مفرح الشمري
Mefrehs@
إذا أنت مختلف، لا بد أن تكون متميزا، هذا ما ينطبق على المخرج البحريني محمد القفاص، الذي استفزني وأسعدني في الوقت نفسه وأنا أتابع عمله الجديد «بين أنف وشفتين» الذي عرض على منصة «ADtv أبوظبي تي في» ويقع في 7 حلقات، مؤكدا في هذا التوجه أن مسلسلات الـ30 حلقة في الوقت الحالي غير مجدية ما لم يوجد هناك نص قوي وأحداث تجعل المشاهد مشدودا لها، وألا تكون «شغل تجارة» و«سلق بيض» وتمر مرور الكرام على المشاهد خصوصا في ظل الظروف التي نعيشها حاليا بسبب «كورونا».
التنمر
القفاص «مع حفظ الألقاب» في تجربته الجديدة التي بنى أحداثها من خلال رواية «بين أنف وشفتين» للكاتبة علياء الكاظمي مع استحداثه لشخصيات جديدة فيها، أثبت أنه مخرج متمرس ويعرف من أين تؤكل الكتف، وذلك من خلال طرحه لقضية التنمر بأسلوب جميل ومثير لاقت إعجاب الكثير من المشاهدين، مستغلا نجومية خالد البريكي ليقود ممثليه الشباب الى بر الأمان لتوصيل رؤيته الإخراجية، وهذا الأمر يحسب للنجم خالد البريكي المقل في أدواره التلفزيونية، وذلك لأن «بوشيخة» ينتقي أدواره بدقة حتى تبقى راسخة في عقول المشاهدين ولا تمر مرور الكرام، وقد تحقق له ذلك من خلال تجسيده بنجاح لشخصية «رعد»، وهي من الشخصيات التي تمت إضافتها للرواية الى جانب شخصيات «فوز» و«سلطان» و«سجية» حتى تتقاطع خطوطهم الدرامية مع شخصيات الرواية الحقيقية وهي «ألطاف» و«سارة» و«عزيز» و«ياسر»، وذلك لتعزيز الحبكة الدرامية التي صاغتها المؤلفة علياء الكاظمي في روايتها الأصلية.
عمل إنساني
من خلال السيناريو والحوار الذي تصدت لكتابته سارا ديب لهذه الرواية، يتضح أن هناك جهدا كبيرا تم بذله من فريق العمل لتقديم عمل إنساني من الطراز الفريد من خلال صراع ألطاف «صاحبة الشفة الأرنبية» مع العالم الذي يلقبها بـ«الوحش» للتشوه الذي لازمها منذ ولادتها، حيث دفعتها الظروف لوضع «الكمامة» منذ صغرها وحتى بعدما كبرت لكي «ترتاح» من نظرة الناس لها وعدم الخوف منها على الرغم من أنها طيبة وتخدم الجميع ولكن طيبتها الزائدة دفع الأقربون منها لاستغلالها والوصول إلى أهدافهم عن طريقها خصوصا «عزيز» التي عاشت معه قصة حب من طرف واحد منذ طفولتها ولكنه تزوج من صديقتها العزيزة «سارة» الأنانية والتي تحب نفسها وعلى الرغم من الجرح الكبير التي عانت منه ألطاف بسبب زواج عزيز من سارة إلا أنها بقيت وفيّة لهما لدرجة أنها تساعدهما في تربية أولادهما ولكن مع مرور الوقت يكتشف المشاهد أن «سارة» التي تحب نفسها وتحب الموضة فيها عيب خلقي في ظهرها يشمئز منه «عزيز» زوجها بعد ليلة زفافهما، ليعيش في صراع نفسي، فيلجأ الى شرب الخمر لينسى العيب الموجود في ظهر زوجته لتبقى علاقتهما متوترة بسبب ذلك العيب الذي يدفع «سارة» لتأجير جناح في فندق لتلبس ما تريده فيه ولتشعر بأنها أنثى لأن زوجها لم يعطيها هذا الشعور بسبب العيب المخفي الموجود في ظهرها.
رسالة
هنا وفي قصة عزيز وسارة، أراد المخرج محمد القفاص أن يعطينا رسالة بأن هناك أشخاصا نراهم ظاهريا بلا عيوب وفي الحقيقة هم يخفون عيوبهم بطريقة تعاملهم مع الآخرين، عكس «ألطاف» التي يظهر تشوهها للجميع لكنها تتعامل مع الآخرين بكل حب وطيبة على الرغم من النظرة القاسية لها من بعض الأشخاص في المجتمع التي تعيش به.
شخصيات المسلسل الموجودة في الرواية الأصلية والمستحدثة يكملان بعضهما البعض، فمثلا شخصية «رعد» الذي يسعى إلى الاستيلاء على ثروة شقيقته «فوز» بعد وفاة والدها بعد أن كشف لها والدها قبل وفاته أن «رعد» ليس بشقيقها وإنما هو من رباه صغيرا، الأمر الذي يحاول «رعد» بشتى الطرق للاستيلاء على ثروتها لدرجة أنه يجند «سلطان» بأن يعيش معها قصة حب، وبالفعل تحبه «فوز» الشخصية المتناقضة في العمل والتي تظهر بصورة ملاك فيه، ولكن المشاهد يكتشف أن لديها سابقة مع «ياسر» الوسيم التي يتخلى عنها فحاولت الانتقام برش مادة على وجهه لأنه لم يقدر حبها له، فيعيش «ياسر» بوجه محروق ويلجأ إلى العرافة كي تساعده على العيش في هذه الدنيا، خصوصا أنه عندما يريد الزواج من فتاة ترفضه للحروق الموجودة في وجهه.
المسلسل مليء بالأحداث التي لم تنته بعد لأن هناك جزءا ثانيا لاستكمال قصص أبطاله خصوصا بعد رفض «ألطاف» الزواج من صديق طفولتها «عزيز» الذي طلق زوجته «سارة» لشكوكه بأنها خانته مع «رعد» الذي اكتشف عيب زوجته المخفي.
إيقاع سريع
جمالية العمل أنه يحمل العديد من الرسائل الإنسانية التي شدت المشاهد بإيقاعه السريع البعيد عن الكلاسيكية، فالغموض والألغاز الموجودة فيه جذبت فضول المشاهدين وفضولي لمتابعة العمل بشغف كبير للرسالة الموجودة فيه والتي تتمثل بأن تعاملنا مع الآخرين لا بد أن يكون مبنيا على أخلاق من نتعامل معه وليس مبنيا على الشكل لأن الشكل في أمور كثيرة يخدع الطرف الآخر وعندها «لا ينفع الندم».
التكنيك الإخراجي الذي لجأ إليه المخرج محمد القفاص حبس أنفاس المشاهدين وهم يتابعون عمله خصوصا في استعراضه لشخصيات عمله وما تعرضوا له وذلك بطريقة «فلاش باك» من خلال إضاءات بألوان مدروسة بحسب عمق وأبعاد كل شخصية موجودة في العمل.
طرح جديد
مثل هذه الأعمال تبقى في ذاكرة المشاهدين لشعورهم بأنها طرح جديد لمعالجة مشاكلنا لذلك يحترمها المشاهد لأنها بعيدة عن «المط» الذي نعاني منه في بعض المسلسلات، فشكرا للمخرج محمد القفاص على هذا العمل، والشكر موصول للنجم خالد البريكي ونورة العقيلي التي جسدت شخصية «ألطاف» بجدارة واستحقاق وكذلك شملان العميري الذي جسد شخصية «ياسر»، والشكر موصول ايضا الى خبير الماكياج ياسر سيف على لمساته السحرية في هذا العمل، أما أيمن رجب الذي جسد شخصية «عزيز» وعالية محمد التي جسدت شخصية «سارة» ونورة جمال التي جسدت شخصية «فوز» وناريمان التي جسدت شخصية «سجية» زوجة «رعد» فيحسب لهم مشاركتهم في هذا العمل كونهم وجوها واعدة ولكنهم يحتاجون الى الكثير من التدريب للتعمق بتقمص شخصياتهم حتى لا تظهر للمشاهد وكأنهم «يؤدون واجبا»، خصوصا أنهم مفاتيح لأي حدث يحصل في المسلسل، لذلك نتمنى في موسم العمل الثاني أن ينتبهوا إلى ذلك إذا أرادوا الاستمرارية في الوسط الفني.