دلال العياف
صعب هو الفقد، والنسيان ليس بأيدينا، فمن فارق الحياة لا يفارق أذهاننا، ومن تطبع ذكرى في حياته لا نستطيع نكرانها ولا تغيب عن المخيلة، فالذكرى تعصر القلب، فما بالك بمن رحل وترك لنا تاريخا فنيا عريقا ومشوارا طويلا وارتبط اسمه بأعظم الأصوات، وترك حصيلة كبيرة من العراقة والفن الأصيل أثرت مكتبة الإذاعة والتلفزيون الكويتي، وبصم بصمته فيها.
بالأمس مرت علينا الذكرى الـ ٢١ لرحيل رجل لا ينسى، فهو رحل جسدا وبقيت ذكراه راسخة في عقولنا، خصوصا انه ظاهرة لن تتكرر، فسيرته عذبة نقية، هي لحظة وفاء نقف عندها حتى نتذكر رجلا عظيما بفنه وأخلاقه وأصالته، انه الملحن القدير الراحل راشد الخضر الذي غاب بدره ولكن تظل ذكراه ترفرف في سماء الفن بتاريخ 7 يناير من كل عام، فالراحل رسم خطوط الأغنية الكويتية الحديثة التي انطلقت عبر أصوات عريقة وقديرة لا تضاهى، أمثال عبدالكريم عبدالقادر وعبدالله الرويشد، نبيل شعيل، رباب، سليمان الملا، عبدالمجيد عبدالله، والكثير من الأصوات الراقية.
وعن اكتشافه ودعمه للفن والفنانين، لا ننسى «قيثارة الخليج» نوال التي كان هو من أطلق موهبتها الفذة في ساحة الفن الذهبية آنذاك، حينها كانت طالبة بمعهد الموسيقى، وفي احدى السنوات الماضية شهدت «أم حنين» وقالت في حقه كلمات تصاغ بحبر من ذهب، حيث قالت: «راشد رحمة الله عليه من الملحنين المميزين والمبدعين في عالم التلحين، وبالنسبة لي راشد يعني الكثير لي، فهو الأخ والصديق والأستاذ والملحن ولا يمكن كنت أقدر مجرد التفكير إني أستغنى عنه، والاهم والمهم راشد إنسان جميل بكل ما تحمل الكلمة من معنى».
وقالت عنه الناقدة القديرة ليلى أحمد: «هذا الفنان من الجيل الذهبي للمفردة واللحن الكويتي، وبعد هذه الفترة اختلت الموازين، ولكن لا يمكن أن ننسى أعماله المحفورة في ذاكرة الجميع».
ورغم حياته العملية العسكرية الا انه كان ابا حنونا لشابين وثلاث بنات، وسرت جيناته الفنية الى نجله الأكبر البكر الملحن حمد الخضر، فقد ورث عنه موهبة التلحين فمن شابه أباه فما ظلم.
راشد الخضر له تاريخ فني عريق ترفع له القبعة، ونتوقف احتراما لإرثه الضخم، فقد قدم الراحل أعمالا كثيرة خلال مشواره الجميل، ومنها مع أساطير غنائية منذ الثمانينات ولا تزال تعيش في قلوبنا حتى الآن، فقد قدم أغنيات منها «مر يا حلو يا زين» لمحمد المسباح، وقبلها «خسرتيني» لعبدالله الرويشد، حيث طور الخضر الأغنية وسعى لتقديمها بشكل رزين فنيا وموسيقيا، فكان إضافة رائعة للاغنية الكويتية وقدم لها الكثير، ويعتبر علامة فارقة للفن والانسانية، وزخرت المكتبات الفنية الموسيقية بأعماله الخالدة.
وكان السفير عبدالله الرويشد صديقا مقربا له وابدعا في تعاوناتهما، حيث اخرجا لنا أغنيات لا تتكرر، وعند زيارة استوديو الرويشد نرى على الباب لائحة باسم الراحل راشد الخضر، وقد سماه بو خالد باسم رفيق دربه الفني وفاء لرحيله، وارتباطهما الفني، حيث قدما لنا اروع الغناوي أمثال «رحلتي» وغيرها.
واهتم الملحن الكبير الراحل بالأغاني الوطنية والرياضية المحفزة على حب الوطن، فقد كان حبه لأرض الكويت كبيرا، وساهم في رفع شأن الأغنية الوطنية والرياضية بالديرة بشكل ملحوظ، وقدم أعذب الألحان، أمثال «عاشت لنا الكويت، انا كويتي، و«الاولى انتي»، و«راجعين يا أغلى بلد» التي غناها الرويشد، وأغنية «فوز فيها» وشدا بها «الصوت الجريح» عبدالكريم عبدالقادر، ولا ننسى أوبريت «خليجي 10» الذي لحنه بمناسبة افتتاح كأس الخليج 1990 في الكويت، وقد غناه الثنائي الرائع عبدالكريم عبدالقادر وعبدالله الرويشد.
وللخضر دوره البارز في فترة الغزو الغاشم ومرحلة تحرير بلدنا الحبيب الكويت، حيث كان عضوا فعالا بانضمامه الى المقاومة الكويتية التي كانت تقوم بعمليات فدائية ضد المحتل، وقدم وقتها أيضا مشاركات فنية وطنية منها اغنية «يا جابر» للشاعر سامي العلي و«هيا الى الجهاد» للشاعر الشاهين و«يا دار انت عزنا» للشاعرة نهج نجد و«يا شعب جابر» للشاعر سعود سالم وأوبريت «وقت الفزعة» للشاعر احمد الفهد و«فري كويت» للفنان عبدالله الرويشد.
وفي لفتة رائعة وموقف جميل اطلق المعهد العالي للفنون الموسيقية على احد مسارحه اسم الراحل القدير راشد الخضر، تقديرا وتخليدا لذكراه ودوره في تطوير الفن والموسيقى الكويتية.
ويحسب للملحن الراحل القدير أن ألحانه لها طابع خاص، فهي مزيج بين الشجن العالي والإحساس الخلاق لأروع الألحان واعذبها، وشدا بها اعذب الأصوات والحناجر الذهبية، وهو من كانت له رائعة غنائية مثل «عافك الخاطر» التي تغنى بها الفنان القدير عبدالكريم عبدالقادر وأغنية «حاسب الوقت» للراحلة القديرة رباب، وقدم لنا الخضر رؤية حديثة أضافت ملامح جديدة لهوية الأغنية الخليجية.
ورحل الملحن القدير راشد الخضر عن دنيانا في السابع من يناير عام 1998 وكان في شهر رمضان المبارك، وترك لنا ثروة كبيرة من اجمل الأعمال، رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.