Note: English translation is not 100% accurate
«الأنباء» تنشر دراسة لمستشار مجلس الأمة د.وليد السيف حول «الاقتصاد العربي بين التخلف والتطور»
تفشي الفساد الحكومي وارتفاع البطالة يهددان استقرار المنطقة
12 ابريل 2014
المصدر : الأنباء

السيف يحذر: الاقتصاد العربي في خطر.. مصيره مرهون بأسعار النفط والغاز والدولار
تضاعف الناتج المحلي الإجمالي العربي 15.6 مرة من 152 مليار دولار في 1975 إلى 2٫3 تريليون دولار في 2011
متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تضاعف نحو 6 مرات ليرتفع من 1078 دولاراً في 1975 إلى 6543 دولارا في 2011
كتلة دول مجلس التعاون تساهم بـ 57.8% من الناتج المحلي الإجمالي العربي و75٫2% من إجمالي الإيرادات النفطية العربية
عوائد النفط ترتفع من 8.6 مليارات دولار عام 1970 إلى 702 مليار دولار في 2011
8% نسبة الصادرات البينية العربية إلى إجمالي الصادرات العربية
في دراسة لواقع الاقتصاد العربي أعدها مستشار مجلس الأمة د.وليد حمد السيف بعنوان: «الاقتصاد العربي بين التطور والتخلف» مدعمة بجداول تحليلية على مدى العقود الأربعة الماضية، تطرق فيها إلى أهم ملامح الاقتصاد العربي بما في ذلك النفط ودوره الرئيسي في دعم عجلة التنمية العربية، كما أبرزت الدراسة أهم مؤشرات التطور والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والتحديات الاقتصادية التي تعاني منها الدول العربية كارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وتفشي الفساد في القطاع الحكومي وانخفاض جودة التعليم العام، وخلصت الدراسة إلى أن الاقتصاد العربي لا يمكن الحكم عليه بشكل شامل ومطلق بالتخلف أو بالتطور، والسبب في ذلك يعود إلى أنه وفقا لمؤشرات التخلف والتطور، هناك مجموعة من الدول العربية تشترك في خصائص التخلف، ومجموعة أخرى تشترك في خصائص التطور، ومجموعة ثالثة تجمع بين خصائص التخلف والتطور، أي لا تعتبر متخلفة ولا متطورة.وفيما يلي تفاصيل الدراسة: شهد الوطن العربي تطورات اقتصادية ونفطية واجتماعية ملحوظة على مدى الأربعة عقود الماضية وعلى مختلف الأصعدة.فقد تضاعف عدد سكان الدول العربية مجتمعة خلال تلك الفترة مرتين ونصف المرة، كما تضاعف الناتج المحلي الإجمالي العربي 15.6 مرة، من حوالي 152 مليار دولار عام 1975 إلى حوالي 2365 مليار دولار عام 2011، وتضاعف متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو ست مرات خلال الفترة، من 1078 دولارا للفرد عام 1975 إلى 6543 دولارا للفرد عام 2011.كما برزت معالم اقتصادية جديدة في الوطن العربي كالاقتصاد الإسلامي والإعلام الاقتصادي وتكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية. كما شهد القطاع النفطي العربي تطورات غير مسبوقة، حيث ارتفع سعر النفط الخام من 1.67 عام 1970 إلى 109.5 دولارات للبرميل عام 2012.كما ارتفعت عوائد النفط من 8.6 إلى 702.6 مليار دولار في 1970 و2012، على التوالي. وعلى الصعيد الاجتماعي، فقد حققت الدول العربية مكاسب كبيرة في جهود محو الأمية حيث انخفضت الأمية بشكل ملحوظ خلال الفترة من 1990 إلى 2009، كما ارتفع مستوى الإنفاق الحكومي على التعليم ومساهمة المرأة في الاقتصاد.إلا أن من أهم التحديات التي تواجه الدول العربية ارتفاع معدلات البطالة وخصوصا البطالة الشبابية وتفــشي الفساد في القطاع الحكومي وانخفاض جودة التعليم العام.
في هذه الدراسة، سنحاول الإجابة عن السؤال التالي: هل الاقتصاد العربي متخلف أم متطور؟ من خلال 3 مباحث: المبحث الأول، مخصص لاستعراض أهم ملامح الاقتصاد العربي وما حققه خلال الأربعة عقود.والمبحث الثاني، مخصص لبحث مفهومي التخلف والتطور ومؤشراتهما. والمبحث الثالث، مخصص لتطبيق مؤشرات التخلف والتطور على واقع أداء الاقتصاد العربي، وذلك للوصول إلى الاستنتاجات والتوصيات.وستتم الاستعانة بعدة مصادر، أهمها: التقرير الاقتصادي العربي الموحد، قاعدة بيانات ومعلومات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك»، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، منظمات الأمم المتحدة، ومصادر أخرى.
خلصت الدراسة إلى مجموعة نتائج وتوصيات، أهمها: ان الاقتصاد العربي لا يمكن الحكم عليه بشكل شامل ومطلق بالتخلف أو بالتطور.والسبب في ذلك يعود إلى أنه وفقا لمؤشرات التخلف والتطور، هناك مجموعة من الدول العربية تشترك في خصائص التخلف، ومجموعة أخرى تشترك في خصائص التطور، ومجموعة ثالثة تجمع بين خصائص التخلف والتطور، أي لا تعتبر متخلفة ولا متطورة.
المبحث الأول: أهم ملامح الاقتصاد العربي (تمهيد)
المساحة والسكان:
يتكون الوطن العربي من 22 دولة عربية، وهي: الأردن، الإمارات، البحرين، تونس، الجزائر، جيبوتي، السعودية، السودان، سورية، الصومال، العراق، عمان، فلسطين، قطر، جزر القمر، الكويت، لبنان، ليبيا، مصر، المغرب، موريتانيا، واليمن. ولهذا، فإن الإطار الجغرافي لموضوع البحث يمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، ومن بحر العرب جنوبا حتى تركيا والبحر الأبيض المتوسط شمالا، وتبلغ مساحة الدول العربية مجتمعة حوالي 14.2 مليون كيلومتر مربع، ونسبتها إلى العالم 10.2%.ويبلغ عدد السكان الوطن العربي حوالي 362 مليون نسمة، ونسبتهم إلى العالم 5.2%. ويبلغ معدل نموه السكاني 2.4%.أما بيانات التوزيع العمري للسكان في عام 2010، فهي كالتالي: فئة أقل من الـ 15سنة تشكل حوالي 33.8%، والفئة من15 سنة حتى الـ 65 سنة تشكل 62.6%، والفئة من 65 سنة فما فوق تشكل حوالي 3.6%. ويوضح الشكل (في الصفحة المقابلة) تطور عدد سكان الوطن العربي خلال الفترة من عام 1975 إلى عام 2011.
الناتج المحلي الإجمالي
ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بالأســعار الجارية من 151.72 مليار دولار عام 1975 إلى حوالي 2364.81 مليار دولار عام 2011، أي تضاعف نحو 15.6 مرة خلال الفترة. كما ارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1078 دولارا للفرد عام 1975 إلى 6543 دولارا للفرد عام 2011، أي تضاعف نحو 6 مرات خلال الفترة.وقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بالأسعار الجارية 18%، وبالأسعار الثابتة 2.4%. وينقسم هيكل الناتج المحلي الإجمالي لعام 2011 إلى القطاعات التالية: الصناعات الاستخراجية وقيمتها 961.6 مليار دولار، ونسبتها إلى إجمالي الناتج المحلي الإجمالي نحو 40.7%، والصناعات التحويلية وقيمتها 213.4 مليار دولار، ونسبتها إلى إجمالي الناتج نحو 9%، قطاع الخدمات وقيمته 898 مليار دولار، ونسبته إلى إجمالي الناتج نحو 38%، قطاع الزراعة وقيمته 132.8 مليار دولار، ونسبته إلى إجمالي الناتج نحو 5.6%، وقطاعات أخرى 6.7%.
كما أوضحت الدراسة ان ثلاث كتل أكبرها اقتصاديا كتلة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي تساهم بما يعادل 57.8% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، أما الكتلة الثانية فهي كتلة دول شمال أفريقيا حيث تساهم بما يعادل 26.1% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، والكتلة الأخيرة تمثل باقي الدول العربية حيث تســــاهم بما يعادل 16.2% من الناتـــج المحلي الإجمالي العربي.كما يشكل نصيب مجـــلس التعاون من إجمالي الإيرادات النفطية العربية نسبة 75.2%، ونحو 55% من إجمــالي الإيرادات العامة والمنح العربية.وذلك يعني أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يلعب دورا فعالا ومؤثرا على مسار الاقتصاد العربي سواء بالصعود أو الهبوط.
التجارة
تشـــــير مؤشرات التجارة العربية إلى أن قيمة الصادرات السلعية (فوب) تبلغ 1195.8 مليار دولار، وهي تشكل نسبة 6.6% من الصادرات العالمية.وتشكل الصادرات النفطية حوالي نصف قيمة إجمالي الصادرات السلعية العربية.أما قيمة الواردات (سيف) فقد بلغت 752.6 مليار دولار، ونسبتها إلى الواردات العالمية 4.1%. ويبلغ إجمالي الصادرات البينية العربية 95.3 مليار دولار، ونسبة الصادرات البينية إلى إجمالي الصادرات العربية 8%، وهي نسبة منخفضة جدا إذا ما قورنت بالصادرات البينية في الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال.
الموازنة العامة
بلغ إجمالي الإيرادات العامة والمنح للدول العربية مجتمعة عام 2011 قيمة 892.4 مليار دولار، وإجمالي الإنفاق العام قيمة 798.1 مليار دولارا لنفس العــام، مما نتج عنها فائض مالي وقدره 94.3 ملـــيار دولار عام 2011.وتشــكل الإيرادات النفطية العربية 73.3% من إجــمالي الإيرادات العامة والمنح، والإيرادات الضريبية 15.9%، والإيرادات غير الضريبية 6.6%، والدخل من الاستـــــثمار 3.9%، والمنح 0.3%.أما جانب الإنفاق العام، فيشكل الإنفــاق الجاري نسبة 73.7% من الإنفاق العام، والإنفاق الرأسمالي نسبة 26.3%.
النفط والغاز الطبيعي
بلغ الإنتاج العربي من النفط الخام في عام 2011 نحو 22.4 مليون برميل باليوم، وهو يعادل 31% من إنتاج النفط الخام العالمي البالغ 72.1 مليون برميل في اليوم. وتمثل صادرات النفط الخام العربية نسبة 34.8% من صادرات النفط الخام في العالــم البالغة 54.6 مليـــون برميل باليوم.وخلال الفترة (1970 -2012)، ارتفـــع سعر النفط الخام من 1.67 إلى 109.50 دولارات للبرميل نتيجة لمتغيرات هيكلية أسهمت في تغيير محددات العرض والطلب خلال هذه الفترة.ومن تلك المتغيرات التي أسهمت في ارتفاع أسعار النفط على سبيل المثال: حرب أكتوبر 1973 التي نتج عنها طفرة كبيرة في أسعار النفط، وتأميم الصناعة النفطية في الدول العربية المنتجة للنفط، اندلاع الثورة الإيرانية 1979 التي نتج عنها الطفرة الثانية، بروز دور منظمة الأوپيك وتبنيها لنظام الحصص الإنتاجية (الكوتا) في منظمة الأوپيك 1982، والغزو العراقي الغاشم على الكويت 1990. وفي عام 2000، تجاوز سعر النفط سقف العشرين دولار للبرميل نتيجة ارتفاع الطلب العالمي عن العرض وتبني دول أوپيك (ﻣﻨﻬﺎ 7 دول ﻋﺮﺑﻴﺔ) آﻟﻴﺔ جديدة تستهدف سعر 25 دوﻻرا للبرميل، بحيث يتم تخفيض اﻹنتاج بمقدار 500 أﻟﻒ برميل في اليوم ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ انخفاض اﻷﺳﻌﺎر إﻟﻰ أﻗﻞ من 22 دوﻻرا ﻟﻠﺒﺮميل ﻟﻤﺪة 10 أيام ﻋﻤﻞ متتاﻟﻴﺔ، وزيادة اﻹنتاج بمقدار 500 أﻟﻒ برميل في اليوم ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ارﺗﻔﺎع اﻷﺳﻌﺎر إﻟﻰ ما يزيد على 28 دوﻻرا للبرميل ﻟﻤﺪة 20 يوم ﻋﻤﻞ متتالية. وقد كان لالتزام دول الأوپيك بحصصهم المحددة الأثر الإيجابي ﻋﻠﻰ استقرار اﻷﺳﻌﺎر واﻟﺴﻮق اﻟﻨﻔﻄﻴﺔ.وبذاك بدأت حقبة جديدة من قفزات أسعار النفط غير المسبوقة في تاريخ النفط العالمي. وقد حصدت الدول العربية المصدرة للنفط عوائد كبيرة من صادراتها النفطية، الأمر الذي مكنها من تحقيق أهدافها الإنمائية، ودعم موازناتها المالية، ودعم الدول العربية الأخرى.
أما ما يخص الغاز الطبيعي المسوق، فقد بلغ إنتاج الدول العربية في عام 2010 نحو 461 مليار متر مكعب، وهي تعادل 14.4% من الإنتاج العالمي في عام 2010. وتقدر الصادرات العربية في عام 2011 بنسبة 20.9% من صادرات الغاز الطبيعي في العالم البالغة 1025.4 مليار متر مكعب. وتعتبر الاحتياطيات العربية من النفط والغاز كبيرة جدا حيث يبلغ احتياطي النفط العربي المؤكد نحو 712.4 مليار برميل، وهو يمثل نسبة 57.5% من الاحتياطي العالمي، واحتياطي الغاز الطبيعي العربي يمثل 28.2% من الاحتياطي العالمي، وفقا لأرقام عام 2011.وقد بلغت الإيرادات النفطية العربية (النفط الخام والغاز الطبيعي) في عام 2011 حوالي 653.76 مليار دولار، وتلك القيمة تشكل 73.3% من إجمالي الإيرادات العامة والمنح، ونسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي تعادل 27.6%. وتمتلك الدول العربية 62 مصفاة لتكرير النفط، تبلغ طاقتها الإنتاجية الإجمالية حوالي 7.8 ملايين برميل باليوم، وهي تعادل 8.9% من إجمالي الطاقة الإنتاجية العالمية.
قوة العمل
ويقدر حجم القوى العاملة في الوطن العربي في عام 2010 بحوالي 122 مليون نسمة، وهو يمثل نحو 34.5% من إجمالي سكان الوطن العربي، وتبلغ نسبة البطالة في عام 2011 نحو 16%، ويقدر حجمها بحوالي 17 مليون عاطل، وهذا الارتفاع الملحوظ في البطالة ناجم عن أحداث «التحولات السياسية» في كل من تونس ومصر وسورية واليمن حيث بلغت نسب البطالة في هذه الدول 18.9%، 11.9%، 14.9%، و18%، على التوالي.وتوظف الصناعات الاستخراجية والتحويلية نحو 16.9% من إجمالي القوة العاملة، ويوظف قطاع الخدمات حوالي 60.8% من إجمالي القوة العاملة، ويوظف قطاع الزراعة 22.3% من إجمالي القوة العاملة.
الديون
وصلت قيمة الدين العام الخارجي للدول العربية المقترضة في عام 2011 نحو 176.2 مليار دولار وقيمة خدمة الدين العام (سداد أقساط أصل القرض + الفوائد) 15.9 مليار دولار، ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 20%، ونسبة خدمة الدين إلى حصيلة صادرات السلع والخدمات 4.9%.
العون الإنمائي العربي
تلعب المساعدات الإنمائية العربية الميسرة التي تقدمها الدول العربية المانحة (معظمها دول مجلس التعاون الخليجي) دورا بارزا في تطوير ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية النامية الأخرى.وتأخذ تلك المساعدات شكل قروض إنمائية ميسرة، وهبات ومنح تقدمها حكومات الدول العربية المانحة مباشرة أو من خلال صناديق التنمية الوطنية والإقليمية.كما ان للعون الإنمائي الأهلي المقدم من الهيئات الخيرية والجمعيات غير الحكومية إسهامات في دعم تنمية المجتمعات ذات الدخل المنخفض.وقد قدمت الدول العربية المانحة ما قيمته 6.3 مليارات دولار للدول العربية النامية خلال عام 2011.وبذلك تكون محصلة المساعدات الإنمائية الميسرة المقدمة من الدول العربية المانحة إلى الدول العربية النامية للفترة من 1970 إلى 2011 حوالي 154 مليار دولار، نحو 68.3% منها قدمتها السعودية، 14.8% الكويت، 8.6% الإمارات، 3.2% قطر، و0.5 قدمتها عمان.
المبحث الثاني: مفهوما التخلف والنمو
حدد البنك الدولي مجموعة من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية وفقا للمفهوم الحديث للتخلف وهو: «التخلف» يحتوي على جوانب اقتصادية واجتماعية وإنسانية، وبالتالي فهو يعني: الفقر والبطالة وعدم المساواة وسوء التغذية والمسكن غير الملائم وسوء الحالة التعليمية والمرض والوفاة في سن مبكرة والشعور بالعجز الشخصي والجماعي في مواجهة الفقر والمرض والوفاة.ويقوم البنك الدولي بذاته وبالتعاون مع منظمات إنمائية عالمية زميلة في قياس تلك الخصائص سنويا بواسطة مؤشرات اقتصادية واجتماعية ونشرها في مواقعها الإلكترونية.أما مفهوم «النمو» فهو يمثل الاتجاه المعاكس لمفهوم «التخلف».فعلى سبيل المثال، مؤشر انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الذي يستخدم لقياس التخلف يمكن تطبيقه لقياس النمو بمجرد تغير اتجاه المؤشر من انخفاض إلى ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي. وبشكل عام، يمكن قياس «التخلف» و«النمو» كميا بواسطة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التالية:
أولا: المؤشرات الاقتصادية
1- انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي (مستويات المعيشة): وتقاس بقسمة الدخل القومي على عدد السكان للوصول إلى متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي. ويوفر البنك الدولي بيانات محسوبة لمتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي لكل دولة على حدة. وتعتبر هذه المعادلة من أهم المعادلات لقياس مستوى معيشة الدول وللمقارنة فيما بينها من حيث مستوى الرفاهية الاقتصادية.
2- الاعتماد الشديد على الزراعة: يعكس هذا المؤشر أحد مظاهر الدول النامية التي تعتمد على القطاع الزراعي بشكل رئيس كمصدر للناتج المحلي الإجمالي ولاستيعاب القوة العاملة وتلبية متطلبات المجتمع من الغذاء والكساء، وبالتالي تقوم حكومات تلك الدول بتوجيه مواردها المادية والبشرية نحو هذا القطاع.وتقاس بقسمة الناتج الزراعي على الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك يمكن قياس نسبة العمالة في القطاع الزراعي بقسمتها على إجمالي قوة العمل، وارتفاع نسبة هاتين المعادلتين يعطي دلالة على الاعتماد الشديد على القطاع.
3- انخفاض متوسط إنتاجية العامل: وتقاس بقسمة الناتج المحلي الإجمالي على عدد العمال للوصول إلى متوسط إنتاجية العامل.
4- ارتفاع معدلات البطالة: ويقاس معدل البطالة بقسمة عدد العاطلين عن العمل على إجمالي القوة العاملة في مائة. والمقصود بالعاطلين عن العمل هم الأشخاص القادرون والمؤهلون والباحثون والراغبون في العمل وفقا للأجور السائدة في السوق، ولكنهم لا يجدون فرصة العمل خلال فترة من الزمن.أما إجمالي القوة العاملة فهو حاصل جمع حجم العمالة وحجم البطالة. وهناك نوعان من البطالة وهما: البطالة السافرة والمقصود بها عدم توافر فرص عمل لاستيعاب فائض عرض العمل في القطاعات المختلفة، والبطالة المقنعة يقصد بها عمالة لها وظائف وتتقاضى اجرا دون أن تكون لها أي مساهمة في الإنتاج.
5- انخفاض معدلات الادخار والاستثمار: تقاس هذه الخاصية كنسبة مئوية وذلك بقسمة قيمة الادخار على الناتج المحلي الإجمالي ضرب مائة.وانخفاض هذه النسبة يعني ضعف قدرة الدولة على الادخار، وبالتالي تضعف قدرتها على الاستثمار لتحقيق عوائد تمكنها من الوصول إلى معدلات النمو المنشودة.
ثانيا: المؤشرات الاجتماعية
1- ارتفاع معدل النمو السكاني وارتفاع عبء الإعالة: وصل عدد السكان في نهاية عام 2013 الى نحو 7.2 مليارات نسمة وبناء على إحصاءات الأمم المتحدة، يتوقع أن يصل الرقم إلى 8 مليارات نسمة في عام 2024م.ونحو 85% من سكان العالم يعيشون في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مقابل 15.4% يعيشون في الدول المتقدمة (أميركا وكندا وأوروبا).ومعدل النمو السكان = 100 X (عدد السكان للفترة (أ+1)- عدد السكان للفترة (أ)/ عدد السكان للفترة (أ). أما نسبة عبء الإعالة = 100 X (14 سنة وأقل+ مجموع 65 سنة وأكثر)/ مجموع السكان ما بين 15 و64 سنة. في عام 2010، وصلت تلك النسبة في سويسرا الى نحو 47% وأميركا 49%، بينما بلغت هذه النسبة في العام نفسه لكل من العراق واليمن نحو 81% لكل منهما.وهذا يعني أن القوة العاملة في هاتين الدولتين العربيتين تتحمل ما يقارب ضعف عبء الإعالة الذي تتحمله القوة العاملة في سويسرا وأميركا.
2- انخفاض مستوى التعليم وارتفاع مستوى الأمية: وتقاس باحتساب نصيب الفرد من الإنفاق على التعليم= الإنفاق على التعليم/ عدد السكان.ويمكن كذلك احتساب نسبة الإنفاق على التعليم = 100 X (الإنفاق على التعليم/ الناتج المحلي الإجمالي)، أو =100X (الإنفاق على التعليم/الإنفاق العام الإجمالي). وتعتبر جميع هذه المؤشرات ذات طبيعة مالية بحتة، حيث تقيس التزام حكومات الدول في الإنفاق على التعليم، إلا أنها شائعة الاستعمال في المقارنة بين الدول النامية من جهة، وبين الدول النامية والمتقدمة من جهة أخرى.
أما قياس كفاءة مستوى التعليم، فهناك العديد من المؤشرات الكمية والكيفية الأخرى منها على سبيل المثال، معدل القيد الإجمالي أو الصافي في مرحلة التعليم الأساسي (الإعدادي والثانوي والتعليم العالي)، ومعدل بقاء الطلبة في نظام التعليم ونسبة التسرب من التعليم.أما الأمية حسب تعريف الأمم المتحدة، فهي عدم القدرة على قراءة وكتابة جمل بسيطة في أي لغة.ولذلك ما يعنى بـ«نسبة القادرين على القراءة والكتابة» هي لأساسيات القراءة والكتابة وليست للمستويات المتطورة منها.ارتفاع نسبة الأمية بين البالغين للجنسين (15 سنة فما فوق) وهي تقاس بقسمة عدد القادرين على القراءة والكتابة على عدد السكان من 15 سنة فما فوق ضرب مائة.والناتج يطرح من 100 للوصول إلى نسبة الأميين.
3- تفشي ظاهرة الفساد: الفساد هو تصرفات يترتب عليها تحقيق مصالح ومنافع وامتيازات خاصة على حساب المصالح العامة أو مصالح الآخرين أو مصالح الجهات التي يعمل بها المفسدون.وتقوم عدة مؤسسات عالمية بتصنيف الدول الأكثر فسادا والأكثر نزاهة وأهمها منظمة الشفافية الدولية.
المبحث الثالث: الاقتصاد العربي.. متخلف أم متطور؟
في هذا الجزء من الورقة، يمكن تطبيق المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية سالفة الذكر على واقع أداء الاقتصاد العربي ووضعه إن كان متخلفا أم متطورا وفيما يلي تحليل مفصل لبعض المؤشرات في الدول العربية:
1- متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي (المستوى المعيشي):
يقوم البنك الدولي سنويا بقياس المستوى المعيشي لدول العالم من خلال حساب متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي لجميع دول العالم وفقا للمعادلة (الدخل القومي على عدد السكان)، كما يقوم بعد ذلك بتصنيف الدول (بما فيها الدول العربية) وفقا لمجموعات: عالية الدخل، متوسطة الدخل (الشريحة العليا والشريحة الدنيا)، ومنخفضة الدخل.
ويتضح من هذا الجدول أن متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي لكل من قطر والإمارات والكويت والسعودية وعمان والبحرين (دول مجلس التعاون الخليجي) الأعلى في مجموعة الدول العربية، حيث يتراوح نصيب الفرد من الدخل القومي ما بين14.820 و76.010 دولارات، لذلك صنفها البنك الدولي ضمن الدول ذات الدخل العالي.تليها مجموعة ثانية من الدول العربية التي صنفها البنك الدولي ضمن دول ذات الدخل المتوسط (الشريحة العليا) وهي: ليبيا ولبنان والعراق والجزائر والأردن وتونس، حيث يتراوح نصيب الفرد من الدخل القومي ما بين 4.150 و12.930 دولارا.تليها المجموعة الثالثة التي صنفها البنك الدولي ضمن دول ذات الدخل المتوسط (الشريحة الدنيا) وهي: مصر والمغرب وسورية والسودان وفلسطين واليمن وموريتانيا وجيبوتي، حيث يتراوح نصيب الفرد من الدخل القومي ما بين 1.030 و2.980 دولارا.أما المجموعة العربية الأخيرة فهي جزر القمر والصومال وهما مصنفتان ضمن الدول ذات الدخل المنخفض حيث يقل نصيب الفرد من الدخل القومي عن ألف دولار.
2- الاعتماد الشديد على الزراعة:
وتقاس بقسمة الناتج الزراعي على الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك يمكن قياس نسبة العمالة في القطاع الزراعي بقسمتها على إجمالي قوة العمل. إن ارتفاع نسبة هاتين المعادلتين يعطي دلالة على الاعتماد الشديد على القطاع الزراعي.
3- متوسط إنتاجية العامل:ويقاس متوسط إنتاجية العامل بقسمة الناتج المحلي الإجمالي على عدد العمال.
4- ارتفاع معدلات البطالة:
ويقاس معدل البطالة بقسمة عدد العاطلين عن العمل على إجمالي القوة العاملة في مائة.
5- تفشي ظاهرة الفساد:
لا تنمية في بيئة موبوءة بالفساد.والفساد يقصد به جميع التصرفات التي يترتب عليها تحقيق مصالح ومنافع وامتيازات خاصة على حساب المصالح العامة أو مصالح الآخرين أو مصالح الجهات التي يعمل بها المفسدون.وتقوم عدة مؤسسات عالمية بتصنيف الدول الأكثر فسادا والأكثر نزاهة وأهمها منظمة الشفافية الدولية.ويتخذ الفساد عدة أشكال منها على سبيل المثال: التهرب الضريبي، تخصيص الأراضي من خلال القرارات الإدارية العليا، المحاباة والمحسوبية و«الواسطة» في التعيينات الوظيفية وخصوصا المراكز القيادية، عمولات المناقصات وعقود المقاولات والمشاريع الرأسمالية الكبرى وصفقات السلاح، قروض المجاملة والتسهيلات البنكية المختلفة التي تمنحها المصارف دون ضمانات كافية لكبار رجال الأعمال، العمولات التي يتم الحصول عليها بحكم المنصب أو الاتجار بالوظيفة العامة، الرشوة لتسهيل مصالح غير مشروعة والحصول على امتيازات خاصة، تحول جزء من المعونات الأجنبية لكبار المسئولين، استغلال المعلومات السرية لتحقيق أرباح غير مشروعة في أسواق تداول الأوراق المالية، وغيرها. وقد نشرت منظمة الشفافية الدولية في عام 2013 قائمة تتضمن 177 دولة مرتبة من الدول الأقل فسادا في عالم إلى الأكثر فسادا في القطاع الحكومي. وقد جاءت عدد من الدول العربية في المراتب الأخيرة وهي: الصومال (المرتبة الأخيرة) والسودان وليبيا والعراق وسورية واليمن.
الدكتور وليد السيف في سطور
* حاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كليرمونت بولاية كاليفورنيا الأميركية وحاصل على ماجستير في الاقتصاد وماجستير في الإدارة من الجامعة نفسها.ويعمل حاليا مستشارا لدى لجنة الشؤون المالية والاقتصادية في مجلس الأمة الكويتي.وعمل مستشارا اقتصاديا لدى الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصاديــة العربيــة (للفترة من 1981 - 2002)، وشغل منصب نائب لرئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة الكويتية لتطوير المشروعات الصغيرة (للفترة من 2003 - 2005)وهو محاضر زائر لدى جامعة الكويت وجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا، وباحث وكاتب صحافي في الشأن الكويتي والاقتصاد والنفط والتنمية.
3 استنتاجات أهمها اعتماد الاقتصاد العربي على النفط والغاز
٭ أن الاقتصاد العربي لا يمكن الحكم عليه بشكل شامل ومطلق بالتخلف أو التطور. والسبب في ذلك يعود إلى أنه وفقا لمؤشرات التخلف والتطور، هناك مجموعة من الدول العربية تشترك في خصائص التخلف، ومجموعة أخرى تشترك في خصائص التطور، ومجموعة ثالثة تجمع بين خصائص التخلف والتطور، أي لا تعتبر متخلفة ولا متطورة، فعلى سبيل المثال: يتضمن الاقتصاد العربي أربع مجموعات عربية من حيث متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، ويختلف تصنيف كل منها عن الأخرى وهي: عالية الدخل، متوسطة الدخل (الشريحة العليا والشريحة الدنيا)، ومنخفضة الدخل. وبالتالي، لا يمكن أن نحكم على (الاقتصاد العربي) بأنه متخلف لان هناك دولا عالية الدخل ليس على المستوى العربي فقط وإنما على المستوى العالمي، كما لا يمكن الحكم عليه بأنه متطور لأن هناك دولا عربية متوسطة الدخل (الشريحة الدنيا) ومنخفضة الدخل.
٭ يعتمد الاقتصاد العربي بشكل كبير على موارد اقتصاد مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهما النفط والغاز، حيث أبرزت الورقة نسبة مساهمتهما العالية في الناتج المحلي الإجمالي الخليجي والعربي، وكذلك في الإيرادات العامة والمنح. وبما أن أسعار النفط والغاز الطبيعي تتحد وفقا لعوامل العرض والطلب في السوق العالمي، لهذا فإن الاقتصاد العربي معرض للأزمات في حال انخفاض أسعارها، كما أن الإيرادات النفطية مقومة بعملة الدولار، وهي عملة يتحدد سعر صرفها وفقا لعوامل العرض والطلب في أسواق الصرف العالمية والسياسة النقدية للبنك المركزي الأمريكي (Federal Reserve Bank)، لهذا فإن الاقتصاد العربي في خطر حقيقي لان مصيره مرهون بأسعار النفط والغاز والدولار.
٭ إخفاق بعض الدول العربية في إيجاد حلول مبكرة لمواجهة خطر ارتفاع معدلات البطالة أو تفشي الفساد أو مواجهة كليهما معا، وهو ما جعلها تمر بمرحلة عدم استقرار، ومنها ما تمر به حاليا من مرحلة «التحولات السياسية»، التي أدت إلى تدهور مؤشراتها الإنمائية (الاقتصادية والاجتماعية).
10 توصيات للدراسة
٭ المستقبل الاقتصادي للدول العربية بالعقود القادمة يعتمد على نجاحها بتنفيذ سياسات اقتصادية ومالية واستثمارية تهدف لتنويع موارد الدخل وتحقيق توازن بين القطاعات الاقتصادية المختلفة وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل حتى لا تكون معرضة لمخاطر يصعب على الدول العربية احتواؤها كانخفاض أسعار النفط والغاز وهبوط سعر الدولار.
٭ تطوير القطاع النفطي والصناعات النفطية اللاحقة محليا من خلال البحث والتطوير واستيراد التكنولوجيا الحديثة وتدريب الكوادر الوطنية عليها.
٭ الدخول كمستثمر استراتيجي في رأسمال الشركات الصناعية الأجنبية المتخصصة بالنفط ومشتقاته، وذلك لتحقيق منافع مالية وتكنولوجية وبحثية على الأمد القصير والبعيد.
٭ تصدير المنافع التكنولوجية والتقنية والمعلوماتية المطبقة في القطاع النفطي إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى للنهوض بها.
٭ استثمار جزء من الفوائض المالية النفطية في أسهم الشركات العالمية المتخصصة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الصديقة للبيئة.
٭ تطوير التخطيط التنموي والاقتصادي والاجتماعي بدعم مباشر من القيادة السياسية.
٭ الإنفاق على الأبحاث العلمية والتطوير لما فيه من منافع تسهم في علاج ومواجهة التحديات الإنمائية العربية.
٭ إنشاء مركز إحصائي عربي متطور ينشر للباحثين البيانات والمعلومات الإحصائية لجميع الدول العربية، منفردة ومجتمعة، وفقا لأفضل الممارسات العالمية في هذا المجال، وذلك لان هناك مشاكل عديدة تواجه الباحثين في الوقت الحاضر (وأنا أحدهم) في تنوع مصادر البيانات واختلاف معاييرها، ناهيك عن تخلف بعض الدول في توفير بياناتها الوطنية في موعدها الزمني المحدد لها.
٭ ضرورة الاندماج تحت مظلة كيانات اقتصادية قوية تمكنها من مواجهة تحديات العولمة.
٭ ضرورة خلق فرص عمل للعمالة الوطنية وبالذات لفئة الشباب، لأن الدراسة أثبتت أن من أهم المعوقات التي تهدد استقرار المنطقة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا أمرين هما: مشكلة ارتفاع معدلات البطالة وخصوصا البطالة الشبابية، ومشكلة تفشي الفساد في القطاع الحكومي.
لهذا، على الحكومات العربية العمل على القضاء على هاتين المشكلتين من أجل الحفاظ على استقرار دولهم.تنويه جميع الاراء والتحليلات في هذه الدراسة تعكس وجهة نظر معدها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مجلس الأمة الكويتي.