التمويل المعتبر هو كلمة السر وراء نجاح الأفكار التجارية البارعة، إذ يوفر للمؤسسين الوقود اللازم لدفع الأعمال إلى النور وتسويق الفكرة لدى الجمهور، وحتى تطويرها وتحسينها عند مرحلة ما، لكن تأمين هذا التمويل عادة ما يحتاج لقدر أكبر من البراعة.
هناك أوجه مختلفة لتمويل المشروعات في مهدها، غالبا لا يكون الاقتراض منها لأنه يمثل عبئا على الشركات الناشئة التي لم تحقق أرباحا بعد ولاتزال تبحث عن التوسع، لكن التمويل القائم على المشاركة، أي الحصول على حصة في الأعمال يبدو أكثر رواجا. ولعل إحدى أشهر هذه الوسائل والتي شهدت نشاطا كبيرا في السنوات الماضية، هي «رأس المال المغامر» الذي ينطوي على ضخ أموال ضخمة في الشركات الناشئة ذات الآفاق الواعدة، مقابل الحصول على حصة في الشركة، والتي لا تضمن نسبة من الأرباح المستقبلية فحسب، وإنما أيضا المشاركة في صنع القرار في الوقت الراهن.
من وجهة نظر شركات رأس المال المغامر، فإن التمويل الذي يقدمونه لرواد الأعمال هو استثمار بالنسبة لها، بالطبع تحيط به مخاطر كبيرة لأنه يرتبط بنشاط ناشئ وشكوك حول مدى نجاح الفكرة، لكن بافتراض أن الدراسات حول المشروع كانت صائبة فإن ذلك يعني جني الأرباح الكثيرة ومضاعفة حجم الاستثمار بمرور الوقت، حسب تقرير لـ «أرقام».
الأمر أشبه بالاستثمار المبكر في شركات التكنولوجيا الواعدة في العقدين الماضيين، فمع مرور الوقت وبطرح هذه الشركات في البورصة تزداد قيمتها، وهذا يعني زيادة قيمة الاستثمار الأصلي للمستثمرين المغامرين، علاوة على ضم حصة من الأرباح المحققة.
بيد أن الاستثمار المغامر لا يناسب الجميع، فهو مرتبط بالمؤسسات الكبيرة التي تمتلك رأس مال ضخم، ومع ذلك، فإن «الاستثمار الملائكي» قد يكون البديل المناسب الذي يلائم الأفراد، الراغبين في القفز على موجات الشركات الناشئة ذات الآفاق الواعدة.
ما الاستثمار الملائكي؟
المستثمر الملاك كما أشير بالأعلى، هو فرد يقدم تمويلا للشركات الناشئة الواعدة مقابل جزء من الأعمال، وعادة ما يكون ذلك في شكل أسهم أو حقوق ملكية، تشير البيانات إلى أن أميركا شهدت استثمارا ملائكيا بقيمة 25 مليار دولار لصالح 70 ألف شركة عام 2017.
وعادة ما يكون المستثمر الملاك فردا لديه نقود فائضة ويبحث عن معدل عائد أعلى مما يمكن أن تقدمه الاستثمارات التقليدية، غالبا ما يبحث المستثمر الملاك عن عائد يتراوح بين 25% و60%، إلى جانب تولي منصب في الشركة التي يستثمر بها.
وقد يكون المستثمرون الملائكيون معتمدين وربما لا (تصنيف يمنح فقط للمستثمرين ذوي الدخل المرتفع جدا أو أصحاب الثروات الكبيرة في أميركا) وغالبا ما يأتون من عالم الأعمال، ولكن هذه ليست نقطة انطلاقهم الوحيدة.
ويركز المستثمرون من هذا النوع على الاستثمارات القريبة جغرافيا، وبحسب بعض التقديرات تتم الغالبية العظمى من استثماراتهم على بعد 50 ميلا من منزل أو مكتب المستثمر، وذلك لرغبتهم في أن يلعبوا دورا نشطا في الأعمال التي يمولونها.
أشكال الاستثمار الملائكي
العائلة والأصدقاء: هذا هو المصدر الأكثر شيوعا لتمويل الشركات الناشئة المهتمة بالعثور على أموال لبدء الأعمال التجارية وهو الخيار الوحيد للكثيرين، نظرا لارتفاع المخاطرة واحتمالات الفشل في الشركات الجديدة.
الأفراد الأثرياء: رجال الأعمال وأصحاب المهن مرتفعة الدخل مثل الأطباء والمحامين الناجحين وغيرهم ممن لديهم ثروة كبيرة ومستعدون لاستثمار ما يصل عادة إلى 500 ألف دولار في مقابل حقوق الملكية.
المجموعات: يعمل المستثمرون الملائكة بشكل متزايد مؤخرا كجزء من نقابة خاصة بها، مما يرفع مستوى الاستثمار المحتمل وفقا لذلك، حيث يساهم المستثمرون بأموال في النقابة ويختار فريق إدارة النقابة المهنية الاستثمارات.
التمويل الجماعي: اتجاه حديث واعد، وهو شكل أشبه بمجموعة للاستثمار عبر الإنترنت، ويتضمن جمع التمويل من خلال حث مجموعات كبيرة من الأفراد على استثمار مبالغ صغيرة تصل إلى 100 دولار للفرد الواحد.
طريق البسطاء لبناء الثروة
يختار المستثمر العادي في سوق الأسهم الشركات التي يتم تداولها علنا فقط، لكن أصحاب رأس المال المغامر والملائكة الذين يستثمرون في مراحل مبكرة لديهم الفرصة لمساعدة الشركة في الوصول إلى البورصة وتحقيق قيمة مضافة هائلة ومضاعفة حجم استثمارهم.
ويمكنهم تمويل المشاريع بأفكار مبتكرة قد لا يراها المستثمرون الآخرون، ودعم الشركات التي أنشأها مؤسسون غير ممثلين تمثيلا كافيا في عالم الشركات الناشئة التي تشكل فرصة للمساعدة والاستثمار في تشكيل مستقبل صناعة ما أو الاقتصاد برمته، بالإضافة إلى بناء الثروة.
ولعقود من الزمان، كان الحد الأدنى لاعتماد المستثمر الملاك في الولايات المتحدة يعني أن المرء بحاجة إما إلى صافي ثروة بقيمة مليون دولار (لا يشمل محل الإقامة الأساسي)، أو دخل فردي لا يقل عن 200 ألف دولار في العامين الأخيرين.
وفي ديسمبر 2020، وسعت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية التعريف للسماح للأشخاص الطبيعيين بالتأهل كمستثمرين معتمدين بناء على بعض الشهادات المهنية أو التعيينات أو أوراق الاعتماد أو المستندات الأخرى الصادرة عن مؤسسة تعليمية معتمدة.
مع ذلك، هناك نقاش حول ما إذا كانت متطلبات صافي الثروة والدخل منخفضة للغاية بالنسبة لبيئة اليوم، ويرى بعض المستثمرين الملائكة أن هذه الحدود منخفضة للغاية بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المدن ذات التكلفة المرتفعة، ويفضلون رؤية 5 ملايين دولار كحد أدنى للثروة الصافية.
على الرغم من أنه من المنطقي التأكد من أن المستثمرين يتنوعون في الممتلكات، إلا أن هذا السقف مقيد بشكل لا يصدق، إن المطالبة بثروة صافية قدرها 5 ملايين دولار أو حتى مليون دولار يحرم الناس فعليا مما يمكن أن يكون فرصا مؤثرة لبناء الثروة.
ولحسن الحظ، الأمور تتغير، حيث تتيح التكنولوجيا المزيد من الفرص للأفراد للاستفادة من الاستثمار الملائكي، وتحديدا عن طريق التمويل الجماعي، الذي أبرع فيه جيل الألفية عبر منصات مثل «GoFundMe» و«Kickstarter».
ويأتي التمويل الجماعي في شكلين شائعين: المعتمد، والذي تم تعريفه كما ذكر أعلاه، إلى جانب الوصول المفتوح المنظم، وهو مفتوح لأي شخص يمكنه الاستثمار بشكل قانوني، حيث تقدم منصات مثل «Republic» و«WeFunder» للمستثمر العادي غير المعتمد فرصة لتجربة استثمار الملاك.
إن محاولات إضفاء الطابع الديموقراطي على الاستثمار الملائكي من خلال التمويل الجماعي جديرة بالاهتمام، لأنها تشير إلى عالم لا يقتصر فيه على الأثرياء سلطة تحديد الشركات الناشئة التي تعيش أو تموت بناء على من يحصل على التمويل.
هذا لا يعني أن الاستثمار في المراحل المبكرة هو الطريق الصحيح للجميع أو أنه سيؤدي إلى أحلام كبيرة مثل تمويل النسخ التالية من «غوغل» أو «فيسبوك» أو «أوبر»، لكنه خيار مقنع إذا كان المستثمر يريد استثمار «نسبة صغيرة» من أمواله.