في محاولة لتحليل مستقبل أسعار النفط ومدى أثر العوامل الخارجية غير المرتبطة بكمية الإنتاج على هذه الأسعار نلحظ ان الأسعار هبطت الى دون ٥٠ دولارا بعد اقل من اسبوع اجتماع أوپيك وقرارها بتمديد خفض إنتاج النفط بمقدار 1.8 مليون برميل يومي.
فما الذي حدث؟ ان المتتبع للعوامل الأساسية ذات الأثر المباشر لأسعار النفط يجدها معطلة او غير ذات اثر محسوس، فالدولار ينخفض خلال ٦ أشهر من ١٠٣ الى ٩٦ نقطة والمخزون الأميركي يهبط ٢٤ مليون برميل من أبريل (من ٥٣٥ الى ٥٠٩ ملايين برميل) بالإضافة الى خفض أوپيك 1.5 مليون برميل يومي فعلي ورغم ذلك لا نجد قفزات ملحوظة (معتاد عليها) في سعر برميل النفط.
لكن الملاحظة الإيجابية في منحنى أسعار خام برنت وتكساس المتوسط نلاحظ خلال السنة (من مايو ٢٠١٦) ان السقطات القاعية للنفط ترتفع قبل ان تقفز الى أعلاها فنجد قاع سعري يستغرق شهر قبل ان يرتفع ٦ الى ٨ دولارات مرة أخرى. فنلحظ ان بين قاع وآخر مدة تمد الى شهرين ونحن حاليا في احد القيعان التي تمد أسبوعا آخر قبل ان يقفز الأسعار مرة أخرى.
السؤال الذي يطرح ان لم تكن العوامل الأساسية الحالية مؤثرة (نتيجة التخمة النفطية). فما هو المؤثر المباشر؟
أرى ان الإعلام الاقتصادي، المرتبط بسوق المضاربات، للنفط هو المؤثر المباشر في الفترة الحالية. فنجد خلال السنة (مايو ٢٠١٦) المؤسسات الاقتصادية تداولت الجانب النفطي بمبالغة في بعض المؤثرات.
فبعد تضخيم مستقبل منتجي النفط الصخري نجد خروج شركات وتقليص النشاط الاستثماري لأخرى.
تطرح المؤسسات الاقتصادية تحدي جديد وهو الغاز الصخري ومدى أهميته لمصدر طاقة بديل عن النفط الأحفوري، ثم تنتقل بعد فترة أخرى الى النفط التقليدي العميق وهبوط سعر برميله الى ٥٠ دولارا في ٢٠٢٠!! رغم انه استثمار بطيء وحذر في استثماره وطويل الأمد في خليج المكسيك، ثم تضخيم خبر مشروع بيع ٢٧ - ٥٠% من المخزون الاستراتيجي الأميركي (٦٨٠ مليون برميل- SPR) رغم انها عملية إجرائية فنية طبيعية وقرار البيع ليس آنيا بل على مدى ١٠ سنوات قادمة وتستوجب موافقات إجرائية - الكونغرس الأميركي، وضجة بيع أراض حكومية (بدل نظام الإيجار - Royalty) والتي منها محمية «ألاسكا» لشركات النفط للاستكشاف فيها رغم انه مشروع طويل الأمد، وآخرها تضخيم خبر خروج الولايات المتحدة عن منظومة باريس للبيئة.
وكل هذه التطورات توحي بأن هناك فائضا للنفط إضافيا قادما خلال سنة يتحدى خفض الانتاج لمنظمة أوپيك.
والغريب ان أغلب هذه التقارير تطرح مع نهاية الأسبوع، حيث هبوط الأسعار وتوقفها في الهابط الى ان تستوعب التقارير الى منتصف الأسبوع والذي ايضا له علاقة مع فتح أسواق آسيا الذي لنا رأي فيه نعرضه مستقبلا. في نهاية الأمر هو أسلوب مضاربي يعطي للمضارب في أسواق الأسهم فرصته للشراء والبيع فهو في صالح المضارب أكثر منه للمنتج.
لماذا يتفاعل سوق أسعار النفط آنيا مع تقارير مؤسسات الاقتصادية رغم هشاشتها فنيا؟
يمكن تصنيف تفاعل المضاربين في أسواق بيع النفط الى ثلاثة أصناف:
١ ـ جهل المضارب بتفاصيل الأمور الفنية فيتخذ الموقع الآني للبيع او الشراء فمثلا حين ينتشر خبر بيع جزء من المخزون الاستراتيجي الأميركي - الذي سابقا يؤدي الى ارتفاع الأسعار حيث كان مؤشرا الى تقلبات جيوسياسية او نقص حاد في العرض - أما اليوم فبيعها يعني إضافة جديدة للعرض ومن ثم تخمة ورغم ان عرض بيع المخزون الاستراتيجي يسبقه إجراءات قانونية والبيع على مدى عشر سنوات إلا ان المضارب يتخذ موقفا آنيا الى ان يستوعب التفاصيل وقس على ذلك العوامل الأخرى.
٢ ـ صنف مضارب البيع والشراء والتحوط يهتم كثيرا بأخبار وتقارير المؤسسات ولا يهتم بمنطقيتها فهو بين البيع والشراء وتساعده المؤسسات الاقتصادية بذلك في شعار «اشتر بالإشاعة وبع بالخبر» (buy the Rumor and sell the News) فتذبذب الأسعار من صالحه (volatility).
٣ ـ صنف المضارب الجيوسياسي، يغلب على أسلوب «أوپيك»، المنتج، في التعامل مع السوق فتوتر العلاقات السياسية بين دول الأعضاء وغموض الهدف بين الأعضاء هو عامل ضعف لمشروع خفض
الإنتاج. فنجد الوزراء مختلفين في تصريحاتهم في أهداف المنظمة مما ينتج ثغرات في مشروع الاتفاق يؤدي الى بطئ فعاليته. فنرى من الوزراء من يتكلم مباشرة عن زيادة الأسعار وتوقيتها وآخر يتكلم عن توازن السوق وآخر عن تشجيع استثمار النفط وغيره عن تقليص تذبذب السوق!!! هذا التفاوت في الأقوال قد يعكس اهتمام الدولة نتيجة ظروف اقتصادية معينة ولكنها لا تعكس بعد نظر للمنظمة ولا تساعد على عودة اتزان السوق الذي يجب أن يكون هو المعيار والأولوية في نهاية الأمر، فبها تعود الأساسيات وتختفي المفاجآت المتعبة.
تقييم تعامل «أوبك» مع تخمة المعروض
اعتمدت أوپيك في تسويق منتج الخام على التحكم في الإنتاج والتصدير بالتركيز لآسيا وعلى رأسها الصين بالإضافة الى ذلك استثمرت في مخازن عملاقة فيها، مما قفز في مخزونها الاستراتيجي بين ٢٠١٥ و٢٠١٦ من ٤٩١ ألف برميل الى ١٠٢ مليون برميل (هذا يعني ان ١٥% من وارداتها كان للتخزين). ويأتي بعد الصين دول التعاون الاقتصادي والتطوير (عدا خزانات الولايات المتحدة العملاقة) حيث تخزن ٣٥-٤٥% من واردات «أوپيك» (التي ترجع إليها أوپيك مخزون ٥ سنوات التوازن!!). ورغم ان استراتيجية «أوپيك» النفطية مع آسيا كجهة استثمارية هي استراتيجية ناجعة إلى الآن ذلك لم يكف لجدوى التسويق ولم يسعفها كثيرا في توازن السوق.
الرسالة هي ان حقيقة الإعلام الاقتصادي من قبل مؤسسات ووكالات أسواق النفط هي المحرك الأساسي حاليا لحركة أسواق النفط وهي، في الوقت نفسه، عقبة في تحقيق عودة التوازن. و«أوپيك» ينقصها الإعلام الناجع لمواجهة تقارير المؤسسات الاقتصادية المبالغة بها والتي هي أقرب الى الإشاعة منها الى المعلومة.