على مدى أربع سنوات، قاتل الأكراد بشراسة تنظيم داعش بدعم من الأميركيين، لكنهم اليوم وبعد انهيار «دولته» وقرار واشنطن سحب قواتها من مناطقهم، يخشون على مصير ما يسمى بـ «الإدارة الذاتية» التي عملوا لسنوات على ارسائها بعد اندلاع الانتفاضة السورية.
ويواجه الأكراد الذين يسيطرون على قوات سورية الديموقراطية «قسد»، تهديدات تركيا المتواصلة بشن هجوم جديد شرق الفرات الذي تهيمن عليه وحدات حماية الشعب الكردية العنصر الأساسي في قسد قرب حدودها من جهة، وتعنت دمشق الراغبة بإنهاء وجود إدارتهم واستعادة السيطرة على كامل البلاد من جهة ثانية.
وتصاعد نفوذ الأكراد تدريجيا في سورية بعد اندلاع النزاع في العام 2011. وتمكنوا من تأسيس قوات عسكرية وأمنية، السيطرة على مناطق شاسعة أخلتها الحكومة، فضلا عن مؤسسات عامة والتدريس باللغة الكردية. وأجروا انتخابات محلية في مناطق الإدارة الذاتية.
وفي محاولة لقطع الطريق على تهديدات تركيا التي تعتبرهم الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، خاض الأكراد منذ الصيف مفاوضات مباشرة مع دمشق، لم تفض إلى نتائج ملموسة بعد في ظل تباين وجهات النظر، وتهديد دمشق باستعادة مناطقهم عبر المفاوضات أو الحسم العسكري.
ويبدو مستقبل الأكراد مهددا اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قواته الداعمة لهم من شمال شرق سورية، والتي شكلت حتى الآن رادعا أمام أي هجوم تركي، رغم أنه لم يجر بعد تحديد موعد الانسحاب.
ويرى الخبير في الشؤون الكردية موتلو جيفير أوغلو أن «الأكراد يواجهون اليوم مصيرا مجهولا»، مشددا على أن «الخطر الأكبر يأتي من تركيا».
ويخشى الأكراد أن يشكل الانسحاب الاميركي ضوءا أخضر لتركيا، خصوصا مع تكرار أنقرة تهديداتها. ولحماية مناطقهم ومكتسباتهم، يجري مسؤولون أكراد منذ أشهر محادثات ولقاءات مع أطراف عدة، أبرزها زيارة الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديموقراطية «مسد»، إلهام أحمد إلى واشنطن حيث التقت ترامب.
وفي محاولة لتهدئة الوضع بين حليفيها، اقترحت واشنطن إنشاء «منطقة آمنة» بعمق ثلاثين كيلومترا على طول الحدود بين الطرفين، تتضمن أبرز المدن الكردية. رحبت أنقرة بالاقتراح لكنها أصرت في الوقت ذاته على أن تدير هي تلك المنطقة، الأمر الذي رفضه الأكراد بالمطلق، مطالبين بانتشار قوة دولية.
ويوضح جيفير أوغلو أن «غالبية المدن الكردية تقع عند الحدود مثل منبج وكوباني وتل أبيض والدرباسية والقامشلي».
وتخشى أنقرة حكما ذاتيا كرديا قرب حدودها قد يغذي نفس الفكرة عند مواطنيها الأكراد على الطرف المقابل من الحدود.
وتمكنت أنقرة مع فصائل من الجيش الحر إثر هجوم واسع العام الماضي من السيطرة على منطقة عفرين، ثالث أقاليم الإدارة الذاتية الكردية. وقطعت بذلك الطريق على طموحات الانفصاليين الاكراد بالتمدد غربا لفتح ممر «كوريدور» يصل مناطقها بالبحر المتوسط.
لكن شن هجوم جديد لا يبدو اليوم بهذه السهولة، مع وجود لاعبين دوليين فاعلين في سورية وعلى رأسهم روسيا، أبرز حلفاء دمشق.
ويقول جيفير أوغلو «موقف روسيا حاسم. ويدرك الأكراد جيدا أن ما حصل في عفرين كان نتيجة ضوء أحضر من بوتين».
ويضيف «بالنسبة إلى بلد في حالة حرب، فإن النموذج الذي وضعه الأكراد مناسب ويعمل بطريقة جيدة»، موضحا أن ما يريدونه هو أن «يحصلوا على اعتراف بنظامهم السياسي ومنهجهم التعليمي».
وخلال النزاع، حملت دمشق على الأكراد منتقدة تحالفهم مع واشنطن، حتى أن الرئيس بشار الأسد اتهم المقاتلين الأكراد بـ«الخيانة»، قبل أن يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: المفاوضات أو الحسم العسكري.
ورجح محللون أن يدفع قرار سحب القوات الأميركية من سورية، الأكراد إلى تعزيز تفاوضهم مع الحكومة السورية كحل بديل يحميهم من أي هجوم تركي. إلا أن المفاوضات مع دمشق تبقى صعبة مع رفض الأخيرة لمبدأ الإدارة الذاتية، مقابل إصرار الأكراد على الاحتفاظ بمؤسساتهم وقواتهم العسكرية التي أظهرت فعالية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية.