل الجهاد الافغاني ضد الاتحاد السوفييتي الذي غزا افغانستان في عام 1979 وقد كانت لبرهان الدين رباني وقواته الموالية له دور حاسم في هذه المعارك الدائرة وكانت قواته من اوائل وطلائع القوات الافغانية التي دخلت كابول لتسقط الحكومة العميلة التي يرأسها محمد نجيب والذي شنق في احد شوارع كابول على يد المجاهدين الافغان.
خلاف القادة الأفغان
وعقب سقوط كابول تكبدت الاحزاب الافغانية خسائر جسيمة بعد ان بلغ النزاع بين القادة اشده وسقط ما لا يقل عن 40 ألف أفغاني في هذه المعارك الدائرة على انتزاع السلطة من هذه الاحزاب الجهادية التي يرى كل واحد منها انه احق بتسلم السلطة وان كان احدها برهان الدين رباني الا ان هذا لا يمنع ان نذكر انه كزعيم سياسي كان ابرز خصومه السياسيين ولذا لا نعجب ان اصر اكثر من قائد افغاني على شرط واحد وهو ان يضع برهان الدين رباني استقالته اولا قبل الدخول في المناقشات والمفاوضات وذلك لسطوة هذا القائد الذي ينظر له القادة الافغان «البشتون» على انه من الاقلية الطاجيكية والاولوية لقبيلة «البشتون» المنتشرة والقوية والتي ينتمي لها معظم القادة الافغان الذين قادوا الجهاد الاسلامي ولعل هذه النقطة جديرة بالتوقف لانها الصورة الابرز في الصراع الافغاني بكل ابعاده العرقية والمذهبية في بلد يبلغ عدد سكانه اكثر من 17 مليونا يتوزعون على عرقيات متناحرة ومذاهب وقبائل واصول.
رجل سلام
المتـــابع لتاريخ القائد برهان الدين ربـاني يجد انه رجل تسوية يحب الهدوء والــــسلام ويميل الى الاتفاقيات والمـــفاوضات ولعله «دفع حياته ثمنا لهذه المفاوضات» لانه قتل وهو في طريقه للتحاور مع الطالبان مكلفا من الرئيس كرزاي الذي كلفه بفتح الحوار معهم حول مطالب السلام فكان ضحية للسلام المترقب.
وكلنا يذكر كيف تــم اختياره رئيسا لتحالف الاحزاب السبعة في المقاومة الافغانية عام 1988.
كان رحمه الله بحكم معرفتي بأفكاره الرئيسية ميالا لنظام سياسي تكون فيه الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية وقد طبق هذا عندما انتخب كأول رئيس منتخب «للجمهورية الافغانية الاسلامية» يتولى الرئاسة خلفا للقائد صبغة الله مجددي الى جانب رئاسته مجلس قيادة المجاهدين الافغان وقد تم تمديد ولاية حكمه لمدة 18 شهرا وهو الذي طالب بدستور جديد واحصاء جديد لوضع الجداول الانتخابية وخذله القادة الافغان لطمع كل واحد منهم بالسلطة.
شديد العداء لطالبان
عرف عن القائد برهان الدين رباني عداؤه الشديد لكل ما هو بعيد عن تجمع فصائل الجهاد الافغاني وكان يعتبر حركة طالبان عدوا رئيسيا ويتهمها بأنها صنيعة اميركية بدعم باكستاني وانه تتلقى اوامرها من عواصم خارجية وكان شديد الهجوم على الولايات المتحدة وبريطانيا وباكستان ويتهمهم بأنهم يحاولون فرض حركات لا تتمتع بأي شرعية في افغانستان وكان شديد الرفض للغة السلاح وميالا للهدنة.
والعالم كله يذكر تصريحه الشهير في ايران عام 1997 عندما قال بكل صراحة: نعم نرغب في الحوار والتفاوض لايقاف الحرب لكن طالبان اختارت لغة السلاح وخرقت الهدنة القائمة لذلك لا ارى سبيلا للتعاون معها فيما هي اختارت نهج الحرب.
وواصل مســـتدركا: لن نتراجــع عن خيار السلام ولكننا لن نتراجع ايضا عن الدفاع عن انفسنا ورفض التسلط والتدخل الاجنبي، ودفع اخيرا حياته ثمنا لهذه المواقف الجريئة.
قال لي
٭ ما وصل اليه الجهاد هو بحق معجزة إلهية من عند الله والدعم الاسلامي واجب والعرب المجاهدون اخوتنا.
٭ يجب أن تعترف جميع الدول الاسلامية في العالم بحكومة المجاهدين لإقامة الدولة الاسلامية النموذج في العالم.
٭ هزني جدا منظر أطفال الحجارة وهم نموذج إسلامي لجميع أطفالنا في هذا الكون المليء بالحروب والتكبر والجبروت للدول المتغطرسة بقوة السلاح وعلى رأسها الكيان الاسرائيلي.
٭ الجيش الهندي يقوم بعمليات تخريبية ويدرب العملاء لضرب المجاهدين، ولكنه لا يستطيع أن يحل محل الجيش الروسي.
٭ اتصال القائد أحمد شاه مسعود «أسد البانشير» بحكومة كابول العميلة محض «افتراءات وكذبة رخيصة».
٭ انتقال حكومة المجاهدين الى الداخل يحتاج الى اتخاذ بعض الاجراءات الأمنية اللازمة والمجاهدون اليوم يملكون مواقع حصينة داخل افغانستان.
٭ يحزنني جدا عدم اعتراف الدول الاسلامية وأرى ان نبدأ نحن بالاتصالات بالقادة لعلهم ينتبهون الى تقصيرهم في الاعتراف بنا.
٭ اجتماع «اللوي جركا» مجلس القبائل لن يحل أي مشكلة والعهود السابقة لها تفكيرها فالوقت تغير وأنا مع الانتخاب لأنه أفضل بكثير من مجلس القبائل فالانتخابات تعبر عن صوت الشعب.
٭ لن تكون هناك حرب أهلية في أفغانستان اذا انهزم الجيش الروسي والخلافات بين القادة عابرة والحل في الحكومة الائتلافية، وتوقع من الأفغان غير المتوقع.
٭ نجاحنا في ايماننا بقضيتنا نحن، أميركا وغيرها قدموا الدعم لنا ولا ننكره، ولكن الحقيقة ان المجاهدين متوكلون على الله ولم نضع في حسابنا الشرق والغرب، وأرى ألا نلتفت الى الابواق الدعائية لأنها لا تملك الحقيقة والجهاد في سبيل الله شرع اسلامي لا يملك أحد الوصاية عليه.
٭ أرى ان حكومة المجاهدين مطالبة شرعا بنصرة الجهاد في فلسطين حتى تحرير كامل الارض والاقصى والقدس لأن هذا واجب الامة الاسلامية.
٭ موقف المجاهدين من مفاوضات مؤتمر جنيف واضح ولا لبس فيه والقاضي بانسحاب القوات الروسية من بلدنا وعدم التدخل في شؤون بلدنا، وقد رفض القادة المجاهدون هذه الاتفاقية لأنها لم تكن بين أطراف النزاع الاصلي وأقصد «المجاهدين وروسيا» ولنا كثير من التحفظات على أطرافها وبنودها.
٭ انشر على لساني في جريدة «الأنباء» ان غايتنا من الجهاد في سبيل الله تحرير بلدنا المحتل من القوات السوفييتية الملحدة وتحكيم شرع الله وإقامة حكمه في الأرض وليس لنا دون ذلك غاية أخرى، فإما ان نحقق الدولة الاسلامية أو نهلك دونها.
٭ أقولها بكل صراحة: قائد أفغاني وجهه سمح وله من صفات العرب الكرم والشجاعة تشعر معه بالألفة والسعادة وهو صاحب علم وفقه وسياسة.. رحمه الله وأجره على ما قدمه لشعبه وأمته.
رؤية رباني الشاملة: ينبغي أن نفكر في بناء أفغانستان فكرياً ومعنوياً وفقاً للمنهج الإسلامي
قال لي في سبتمبر عام 1989 وكان يومها الأستاذ برهان الدين رباني وزير الإنشاء والتعمير في حكومة أفغانستان الإسلامية الانتقالية وأمير الجمعية الإسلامية الأفغانية النشطة حينذاك حين التقيته في قرية بابي في أفغانستان وقد كان يومها غاضبا جدا من 1000 مليون دولار رصدتها الولايات المتحدة لإعمار أفغانستان وكان مكمن غضبه هو قدوم مجموعة من المؤسسات المسيحية التي ترفع الصليبية باسم الإعمار وأخرى تجمع المساعدات باسم إعمار أفغانستان ولا أثر لعملها في الواقع المعاش لأنها تبدد الأموال حسب زعمه.. وعندما سألته: بحكم ترؤسك وزارة التعمير والإنشاء ما تصوركم لقضية تعمير أفغانستان؟
أتذكر يومها تنهّد وابتسم مواصلا الحديث الذي نُشر في جريدة «الجهاد» قبل «الأنباء» بحكم وجودي هناك وكانت وسائل الاتصال رديئة وبطيئة فقال: أنشأنا هيئة إدارية في وزارة التعمير ولكنها لم تباشر عملها لعدم وجود الميزانية كما ان هناك مؤسسات تتبع دولة لم تعترف بحكومة المجاهدين الانتقالية وهدفنا حاليا إنشاء إدارة لتصفية الألغام ونحتاج الى سنوات كثيرة لإعادة الإعمار وبناء ما دمرته الحرب ولي شخصيا 3 تصورات لخطة مبدئية تقوم على ما يلي:
1 – برنامج الإنقاذ المستعجل لبناء الطرق وإزالة الألغام.
2 – المرحلة شبه المستعجلة إعادة جدولة بناء المساجد والمستشفيات والمدارس لعودة المهاجرين.
3 – الخطوة المتكاملة لإعمار أفغانستان من جميع النواحي المعمارية والتعليمية والصحية والاقتصادية والمرافق، وأنا شخصيا أريد من المؤسسات الإسلامية أن تنسق مع حكومة المجاهدين حتى لا تكون سببا في تكوين مؤسسات مستقلة داخل أفغانستان.
ومشكلتي الحقيقية هي نقص الكوادر العاملة لأننا في حالة حرب ونحن اليوم بصدد إنشاء إدارة تدريب لجميع التخصصات وان نعتمد على أنفسنا لأن المؤسسات الخارجية تحتاج الى ضمانات وإمكانيات وأمتنا الإسلامية قادرة على تــوفير هذه الطاقات في المـــستقبل أثناء دوران ورشة التنمية.
ووصف برهان الدين رباني الوضع عند مقابلته بأن المجاهدين في حالة من الغرور والرهبة بعد خروج الروس منهزمين، والحقيقة ان المجاهدين في مرحلة قوية والحمد لله ولكنهم يحتاجون الى تركيز من الناحية العسكرية خاصة اننا طلبنا من اخواننا المجاهدين في الشمال ان يجتمعوا ويبدأوا العمل العسكري ويطلبوا من الأحزاب تقديم مشروعاتها.
وركز نظام الدين في تصريحه على حتمية سقوط الحكومة العميلة وان كابول ساقطة بين المجاهدين لا محالة وقد سقطت حكومة محمد نجيب العميلة على يد المجاهدين بعد ذلك.
قراءة في فكر رباني الجهادي والسياسي
كعادته معي صريحا بادرته بالسؤال: يا شيخ نظام لقد أصبح واقع القضية الأفغانية مثيرا للجدل والتساؤلات في الأوساط الإسلامية وخصوصا لدى الطبقة التي وقفت بكل جوارحها وإمكانياتها وتعاطفها مع الجهاد والمجاهدين في أفغانستان وقدمت بسخاء النفس والمال دعما ودفعا له نحو لحظة الانتصار فلم تأخر النصر ولم كل هذا الخلاف وتباين المواقف والتوجهات وفشل التنسيق بينهم وعدم احراز أي تقدم عسكري على مستوى الجبهات؟ كل هذا يؤدي الى إحباط وتساؤل وتخوف شديد عنـــد الأنصار مما إذا عجز أمراء الجهاد – لا قــدر الله – عن مواجهة الواقع بصورة تمكنهم من تجاوز الأزمة وتخرجهم من دائرة الانطلاق؟
فقال الشيخ برهان الديـن رباني فــي صدق وثقة مجيبا عن السؤال: نــعم مازلـــنا نعيش مرحلة الحل العسكري والطروحات السياسية ليست الحل الــوحيد وان الجهاد والمجاهدين يمرون هذه الأيام بأصعب مراحلهم خاصة ان الجهاد وصل الى المرحلة المصيرية، فبعد انهزام الروس عسكريا فإن الاتحاد السوفييتي ومن روائه من أعداء الأمة الإسلامية يسعون بما لديهم حتى يعيقوا الدولة الاسلامية في أفغانستان وهم يطرحون حلولا مختلفة للقضية منها الحكومة الائتلافية المشتركة ما بين حكومة المجاهدين والحزب الشيوعي أو الحكومة الانتقالية التي تشرف على الانتخابات في هذه المرحلة في محاولة لإنقاذ محمد نجيب، لذا نرى محمد نجيب يحاول تغيير الحكم والدستور وكل هذا مــحاولة مكشوفة لإبعاد المجاهدين وأنا أرى ان الشيوعيـــين هم أساس كل المشاكل ولا يستــحقون ان يكون لهم دور في تحديد مصــير الشعب الأفغاني المسلم، ومشكلتنا تكــمن بين الحل العسكري والسياسي، فنـــحن في مرحلة الحل العسكري لأن الحرب قائمة وهم يضعون تصورات لحلول سياسية استباقية وهذا يعني باختصار اشراك الحكومة العـميلة في كابول وفرض الحل السياسي، والحل ان يتخلى السـوفييت عن التدخل في شؤوننا والحــل في «الــلوي جركا» وكنت أرفضه سابقا وهذا ليس تــنازلا عن مواقفي المتشددة هذا مطلوب حاليا لأن أهـل الحل والعقد لم يتجاوزوا أسسنا وأصولنا.
أنا مازلت أنادي بضرورة التحرك السريع في الميدان العسكري والسياسي وأرى ان حل الخلافات يكون عن طريق حكومة المجاهدين في هذه الظروف العصيبة وأنا شخصيا لا أعارض الانتخابات، لكن أن تتاح في ظروف مهيأة لهذه الممارسة وبصراحة ليست لدينا إمكانيات لمثل هذا العمل.
وأنــا مع التـنسيق وليس الحل بالاتفاقيات، فالانفراد في الحل ليس حلا ومن يرد ان ينفرد بحل فهو إما لا يعرف طبيعة أفغانستان أو يكون متعطشا للسلطة أي يريد ان يصل الى السلطة بأي شكل كان وتفكيري دائما مع التنسيق مع الآخرين.