Note: English translation is not 100% accurate
رأي نفطي
مشكلتنا أكبر من عجز بميزانية.. بقلم: د.مشعل السمحان
19 أغسطس 2015
المصدر : الأنباء
د.مشعل السمحان باحث في اقتصادات الطاقة
المنظور التاريخي فيه الكثير من الأمثلة لدول تعاملت مع هزات اقتصادية بطرق حرفية وخرجت منها باقتصاد اكثر تنظيما وقوة واستقرارا. وخلال هذه الهزات الاقتصادية مارست حكومات تلك الدول أدوارا مغايرة في حوكمة وتنظيم اقتصادها، وتعزيز السياسة المالية والنقدية بحزمة من القرارات لتتكامل مع الأهداف المرسومة للخروج من هذا التراجع ألاقتصادي، ومن اشهر الأمثلة لهذه الدول كل من (فنلندا، وكندا، وكوريا الجنوبية).
ففي عام 1997 انهار الاقتصاد الكوري بعد الأزمة المالية الآسيوية التي نشأت في تايلند، وواجهت كوريا وقتها تحديا هو الأكبر من نوعه، فبعد عقود من الإصلاحات التنموية الشاملة تدهور أداء الشركات الكبرى ووصلت الأرباح إلى الصفر وارتفعت ديونها، وانهار قطاع الصادرات والنظام المالي لكوريا الجنوبية مما نتج عنه هروب الاستثمارات الأجنبية من البلد بحثا عن فرص افضل واقتصادات اكثر استقرارا.
ولتجاوز تلك الأزمة تخلت الدولة عن دورها التنموي المعتاد وأدخلت إصلاحات لتحرير اقتصادها وتحويله لاقتصاد السوق، وبالفعل استطاعت كوريا أن تتعافى بفضل تنشيط قطاع الصادرات عبر تعديلات نقدية متمثلة بتخفيض قيمة العملة الكورية وحزمة الإصلاحات المالية التي أدخلتها الحكومة بتوصيات من منظمة النقد الدولية.
وأشارت اغلب الدراسات اللاحقة للازمة الكورية إلى أن الأزمة المالية تركت اثارا اجتماعية وعلمية بالإضافة للتبدلات الاقتصادية مكنت كوريا الجنوبية للسير بثبات والتحول لدولة متقدمة، بل إنها من الدول القليلة التي استطاعت لاحقا امتصاص هزة الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 وتجاوزتها لتحقق في 2010 نمو وصل لـ 6% بينما دولة مثل فرنسا لم تحقق اكثر من 1.9% لنفس العام.
وفي هذا المقال نستذكر هذه الاحداث ليس من باب تصفح كتب التاريخ ولكن من اجل دق الجرس وتذكير الحكومة الكويتية والقياديين بالمسؤولية الحقيقية تجاه تبدل اوضاع اسواق النفط العالمية وتراجع ايرادات الدولة بأكثر من 38% (82 دولار سعر معادلة الميزانية تقريبا) بسبب تراجع أسعار برميل النفط إلى ما دون الـ 50 دولارا لفترات طويلة، ومن المتوقع أيضا أن يستمر مستوى الأسعار هذا لسنوات مالية قادمة.
وتعتبر الحلول الهامشية التي طرحت على الساحة هي بمنزلة مد اليد لجيب المواطن كرفع الدعم عن الديزل، أو رفع ايجارات أو تقليص مصروفات بعض الوزارات هو بواقع الأمر ذات قيمة لحماية الميزانية من عجز، فنحن اليوم كدولة تطمح أن تكون ضمن الاسواق الناشئة نبحث عن تعزيز باب الايرادات بالميزانية، ونبحث عن توفير آلاف فرص العمل المنتجة للضغط على نمو معدلات البطالة.
ونبحث عن طرق تمويل تمكن من خلق اقتصاد حر دون هيمنة حكومية، ونبحث عن تقزيم البيروقراطية، ونبحث عن محاسبة الفساد وحوكمة القطاع العام، ونبحث عن عدم تغول الشركات العملاقة واحتكارها لكل الأنشطة على حساب الشركات الصغيرة، وكذلك نبحث عن تعليم قوي يفرز بالمستقبل قدرات تحافظ على نجاح خطة الإصلاح.
فقد أثبتت التجربة الكورية أن تطوير قدرات الشعوب عبر التعليم والتدريب ضروري لخلق شروط تسمح بمواكبة التطورات والقدرة على المنافسة وتحسين الإنتاجية مما يساهم بشكل حاسم في التنمية، كوريا وغيرها من الدول لم تجد طريق النور بسهولة بل أجمعت كل الدراسات الاقتصادية ان الإصلاح الاقتصادي لا يأتي مفككا ولكنه يأتي كحزمة ضمن خطة زمنية واضحة تلتزم بها الحكومة وتسخر جميع الإمكانات لإنجاحها وتهيء لها القدرات البشرية وتضع الرجل المناسب بالمكان المناسب.
ويمكن القول إن فرصة الإصلاح الاقتصادي مازالت قائمة فنحن لم ندخل ازمة مالية حقيقة بعد ولكن من المعيب أن ننتظر حتى يقع الفأس بالرأس ثم نمارس هواية ردود الافعال والندم على الحليب المسكوب فلذلك نقول إن اليوم فعلا مشكلتنا اكبر من عجز بميزانية.