- إيجاد فرص متساوية للشباب لإنشاء المشاريع الصغيرة
- ضرورة إنشاء نافذة إلكترونية واحدة لجميع الجهات الحكومية
- الهدف إيجاد فرص حقيقية للعمل.. وليس سباقاً بالمؤشرات العالمية فقط!
تنشر «الانباء» دراسة خاصة اعدها مدير عام شركة كويت مينا جروب للاستشارات الإدارية د.مبارك عودة الرويعي، حول سهولة ممارسة انشطة الأعمال في الكويت وترتيب الكويت عالميا وخليجيا، ومدى انتشار الفساد الإداري في الاجهزة الحكومية في الدولة وكيفية مواجهة هذا الفساد.
كما تتضمن الدراسة حصرا لمواطن الخلل في النظام الإداري الحكومي في الكويت، بالاضافة الى 8 نصائح يمكن من خلالها معالجة ومكافحة الفساد الإداري، حتى ترتقي الكويت الى المراتب المتقدمة في مؤشرات سهولة ممارسة انشطة الأعمال، وفيما يلي التفاصيل:
نحن لا نعيش بمعزل عن بقية دول العالم خصوصا فيما يتعلق بمستوى تحقيق أهداف الدولة التنموية وخدمة المجتمع والانسانية، والتي أصبحت تقاس بالمؤشرات النوعية والتقارير المستمرة وبها تتنافس الدول من أجل عالم وبيئة أفضل.
هذه المؤشرات ما هي الا معيار لتقدم الأمم والشعوب والأفراد، لذلك لا تخلو من الانحرافات بشتى أنواعها ومنها انحرافات الإدارات التي نحن بصدد الحديث عنها هنا، ومن بين هذه المؤشرات مؤشر «سهولة ممارسة أنشطة الأعمال» الصادر عن مجموعة البنك الدولي.
صعوبة ممارسة الأعمال بالكويت
وبالنظر الى هذا المؤشر لعام 2016، نجد ان الكويت قد احتلت به المركز الـ 102، بعد ان كانت في المركز الـ 98 عام 2015، ضمن 190 دولة يتضمنها المؤشر، أي ان الكويت تراجعت 4 نقاط وهو دليل على تراجعها في التنمية، وهو امر يتناقض مع الهدف الذي تسعى له الكويت لتصبح مركزا ماليا واقتصاديا.
وللتوضيح، عندما تحتل دولة ما المركز الاول بمؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، فهذا يعني ان الاجراءات الحكومية في هذه الدولة تعتبر الأكثر سهولة لممارسة الأنشطة والأعمال، وكلما ارتفع الترتيب فان هذه الممارسات تزداد صعوبة وسوءا، وهذا ما تعاني منه الكويت التي تقبع في مؤخرة الدول الخليجية في المركز الـ 102.
ويقيس مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال الأنظمة التي تؤثر على 11 مجالا من حياة الأعمال التجارية، وهي: بدء النشاط التجاري، واستخراج تراخيص البناء، والحصول على الكهرباء، وتسجيل الملكية، والحصول على الائتمان، وحماية المستثمرين الأقلية، ودفع الضرائب، والتجارة عبر الحدود، وانفاذ العقود، وتسوية حالات الاعسار كما أنه يتضمن تحليل على مؤشر الأنظمة المتعلقة بالمشتريات العامة.
تحسين بيئة الأعمال
تم تشكيل «لجنة تحسين بيئة الأعمال» المؤقتة من قبل مجلس الأمة في أواخر 2016، لمعالجة تراجع الكويت بمؤشر سهولة ممارسة انشطة الأعمال. وهذا الوضع في مجمله دليل على وجود فساد إداري من الدرجة الأولى بالجهة المعنية، ليس بالضرورة وزارة التجارة لأن بيئة الأعمال تشترك بها أكثر من جهة.
وكان من الافضل تسمية هذه اللجنة «لجنة التنمية الاقتصادية»، فمسمى «بيئة الأعمال» بدون تحديد يعنى مجموعة اجراءات في بيئة عمل ما، أي انها تدخل في عمل السلطات وهو ما لا يتوافق مع الدستور في فصل السلطات. ولتحديد مواطن الخلل نذكر منها على سبيل الحصر:
٭ الخلل في اعداد الخطط والبرامج، فعند وضع الخطط والبرامج يجب الأخذ بالاعتبار المنافسة الدولية وليس الوضع المحلي أو حتى الاقليمي.
٭ الخلل فيما يخص الهياكل والاختصاصات.
٭ الخلل فيما يخص العمل كفريق الكتروني وتداخل الاختصاصات.
٭ الخلل فيما يخص استخدام السلطة ممثلة بالقرار الإداري كعمل قانوني وسوء فهم لمفهوم «الحكومة الالكترونية»، وذلك بتجاهل احتياجات المواطنين من تسهيل لأمورهم اليومية.
٭ الخلل فيما يخص الاجراءات غير الملزمة والتي تشعبت عبر توالي الإدارات السابقة، ما ولد خبرات متراكمة سيئة. ولمعالجة هذه الأمور ينصح بالآتي:
1- تكوين بيئة أعمال اقتصادية الكترونية بسيطة متجددة تواكب احتياجات وطبيعة المستخدم المحلي والعالمي وخصوصا ذوي الاحتياجات الخاصة. وأي قرارات تساهم في تكوين هذه البيئة يجب أن تكون مشروعة حتى لا تتعطل بالمحافل القضائية.
تنظيم هذه البيئة قد يواجه معارضة من قبل بعض الإدارات، لذا ينصح بنقل الصلاحيات، أو تغيير الهيكل، أو التدوير الإداري، أو الاحالة للتعاقد، أو تحجيم الاختصاص، أو ما تراه مناسبا، حسب تقدير الإدارة لتجاوز تعسف أي سلطة تعيق تهيئة بيئة أعمال مناسبة. للأسف، أصبح البعض يتفنن في العبث بالقرار الإداري، ما تسبب في اشغال القضاء وتعطيل التنمية.
2- ايجاد فرص متساوية للشباب خصوصا فيما يخص انشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فسهولة اجراء استخراج ترخيص قد تكون سريعة وسهلة ولكن العبرة فيما بعد الترخيص لأن الترخيص كورقة لا ينظر له عند التقديم لدعم العمالة الذي يتطلب الموقع الطبيعي للرخصة (الرقم المدني للمنشأة) وهو بحد ذاته اعاقة نظرا لاحتكار الأراضي والعقار، ما يسبب ارتفاع بالاجارات ومنه تنتفي الجدوى الاقتصادية لصاحب العمل. الهدف ليس سباق بالمؤشرات العالمية بقدر ما هو ايجاد فرص للعمل وتحقيق الرخاء للانسانية.
3- ايجاد معايير ومؤشرات محلية تتم مراجعتها من وقت لآخر وتكون تحت اشراف لجان مختصة ومحايدة من قبل أكاديميين وأصحاب الخبرة من الجهات المعنية وتكون هذه المؤشرات متوافقة لحد ما مع المعايير العالمية مع مراعاة الثقافة المحلية. ينبغي علينا تحديد مؤشرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية واعلامية ومالية وتجارية وبشرية تقيس العمل والعلاقات والتفاعلات في المجتمع المحلي والإقليمي والعالمي والتعامل معها بجدية كأمن قومي.
4- انشاء نافذة الكترونية واحدة لجميع الجهات الحكومية يتم الرجوع اليها طبقا لمبدأ ومعايير مؤشرات الحكومة الالكترونية. لاشك أن الجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات يريد الإصلاح ويتحكم بالميزانيات ولكن هناك بعض الجهات مازالت تعمل منفردة ولا تريد التعاون خصوصا فيما يخص الخدمات الالكترونية والتي بسببها تأخر مؤشر الكويت الدولي.
5- الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية هدفه اشباع الحاجات الانسانية بأقل جهد ووقت وتكلفة وهو ما يعنى السهولة في ممارسة أنشطة الأعمال لذا تحسين بيئة الأعمال لا يمكن أن يتم بدون توحيد الجهود بين المواطنين والحكومة وتبني الخصائص السائدة في المجتمعات المتقدمة مع الحفاظ على ثقافتنا الوطنية. ندرة الموارد والتأثيرات بشتى أنواعها تدفعنا لتكثيف جهودنا للعمل كفريق واحد هدفه المصلحة العامة. المال وحده بدون معرفة لا يضعنا بالمقدمة، فالاستثمار برأس المال البشري كآلية محركة يحقق لنا البيئة الصالحة للاستثمار.
6- يجب تحديد الطرق الرسمية للاجراءات مسبقا وتوثيقها عند استحداث اجراء أو الغاء اجراء حتى لا يصبح عرفا مع الوقت. السياسات المتبعة يجب ألا تؤثر على سير الإدارة وأنشطتها التي تراه مواكبا للتطور التكنولوجي ومتماشيا مع المؤشرات العالمية. ينصح بأخذ الموافقة الرسمية خطيا قبل التصرف الاستثنائي ويجب زوال هذا الاجراء بزوال الظرف الاستثنائي وذلك مراعاة للوائح والأنظمة والاجراءات الإدارية المعمول بها. الانحراف الإداري هو خطأ إداري (متعمد، أو غير متعمد) ينتج عنه خلل في المال أو الجهد أو الوقت وقد تكون له منفعة مباشرة أو غير مباشرة أو معنوية. هناك الكثير من التداخل والتشابك في الرقابة الإدارية لهذا الانحراف الإداري وهو يقع ضمن سوء تقدير السلطة في الوظيفة العامة.
7- الشفافية داخل الجهاز الحكومي نفسه هي الطريق السليم لمعالجة السلبيات الموجودة في أي جهاز حكومي. للأسف بعض المسؤولين لا يعون ما يجري داخل إداراتهم. حين تأتي الرقابة عن طريق التواصل الاجتماعي فاعلم أن هناك خللا لدى الجهاز الحكومي. وأصبح المواطن هو الرقيب عبر التواصل الاجتماعي.
8- نسمع الكثير عن الارث القديم للفساد والحاجة للوقت الطويل للإصلاح عند كل وزير أو مسؤول حتى انها أضحت كمسمار جحا. لا نريد أن تصلح كل الانحرافات ولكن نريد تحقيق تقدم ملموس فقط يتوافق مع قدرات هذا البلد وحجم وعدد سكانه. فالكويت مقارنة ببعض دول العالم تعتبر قرية.
مكافحة الفساد
أتذكر هنا قول بيتر دراكر وهو أحد علماء الإدارة البارزين «لا تسطيع أن تدير شيئا لا تستطيع قياسه»، ويقول أيضا «ان عدم الفائدة والجدوى هو العمل بكفاءة لشيء لا ينبغي عمله»، وحينما نرى عدد المشاريع القرارات التي تم إلغاؤها أو تعديلها فاعلم أن هناك خطأ بالقرار والتخطيط.
وبنفس الوقت، نجد أن مديرة إدارة اعداد الخطط والبرامج في الأمانة المساعدة للتخطيط والمتابعة بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية تصرح بأن نسبة إنجاز خطة التنمية وصلت الى 70% ولنا وقفة هنا، فهذا الامر يذهب بنا تلقائيا الى موضوع الفساد، اذ لا يمكن أن نعزل مكافحة الفساد عن بيئة الأعمال. فمؤشر مكافحة الفساد للكويت هو 49%، بحسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2015، ومقياس المعيار هو 0% أي فساد كامل و100% عندما لا يكون هناك فساد، للأسف البعض لا يريد ذكر مقياس المعيار فيذكر 49% فقط ! بل يذكران هناك تحسنا بالمؤشر، وهو بلا شك تلاعب بالرأي العام وفساد بنفس الوقت عندما لا نوضح الحقائق للعامة بشفافية. فبالنظر الى ترتيب الكويت بمؤشر سهولة ممارسة الأعمال، نجدها بالمرتبة الـ 102 من 190 دولة وبقياسه عكسيا كنسبة% بترتيب الدول نجد أن نسبة الكويت هي 46% بالنسبة لـ 190 دولة، فيما نجد نسبة الصومال 0% لأن ترتيبها 190. وبما أن مؤشر نسبة الفساد بالكويت هو 49%، نجد أن النسبتين أقل من 50% وهو ما يتعارض مع نسبة إنجاز التنمية 70%، بحسب الأمانة المساعدة للتخطيط والمتابعة بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية. اذن هناك خلل بالخطة بسبب عدم وجود تناسب ما بين مؤشر بيئة الأعمال 46% ومؤشر الفساد 49% ونسبة إنجاز التنمية 70% المصرح به، وهذا يعني أنه حتى لو حققنا 100% من نسبة إنجاز الخطة، فلن تكون الكويت بالمراكز الأولى بل ستظل تراوح بالمراكز الوسط من بين الدول.