Note: English translation is not 100% accurate
في أول عروض مهرجان الكويت الدولي للمونودراما الثالث
سجن المناعي وديكتاتورية المنجي.. لفتا أنظار جمهور «الدسمة»
19 ابريل 2016
المصدر : الأنباء




خلود أبوالمجد
بين السجن وضياع الأحلام والرغبة الجامحة في الحياة التي يلهث وراءها الإنسان فيتحول في بعض الأوقات لديكتاتور أو طاغية يؤذي من حوله بأنانيته، دار أول عروض مهرجان الكويت الدولي للمونودراما، الذي افتتح عروضه وندواته مساء أمس الأول بالعرض القطري «السجينة» من تأليف وإخرج صالح المناعي.
يروي العرض قصة إحدى السجينات التي ماتت في السجن إثر إقدامها على قتل مخدومها وزوجته وابنهما بعد أن شاهدتها الزوجة برفقة زوجها في غرفتها ترتدي ثيابها، فما كان منها إلا أن عقدت العزم برفقة ولدها على قتل تلك الخادمة التي استولت على الزوج، فكانت سجينة ظروفها قبل أن تكون سجينة الزنازين، حيث بدأت مأساتها بموت الأب ومرض الأم العضال، الذي جعلها بعد أن كانت إحدى فتيات المدارس المتفوقات علميا وحاصلة على أعلى التقديرات، تتحول لفتاة تعمل في كل المهن حتى استقرت على أن تخدم في البيوت، لتقع تحت يد سيدة منزل تملك في نفسها قدرا كبيرا من الشر والغيرة منها، فتبدأ في أذاها سواء جسديا أو نفسيا بتوجيه اللوم والسباب لها دائما.
وكان رب المنزل يتودد إليها وهي تواجهه بالرفض حتى عادت في يوم فوجدت والدتها وقد فارقت الحياة، لتعلق في سجن الوحدة، فتبدأ في البحث عن مخرج لها من خلال أحلام الزواج والفستان الأبيض الذي تحلم به أي فتاة، فتسلم أعز ما تملك لسيد المنزل لتجد نفسها فيما بعد تحمل طفلا في أحشائها لا تدري عنه إلا بالصدفة عقب اكتشاف أمرهما من قبل الزوجة الشريرة التي تتفق مع ولدها لقتلها عقب قتل الزوج، فيتحول السحر على الساحر ويقتل أفراد المنزل جميعهم ويقبض عليها بهذه التهمة التي تحاول شرح أبعادها للجميع لتبرئتها لكن دون جدوى، فتقضي حياتها مسجونة نفسها والقضبان نتيجة لظروف نشأتها.
قصة جميلة امتازت بالمباشرة الشديدة للكاتب والمخرج صالح المناعي، بتجسيد للممثلة التونسية حنان صادق، التي انتقد أداءها عدد لا بأس به من المعقبين في الندوة التطبيقية التي أقيمت في أعقاب العرض، فعلى الرغم من غنى النص بالشخصيات التي كانت من الممكن أن تثري العرض وتزيد من جماله إن تمكنت الممثلة من الانتقال بين شخصية وأخرى دون اللجوء إلى طريق السرد الذي يبدأ بـ «قال وقالت» وينتهي كما لو أننا نستمع لإحدى القصص عبر الهاتف دونما المحاولة حتى لجذب المتلقي وتفاعله مع القصة المكررة التي تقدم في العرض، فلم يتمكن أي من الكاتب أو المخرج وحتى الممثلة من استخدام كافة الأدوات المتاحة لهم على الرغم من كثرتها في ذاك العرض فظهر ركيكا يحتاج لكثير من التعديل قبل التفكير حتى في تقديمه من جديد.
«العرض التونسي»
وعلى النقيض وبكثير من الاستغلال للأدوات والسينوغرافيا الموجودة في العرض، بدا العرض التونسي «حكاية لا نهاية» أو بلا نهاية الذي كتبه وأخرجه المنجي إبراهيم أكثر إبهارا واجتذابا وإعمالا لعقل الجمهور. فهو يحكي قصة الطمع الإنساني الذي يتملك البشر فيحول البعض منهم لمجموعة من الديكتاتوريين الطغاة الرافضين للانهزام أمام عقبات الحياة التي يمرون عليها ويحملونها في وجدانهم، فتظل عالقة في الاذهان ويسترجعونها من وقت لآخر بأقسى أشكالها لتذكير أنفسهم بصعوبة الرحلة التي يتمنون كثيرا لو أنها قصرت أو اختلفت، فيعيشون كما من حولهم من شخوص طبيعية لا تلهث ولا تركض خلف الحياة، فاستذكر الكاتب والمخرج ذلك من خلال مجموعة من الحقائب التي حملها الممثل طوال العرض كانت هي سينوغرافيا عرضه التي لازمته لتعكس في باطنها صورة ما يحمله الانسان فوق أكتافه وفي يده من هموم ومشكلات حولته لذاك الطاغي الكبير الذي يسرد ويحكى عنه في قصص التاريخ، وكان أكبر مثل لهذا شهرزاد التي ظلت تحكي لشهريار على مدار ألف ليلة وليلة قصة جديدة، ليس حبا ورغبة فيه ولكن لحب الحياة ورغبتها الكاملة في استمراريتها وليس الموت، فكانت هي الديكتاتورة الطاغية وليس شهريار.
وكانت أبرز الأدلة أيضا تلك التفاحة التي استهوت آدم فأخذ في قضمها والاستمتاع بها على الرغم من منعه عنها، وتحذيره مرارا وتكرارا منها، لكن الطمع الدفين في طبيعة البشر هو ما أنزله من السماء للأرض لتبدأ رحلة عذابه فيها.
عرضان قدمهما ممثلون تونسيون على اختلاف الفرق المشاركين بها، إلا أن المخرجين كلايهما تمكن من إيصال الفكرة، واستمتع الجمهور وبقي التفكير في كيفية تقديم النهاية، حيث وقع العرض الاول في فخ السردية والمباشرة، والثاني أثارا جدلا بين المعقبين في الندوة التطبيقية والتي أكد فيها أغلب من شاهدوا العرض امتلاك الممثل لأدواته ودرايته بالسينوغرافيا التي تعكس شخصيات العمل وديكتاتوريتهم لطمعهم في الحياة.
الوفدان القطري والتونسي يتحدثان عن مشاركتهما في عروض المهرجان
ضمن أنشطة المركز الإعلامي لمهرجان الكويت الدولي للمونودراما بدورته الثالثة، أقيم مؤتمران صحافيان للوفدين القطري والتونسي المشاركين في المهرجان، وذلك في مقر إقامة الضيوف في فندق هوليداي إن- السالمية.
في البداية أقيم المؤتمر الأول للوفد التونسي، وتحدث فيه المخرج والمؤلف التونسي المنجي بن إبراهيم لمسرحية «حكاية ولا نهاية»، وأداره عبدالله الرويشد الذي بيّن أن العمل طرح عدة تساؤلات وكانت ملح العمل.
وقال بن إبراهيم: يعرض العمل للمرة الأولى في مهرجان مسرحي، وعملنا عليه بقراءة أخرى مختلفة، لاسيما أنني كنت حريصا بالتواجد في مهرجانات المونودراما، ولعلمي بمدى إضافتها للفنان في الطرح، موضحا أن فن المونودراما جزء من فسيفسات المسرح وله مقوماته وقدراته الفكرية والإبداعية، ويحمل رسالة المسرح النبيلة.
وأضاف: ان مفهوم المونودراما يتطلب ثمة علاقة فردية بين الذات، والمواصفات الداخلية التي تمثل تحديا بالنسبة للممثل، وهي مسؤولية هامة تمكنه من إثبات إمكانياته دون الأعمال المسرحية الأخرى، مطالبا بالاهتمام بهذا الفن لتقديم عمل مسرحي متكامل، لافتا إلى أن طرق التقديم للعمل المونودرامي مهمة في جميع عناصرها، وأن المونودراما رؤية ولغة متكاملة.
ثم عقد المؤتمر الثاني وتحدث فيه الفنان القطري صالح المناعي عن تجربة مسرحية «السجينة»، وهي من تأليفه وإخراجه، وقال المناعي إنه من قرية قطرية بحرية، وأنه عشق الفن والمسرح منذ الصغر، مستعرضا مسيرته في العمل المسرحي، وكانت أولى تجاربه في مسرحية دار المعلمين في عام 1975، وبدأت في مجال الكتابة المسرحية، وقال: تسلمت قسم المسرح في عام 1983 في وزارة الثقافة القطرية، ومن هنا كانت الانطلاقة، ولقد كتب في المسرح الكوميدي والسياسي، لكنه لم يجرب حظه في المونودراما. وتناول المناعي مسرحية «السجينة» والتي كتبها أكثر من مرة، قال: كان السرد طاغيا والملاحظات كثيرة، وتبلورت الفكرة واكتملت وشاركت بها في المهرجان.
الحارثي: حوار «السجينة» أخفق في جوانب ونجح في أخرى
عقدت أولى الندوات التطبيقية لمهرجان الكويت الدولي للمونودراما لعرض «السجينة»، وكان المعقب الرئيسي لها الكاتب السعودي فهد الحارثي، وأدارها إبراهيم فهمي أمين عام مهرجان بورسعيد للمونودراما.
في البداية وجه الحارثي تحية إلى طاقم العرض، ثم قال: قال الراوي يا سادة يا كرام، عن حضور صوت الممثل الواحد وتداعياته التي تندلق منه في مرحلة بوح بكل ما هو شخصي وعام، فهذا البطل/ البطلة المهزوم، المنتصر، المتطلع، المتدفق، المنتشي، المحروم، الضاحك، الباكي، الساخر، المتألم، المتأمل، المقموع، المكبوت، المركب، المعقد، البسيط، المندفع، هو مادة هذا الفن الذي وإن كان يقدم الصوت الواحد والجسد الواحد، فإنه يستطيع أن يقدم لنا أصواتا أخرى وشخصيات أخرى.
واستطرد الحارثي: كان النص مختلفا في طقس الكتابة للمونودراما عن غيره، وفي «السجينة» لصالح المناعي، كانت حالة الارتباك واضحة في كتابة النص الذي سار على السطح في قصة هذه الفتاة التي حرمت من تفاصيلها الحياتية بسبب الفقر والعوز، حرمت من التعليم، ومن مناخ الأسرة، ومن الحب، ومن الحرية، ثم تعرضت لكثير من المصادرة ومحاولات الاغتصاب بكل ما تحمله من دلالات، لكن شيئا ما كان يمنع تدفق الحدث نحو التوحد مع الشخصية.
وأضاف: حاول المناعي إخفاء حقيقة زواج الأب من الخادمة ليختم به، في تصاعد ظاهري للشكل الدرامي لكنه لم يتعمق كثيرا في تفاصيل العلاقات بين الخادمة وكل المكونات من حولها، وأشفقت على المناعي المخرج من المناعي المؤلف، كيف سيفكك النص؟ وكيف سيعيد ترتيب الأدوات وقطع العمل؟ وكيف سيعمق الحدث؟ معظم الاشتغالات مهملة ولم يستخدم بعض الأدوات مثل المقشة والعصا والسكين.
وعن الحوار، قال الحارثي: قال وقلت وقالت، لقد أخفق في جوانب ونجح في أخرى، والديكور لم يستخدم وفق ما قرأته في النص، والإيقاع كان رتيبا وبطيئا أما الإضاءة فهي بطلة العرض.
ثم فتح باب التعقيب للحضور، حيث تناول عدد من الحضور العرض وما فيه من ايجابيات وسلبيات، وركز الفنان القدير غانم السليطي في مداخلته على النص، حيث تعامل الكاتب مع المتلقي بأسلوب اسمع الحكاية وسردها، دون أن يشركه في العرض بأن يكتشف وينفعل ويتعاطف، إنها قصة قصيرة، والنص غائب دراميا ومسرحيا ليس به بناء ولا صراع ولا دهشة، والمونودراما فن النفس البشرية والغنائية مع الذات، واستخدام مفردات «قال وقيل» أكبر معول هدم، ينتقص العمل المسرحة الشديدة، متمنيا للمناعي ان يقدم تجربة أكثر نضجا.
وأخيرا قال المؤلف والمخرج صالح المناعي: تعودت في المهرجانات أن أتلقى السلبيات والإيجابيات، وآخذها بعين الاعتبار، وهذه طبعا أولى تجاربي في المونودراما تأليفا وإخراجا، أما فكرة العمل فقد حدثت في سبعينيات القرن الماضي، وكانت لها ردود سلبية كثيرة.
بن إبراهيم: أطلقنا صرخة للتنبيه بما يحدث في محيطنا العربي
تلا العرض المسرحي التونسي «حكاية بلا نهاية» ندوة تطبيقية قدمها الفنان البحريني يوسف بهلول وعقب خلالها مالك القلاف وحضرها المخرج والمؤلف المنجي بن ابراهيم ولفيف من ضيوف المهرجان من الخليج والوطن العربي.
كانت البداية مع المعقب الرئيسي على العرض مالك القلاف، الذي قال: «تتمتع المونودراما بخصوصية شديدة، وقلة من المسرحيين ذاتهم تستطيع ان تمسك على مفاصله بنجاح، وبخصوص مسرحية الليلة هو عرض دسم يزخر بالعديد من الافكار، وإذا بدأنا من العنوان «حكاية بلا نهاية» فسنلمس ان المؤلف والمخرج أراد ان يمرر بعض الطروحات، منها رحلة الانسان وسيرورته من مرحلة الى اخرى من خلال شخصية «شهرزاد» ورحلته عبر مختلف الأزمنة.
وتساءل القلاف عن سبب اختيار شخصية «شهرزاد» مع ان القضية إنسانية بغض النظر عن جنسه ذكرا كان أو انثى، معتبرا ان النص كان خطابيا اكثر منه فعليا، كما تساءل أيضا عن المعيار المعرفي لتحريك الشنط باعتبارها عناصر سينوغرافية، مشيدا ببراعة الممثل في التمازج بين جسده وخطاباته والعناصر السينوغرافية الموجودة.
وكان للحضور عدد من المداخلات، تناولت العرض وفكرته والرؤية المستخدمة فيه، ثم انتقلت الكلمة الى مخرج ومؤلف العرض التونسي المنجي بن إبراهيم، الذي اعرب عن سعادته بلقاء الجمهور الكويتي والعربي تحت مظلة مهرجان الكويت للمونودراما، وقال: «لا نقدم دروسا تاريخية أو أكاديمية إنما نحن مسرحيون نحاول ان نتصل بكل الأشياء، السياسة والمجتمع والطفولة ولكن بنظرة خاصة، الإبداع والإخراج المسرحي والفنيات والتقنيات لم تعد تهمني بقدر ما يهمني تكامل العرض وما نقدمه للناس، وما نستعمله ونستخدمه إنما هي وسائل لتقديم أفكار، من قبل كنت عندما اقرأ نصا تستفزني فكرة لأقدمها أو شخصية لأجسدها، اعتقد ان هذا الأمر اختلف الآن مع النضج، على ماذا يحتوي المحيط الذي نعيشه وما علاقتنا بالعالم الآن، لا نقدم تاريخا وإنما نحلل أفكارا ونقاسم الآخرين الهواجس الانسانية، شهريار«هو تراكمات وليس عملا اقدمه في مهرجان، أحاول ان اقدم عملا يحمل هموم سنين».
واستطرد بن ابراهيم: «نعم نتحدث عن الطغاة، المسرحية لا علاقة لها بـ «شهريار» أو«شهرزاد» أو«ألف ليلة وليلة» تلك ليست قضيتنا وإنما قضيتنا الطغاة، من قبل قابيل وهابيل والانسان يمارس الطغيان، «شهريار» فقط يجذب الانتباه، يمثل الطغيان، اردنا ان نشير الى هذه القضية الجوهرية الانسانية، هذا الطغيان الذي نعيشه الآن في هذا العالم، نحن ندعو لفهم هذه الظواهر الخطيرة في تحليلنا المسرحي، اذ نطلق صرخات لما يحدث الآن في الدول العربية، نعم عندي نظرية شاملة للكون ولكن البلد العربي يهمني».