Note: English translation is not 100% accurate
في ظل إطلاق بعض المشاريع الطموحة في هذا الاتجاه
هل تمتلك دول الخليج الكوادر المؤهلة لإدارة محطات الطاقة النووية السلمية؟
15 ديسمبر 2012
المصدر : الأنباء



العون: مشاريع الطاقة النووية في الخليج تعكس القلق من البرنامج النووي الإيراني
الحرمي: خيار صعب لكونها غير آمنة وتحتاج إلى تدابير وإجراءات شديدة الدقة
الجهيم: لابد من كادر محلي رديف قادر على إدارة وتشغيل المحطات ومؤهل للتعامل مع الطوارئ والأزماتمحمد البدري
أعلنت بعض دول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة عن مشاريع طموحة لبناء محطات للطاقة النووية كمصادر بديلة ومتجددة للطاقة ورديفة في الوقت ذاته لمصادر الوقود الأحفوري الناضبة ممثلة في النفط والغاز الطبيعي.
وبعيدا عن الجدوى الاقتصادية للطاقة النووية، ومدى حاجة دول الخليج لمصادر طاقة بديلة خلال العقود المقبلة، يثور التساؤل الأهم حول مدى امتلاك هذه الدول للكوادر والخبرات البشرية المتخصصة القادرة على تشغيل وإدارة محطات الطاقة النووية؟ والمخاطر المرتبطة بالاعتماد كليا ولفترات طويلة زمنيا على الخبراء الاجانب في هذا المجال؟ وما الخيارات المتاحة أمام دول مجلس التعاون الراغبة في المضي قدما في هذا الميدان؟
«الأنباء» طرحت هذه التساؤلات على مسؤولين سابقين وخبراء في اقتصاديات الطاقة، حيث تباينت وجهات نظرهم في هذا الشأن، غير أنهم أجمعوا على أن خيار الاعتماد على الطاقة النووية في الأغراض السلمية يستوجب من دول الخليج بلورة خطة متكاملة لتأهيل وتدريب وتطوير قدرات كوادر وطنية قادرة على تشغيل وإدارة وصيانة وتأمين المحطات النووية بحيث يتم قصر الاستعانة بالخبرات الأجنبية على المراحل التأسيسية الأولى لإنشاء هذه المحطات، وبصفة استشارية في المراحل التالية من العمل والتطوير.
اعتبارات سياسية
وكيل وزارة النفط الأسبق م.عيسى العون قال: «اعتقد أن إطلاق أو حديث بعض دول مجلس التعاون الخليجي عن مشاريع للطاقة النووية هو رد فعل سياسي أكثر منه اقتصادي وفني تقني، فهو ربما يعكس قلقا من البرنامج النووي الإيراني أكثر منه تلبية لحاجة فعلية للطاقة، وذلك بالنظر إلى وجود فوائض نفطية هائلة في الخليج لا مجال لنضوبها، في أسوأ الأحوال، قبل نصف قرن من الآن، ما يعني توافر الطلب عليها ومن ثم بقاء اسعار النفط العالمية عند مستويات قياسية».
وأضاف ان الواقع أن دول الخليج لا تمتلك الكوادر البشرية المتخصصة والمؤهلة لإدارة وتشغيل محطات الطاقة النووية أو في المجال النووي عموما، حيث يتركز الإقبال في دولنا على تخصصات بعينها، هي: النفط، الإدارة، التسويق، والبناء والتشييد، المحاسبة والمالية. وذلك بعكس الحال فإيران مثلا التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي في تشجيع التحصيل الدراسي والبحث العلمي في مجالات الفيزياء النووية، وكذلك الحال في حالة العراق.
وأشار الى انه بوجه عام فإن البلدان العربية ـ ربما باستثناء مصر ـ غير مؤهلة لإدارة وتشغيل محطات الطاقة النووية.
وتوقع العون ان يتضاءل الاهتمام الخليجي بمسألة إنشاء محطات طاقة نووية حينما يتضح أن إيران لا تطور سلاحا نوويا وأنها تسخر طاقتها النووية للأغراض السلمية فحسب.
من جهة أخرى، أكد العون ان ذلك لا يعني ان تهمل دول الخليج الطاقة النووية، فكل انواع الطاقة مطلوبة لاسيما في ظل الطلب المتزايد على الطاقة عموما وفي مقدمتها النفط، مشيرا الى وجود قاعدة هامة تؤكد أن هناك مكان لكل أنواع الطاقة سواء النافدة او المتجددة، لكنه اكد انه مهما ظهرت مصادر جديدة للحصول على الطاقة ستبقى الحاجة للنفط، خاصة أن الانواع الاخرى باهظة التكاليف بما في ذلك الطاقة الشمسية رغم كونها صديقة للبيئة.
وبين انه بالإضافة للكلفة المالية العالية، فإن الحصول على الطاقة الشمسية يحتاج إلى مساحات شاسعة ومن ثم ربما تكون المملكة العربية السعودية هي الوحيدة من دول الخليج المؤهلة لتنفيذ مشاريع هذا النوع من الطاقة المتجددة.
وأكد العون انه لا ضير من استعانة دول الخليج الراغبة في تشييد محطات للطاقة النووية، بخبراء أجانب خاصة في المراحل الأولى لتشغيل وإدارة هذه المحطات بحيث يتم خلال سنوات محددة نقل خبراتهم إلى الكوادر الوطنية ومن ثم يمكن توطين الخبرة في المجال النووي لهذه الكوادر لتكون مؤهلة للاضطلاع بمسؤوليتها في ادارة تشغيل هذه المحطات مستقبلا، لافتا إلى أن الإدارة الوطنية لمحطات الطاقة النووية يجب أيضا أن تستعين بمستشارين وخبراء أجانب من وقت لآخر لضمان التطوير المستمر، حيث ان المجال النووي بحاجة دائمة للبحث والتطوير وهذا الأمر متوافر اكثر ما يكون لدى البلدان الأكثر تقدما في هذا المجال.
طاقة غير آمنة
الخبير النفطي كامل الحرمي اعتبر خيار الطاقة النووية بالنسبة لدول الخليج يعد صعبا إلى حد بعيد، وذلك لكونها غير آمنة وتحتاج إلى تدابير وإجراءات شديدة الدقة والمتابعة وحتى في هذه الحالة فإن الامور قد تخرج عن نطاق السيطرة وتسبب كوارث طبيعية وبشرية كما حدث في مفاعل فوكوشيما باليابان قبل عامين، وكما حدث في حالة مفاعل تشيرنوبل بالاتحاد السوفييتي السابق في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وأضاف أنه نظرا لسمة عدم الأمان هذه فإن الاتجاه الغالب لدى الدول المتقدمة المالكة لمحطات طاقة نووية هو تقليص عددها إلى الحد الأدنى، كما فعلت ألمانيا، واليابان، والولايات المتحدة التي اغلقت ثلاث محطات نووية عقب الاعصار ساندي، مشيرا الى انها تعتمد على الطاقة النووية بنسبة 20% فقط.ولفت الحرمي إلى ان المخاطر ستكون أعلى بالنسبة لدول الخليج على صعيد الأمن والسلامة المرتبط بالمحطات النووية، إذ انها ستحتاج لفترة زمنية طويلة نسبيا حتى تستطيع بناء كوادر وطنية مؤهلة بالدرجة الكافية في المجال النووي، لاسيما انها تركز جهودها حاليا على تطوير الكفاءات الوطنية العاملة في قطاع النفط والغاز الطبيعي، مذكرا بأن بعض دول مجلس التعاون تكون كفاءتها محدودة في مواجهة كوارث اقل خطورة بكثير من المحطات النووية، كما هو الحال في أزمة السيول في السعودية، وأزمة محطة مشرف وأم الهيمان، وأزمة تسرب الغاز مؤخرا في حقل الروضتين في الكويت.
وتأسيسا على ذلك، قال الحرمي ان الأجدر بالكويت ألا تنشئ محطات للطاقة النووية على أراضيها بسبب ارتفاع المخاطر المرتبطة بها، مقترحا ان يتم إنشاء هذه المحطات في دول خليجية أخرى مؤهلة وقادرة على استيعاب المخاطر جغرافيا على الأقل كالمملكة العربية السعودية نظرا لمساحتها الشاسعة التي تسمح بذلك، على ان يكون هناك نوع من التكامل فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي بحيث تتقاسم تكاليف إنشاء هذه المحطات وصيانتها، وتتشارك في منافعها.
وأشار إلى أن دول الخليج بحاجة بالفعل إلى مصادر بديلة للطاقة ـ وإن لم تكن شرطا الطاقة النووية ـ بسبب نمط الاستهلاك النفطي الحالي بها، مبينا ان الكويت مثلا تخصص 30% من إنتاجها اليومي البالغ 3 ملايين برميل نفط، للاستهلاك المحلي في أن المعدل العالمي لا يتجاوز 8%، ما يعني انه بحلول عام 2030 سيتم استنزاف الانتاج النفطي اليومي محليا في بقيت معدلات الانتاج والاستهلاك على وضعها الراهن.
مخاطر الكوادر الأجنبية
من جانبه، قال مدير مركز البحوث والدراسات التخصصية د.أسامة الجهيم إن دول الخليج تفتقر إلى الكوادر البشرية المتخصصة في الطاقة النووية خاصة وفي العلوم البحتة عموما، لافتا إلى فشل محاولات كويتية سابقة خلال تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الثالثة لتشجيع الدارسين على الالتحاق بمجال العلوم النووية، حيث فضل غالبيتهم دراسة تخصصات أخرى لها فرص عمل وتحظى بطلب أكبر في سوق العمل المحلي مثل الهندسة الميكانيكية، والكهربائية وغيرها.
ورأى د.الجهيم انه في حال أقدمت دول الخليج على بناء محطات للطاقة النووية قريبا فإنها ستضطر للاستعانة بكوادر خارجية، عربية وأجنبية، كما كان حاصلا في المجال النفطي، وستستمر هذه الاعتمادية على الكوادر الأجنبية لحين تأهيل كوادر خليجية في هذا المجال، مرجحا ان يستمر الاعتماد على الدول الأجنبية حتى في المستقبل على الأقل في مجال تدريس وتدريب الكوادر الوطنية، لاسيما أنه لا توجد جامعات أو كليات خارج المنظومة الاوروبية والأميركية تقوم بتدريس العلوم النووية.
وأضاف بالقول ان المخاطر تكمن في أنه وإن كان الخبير او المتخصص الأجنبي صاحب خبرة لكنه يظل في غير موطنه، وبالتالي هناك احتمالات كبيرة وقائمة بأن يغادر بلد العمل ـ وهي البلدان الخليجية في هذه الحالة، إما بسبب وقوع أحداث معينة، أو لتحصيل حوافز أكبر في بلدان اخرى، مذكرا بأن القطاع النفطي الكويتي مر بهذه التجربة أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة حين ارتفعت الأجور في إمارة أبوظبي ومن ثم انتقلت غالبية الكوادر الأجنبية العاملة في قطاع النفط الكويتي إلى هناك، واضطر إلى لدراسة اعادة تعديل منظومة الرواتب لإعادة استقطاب الكفاءات النفطية الأجنبية من جديد.
وأوضح انه في ضوء التطور التقني في الخارج ستظل دول الخليج تعتمد على الكوادر الأجنبية بنسب تتراوح بين 30 و40%، لكن يبقى المهم ان يكون هناك كادر محلي رديف قادر على إدارة وتشغيل وتأمين عمل محطات الطاقة النووية، ومؤهل للتعامل مع حالات الطوارئ والأزمات بها لا قدر الله، لافتا الى ان خبرة القطاع النفطي الكويتي تعد مهمة في هذا السياق، حيث نجحت الكوادر الكويتية المؤهلة في إدارة المنشآت النفطية وإعادة تأهيلها في مرحلة ما بعد التحرير في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كما تمكنت الكوادر ذاتها من إدارة القطاع النفطي باقتدار مع خروج بعض الخبرات الاجنبية من البلاد على ضوء حرب تحرير العراق عام 2003.
وشدد د.الجهيم على ان المهم في قضية الطاقة النووية ليس مجرد تأسيس منشآت أو جلب استشاريين أجانب لإدارتها، لكن الأهم هو توافر أو على الأقل وضع خطة لتأهيل وتدريب جيل من الكفاءات الوطنية في المجال النووي.