- ظروف ميدانية وسلاح الأكراد الحديث وعدم استخدام تركيا الطيران بشكل مكثف أسباب حدت من اندفاعة «غصن الزيتون»
- اتصال ترامب وأردوغان أظهر مخاوف لم تكن موجودة أهمها هل دخلت العلاقات الأميركية- التركية أرضاً مجهولة؟!
- العقبة أمام تركيا تكمن في موقف روسيا التي عليها أن تجد الوسيلة للحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة ومع الأكراد في آن
- تركيا نالت عمليا «ضوءا أصفر» احتمال تحوله لأحمر كبير فالخطوط التي أحيطت بالعملية لا تسمح لتركيا بتحقيق أهدافها المعلنة لأن المناخ الدولي الإقليمي غير مؤاتٍ
بيروت: بدأ الجيش التركي منذ أسبوع في منطقة عفرين السورية الحدودية عملية عسكرية استراتيجية لا رجوع فيها الى الوراء. وتقع عفرين في شمال محافظة حلب تحدها تركيا من جهتي الشمال والغرب ومناطق سورية واقعة تحت سيطرة المعارضة من جهتي الشرق والجنوب، ويقطنها حاليا نحو مليون نسمة. وتهدف أنقرة من هجومها الى طرد المقاتلين الأكراد من حدودها وتعزيز نفوذها في شمال غرب سورية. وفي حال حققت العملية أهدافها، تصبح مناطق سيطرة المعارضة متصلة ببعضها لأول مرة بين مناطق في ريفي حلب (غرب) وإدلب (شمال غرب).
افتقد الهجوم التركي «زخم الانطلاقة» وبدا في أيامه الأولى يسير بوتيرة بطيئة وخطى متثاقلة، فلم يحرز أي تقدم مهم أو اختراق نوعي، وحتى التلال الاستراتيجية التي سقطت في الأيام الأولى للهجوم تمت استعادتها على يد القوات الكردية.. وهذا التباطؤ في الهجوم يعود بالدرجة الأولى الى عوامل وظروف ميدانية غير مساعدة أهمها: سوء الأحوال الجوية/ طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة في عفرين بخلاف المنطقة المنبسطة سابقا في جرابلس وأعزاز حيث تسهل مناورة الدبابات/ المقاومة وإرادة القتال لدى أكراد عفرين في تكرار لمعركة كوباني، مضافا إليها هذه المرة أن الأكراد مزودون بسلاح حديث/ عدم استخدام تركيا سلاح الطيران بشكل مكثف في ظل وجود ضوابط دولية تدفع في اتجاه إبقاء العملية التركية تحت السيطرة، هذه الضوابط الدولية من شأنها أن تقي العملية العسكرية «غصن الزيتون» وتحد من اندفاعتها وترسم حدودا لها، وهي متأتية من جهتين أساسيتين:
1 ـ من جهة الولايات المتحدة التي حضت تركيا على ممارسة ضبط النفس وإبقاء عملياتها محدودة جغرافيا وزمنيا. والأميركيون متمسكون بحماية منبج وغير موافقين على مد السيطرة التركية إليها. أما في عفرين، فالأميركيون لن يساعدوا تركيا ولن يعرقلوها، ولكنهم لن يسكتوا طويلا لأنهم تعهدوا بوجود أميركي طويل المدى في شمال سورية ومشاريع لإعادة الإعمار والمضي قدما في إقامة كيان خاص للأكراد بعدما اقتطعوا المناطق التي يهيمنون عليها عبر «قسد» (قوات سوريا الديموقراطية).
وفي الاتصال الذي جرى بين ترامب وأردوغان بعد عملية عفرين حصل سوء تفاهم: الأميركيون قالوا إن ترامب طالب أردوغان بالحد من العمليات العسكرية في عفرين وإنهائها بأسرع وقت، والأتراك قالوا ان أردوغان طلب من ترامب ضرورة سحب القوات الأميركية من منطقة منبج شمال سورية، وسحب الوحدات الكردية الى شرق الفرات ووقف الدعم الاميركي للأكراد، ما حصل هو أكثر من «سوء تفاهم» ويعكس أزمة ثقة عميقة الى حد أن هناك مخاوف وأسئلة بدأت تطرح ولم تكن موجودة من قبل وأولها هل دخلت العلاقات الأميركية ـ التركية أرضا مجهولة ووصلت الى مرحلة يستحيل فيها إصلاحها؟! وهل يمكن أن يؤدي القتال التركي ـ الكردي في سورية الى جر القوات الأميركية الى مواجهات قد لا تكون مقصودة مع القوات التركية الغازية؟!
2 ـ من جهة روسيا التي تشكل «العقبة الأساس» لأنه لا وجود عسكريا أميركيا مباشرا في منطقة عفرين، فلا يمكن لتركيا أن تشن عملية واسعة وجذرية من دون ضوء أخضر روسي. وهي كانت تتوقع إطلاق يدها في عفرين مقابل تقدم قوات النظام السوري نحو إدلب، في تكرار لنموذج حلب عندما تخلت عنها في العام 2016 مقابل سيطرتها على جرابلس وأعزاز.
العقبة أمام تركيا تكمن في موقف روسيا التي عليها أن تجد الوسيلة للحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة ومع الأكرأد في آن. فهي حريصة على إنقاذ مؤتمر سوتشي وكذلك على عفرين التي تهدد بإشعال حرب مدمرة قد تفتح الباب على مواجهات أوسع. فلا أحد يضمن عدم امتدادها على طول الحدود الشمالية لسورية (نحو 400 كيلومتر)، إذا اختار «حزب الاتحاد الديموقراطي» تخفيف الضغط عن مناطقه غرب الفرات. لذلك تبقى العملية التركية التي بدأت ضمن حدود ترسمها موسكو التي يبدو أنها أشعلت الضوء الأصفر فقط. أي أنها قد تسمح بتطويق عفرين والسيطرة على بعض القرى والنواحي المجاورة لها التي يسكنها العرب. وتسعى بعدها إلى إقناع الحزب الكردي بإخراج مقاتليه من المدينة وإقامة إدارة ذاتية جديدة فيها فلا يشكلون شوكة دائمة في خاصرة تركيا. وتدرك القيادة الروسية بالمقابل مدى حاجتها إلى أنقرة لتعميق ابتعادها عن الولايات المتحدة وأوروبا والأطلسي عموما، ولمساعدتها في توفير غطاء لـ «مؤتمر الحوار» بالضغط على فصائل معارضة ودفعها إلى سوتشي.
روسيا أمام امتحان كبير في عملية عفرين لإنقاذ علاقاتها المتجددة مع تركيا. وهو امتحان يترافق مع امتحان آخر. فهل تأخذ في الاعتبار جديد الموقف الأميركي فتعدل خطتها إلى سوتشي، وتقدم إلى المعارضة ما يشجعها على المشاركة في «مؤتمر الحوار»؟ ومثلها أنقرة تواجه تحديا لدورها في سورية شبيها بالتحدي الذي سيواجه إيران التي بدت الرابح الأكبر حتى الآن.
خلاصة كل هذا الوضع، أن تركيا نالت عمليا «ضوءا أصفر»، احتمال أن يتحول الى ضوء أحمر أكبر من احتمال تحوله الى ضوء أخضر، لأن الخطوط الحمر التي أحيطت بالعملية لا تسمح لتركيا بتحقيق أهدافها المعلنة، ولأن المناخ الدولي ـ الإقليمي غير مؤات ويضغط عليها لإنهاء هجومها سريعا وتقديم تنازلات متدرجة بدأت في غض أنقرة نظرها عن هجوم قوات النظام وحلفائه على مطار الظهور العسكري في شرق إدلب، وهذا الهجوم مخالف لاتفاقات أستانا، وتواصلت في الاستجابة لطلب روسيا بالاكتفاء بمحاصرة المدينة وعدم اجتياحها ووصلت الى إخراج «منبج» من جدول الأعمال التركي مع تمسك الأميركيين بها.
يرى خبير في الشؤون التركية أنه في حال لم تدخل القوات التركية عفرين ومنبج وتجعلهما جزءا من منطقة نفوذها فلن يكون هناك انتصار حقيقي يمكن رجب طيب أردوغان أن يعلنه، خصوصا إذا اضطر لوقف الهجوم من دون أن يتمكن من إخراج المقاتلين الأكراد من عفرين، وقد تردد أن ثمة ممرا فتح ليسلكه المنسحبون شرقا. يشعر الروس والأميركيون بأن ضغوط أردوغان بلغت حدا مربكا، ولا يتوقعون أن يلتزم الحدود المرسومة له سواء في عفرين أو منبج، بل سيترك للقادة الميدانيين إمكان التوغل وتجاوز الخطوط الحمر، لكنهم سيترقبون تورطه، فهذه الحملة لن تحل مشكلته الكردية في سورية، ولا في داخل تركيا وهو الأهم والأخطر.