قال تقرير الشال إن تقارير وكالات التصنيف الائتماني تقارير فنية جيدة، ولكنها ضارة إذا لم نحسن معرفة غرضها وحدود وأهمية محتواها للدولة المعنية بالتقرير.
وأضاف «الشال» أن التقرير الموجه إلى جمهور المقرضين والمتعاملين ماليا وتجاريا مع الدولة، ومداه الزمني محدود بمدى التزامات الدولة المدينة، لذلك هو تقرير حول الملاءة المالية على المدى المتوسط، وهو غير معني بحصافة السياسات الاقتصادية واستدامتها.
ونفعه محصور في تسهيل معاملات الدولة المعنية المالية مع عملائها في الخارج، وإن حصلت الدولة على تصنيف سيادي جيد، أفادها في خفض تكاليف ذلك التعامل، وأهمها مستوى الفوائد على تمويلاتها لكل من قطاعيها العام والخاص.
وحصول الكويت على تصنيف سيادي «AA» مع نظرة مستقبلية مستقرة يحقق هذا الهدف، وتأكيد ذلك التصنيف الجيد رغم تفاقم الأحداث الجيوسياسية، يجعل نفعه أكبر.
ويتضح انفصام أهداف التقرير المالي عن أهداف الدولة الاقتصادية عندما تقوم الوكالة بتحديد سعر التعادل للموازنة العامة بنحو 50 دولارا للسنة المالية الحالية.
فأحد أهم مبادئ علم المالية العامة، والتي ينبني عليها مبدأ استدامتها واستدامة الاقتصاد من عدمها، هو اعتمادها على مصدر تمويل مستدام، أي حصيلة نشاط اقتصادي مستقر ومستمر مثل الضرائب في الاقتصادات التقليدية، ومثل دخل الاستثمار في حالة الكويت.
فعند احتساب الوكالة لسعر التعادل في الموازنة العامة، احتسبت كل إيرادات بيع النفط، وهو بيع أصل وليس إيراد مستدام، واحتسب كل إيرادات الاستثمارات الخارجية معه، وهو خلط مخالف لمبادئ علم المالية العامة، ومن دون اقتطاع ما يحول لاحتياطي الأجيال القادمة، أي ضريبة استهلاك أصل زائل، أو مخصص وهو أضعف الإيمان.
من وجهة نظر دائن للكويت، هذا الخلط صحيح، فاهتمامه مركز على كل ما يمكن أن تحققه الكويت من إيراد من العملة الصعبة إلى مدى حدود التزامه معها وتحصيله مستحقاته، لأنها مجبرة على استخدام كل تلك الحصيلة لمواجهة تلك الالتزامات.
ومن وجهة نظر الدولة واستدامة اقتصادها ومعه استقرارها، تصبح خلاصته مضللة وخطرة إن فهمت تصنيفاته على أنها دليل على متانة وسلامة اقتصادها.
فحتى وقت قريب، اعتمدت الكويت مصدرا زائلا في تمويل نفقات عامة جارية خربت تنافسية الاقتصاد وإنتاجية رأسماله البشري.
والتحولات الأخيرة في سوق النفط، وضعت سقفا هابطا وطويل المدى على أسعار النفط، مع ضغوط مستمرة وإلى الأدنى على مستوى إنتاجه، وتوجه محموم لاستبداله بطاقة مستدامة ونظيفة، بينما ارتفعت نفقاتها العامة 5 أضعاف في 17 سنة.
وإن أسقطنا بعض الماضي على المستقبل، ومع متطلبات الضرورة لزيادة النفقات العامة، يصبح الوضع الاقتصادي والسياسي غير مستدامين ما لم نستبقه بسياسات مالية واقتصادية حصيفة.
وضع الاقتصاد الكويتي صعب
رأى تقرير الشال أن توقعات النمو للاقتصاد العالمي والاقتصادات القطرية تختلف بين مصدر وآخر، ذلك الاختلاف هو حال تقريري الشقيقين «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي»، رغم التشابه في نظرتيهما التفاؤلية مؤخرا.
مصدر ثالث يختلف معهما، حيث تغيب عن تقريره تلك النظرة التفاؤلية المستقبلية لأداء الاقتصاد العالمي، فآخر تقارير وحدة المعلومات الاقتصادية لمجلة «الإيكونوميست» -أكتوبر 2017- تقدر نموا في عام 2017 وسطا بين المؤسستين، ومستقبلا أي لعام 2018 دون تلك المقدرة من قبل المؤسستين الماليتين الدولتين، حيث تتوقع نموا أدنى من الصندوق للاقتصاد العالمي في 2017، وتقدره بنحو 2.9% مقابل 3.6% لـ«صندوق النقد الدولي» ولكنه أعلى قليلا من توقعات «البنك الدولي» البالغة 2.7%، وتخفض توقعاتها لأداء عام 2018، وتقدره بحدود 2.7% مقارنة بنحو 3.7% لـ«صندوق النقد الدولي» ونحو 2.9% لـ «البنك الدولي».
ويبقى الاختلاف الملحوظ في تقديرات المؤسسة نفسها بين تقرير وآخر لا يفصلهما سوى بضعة أشهر، والاختلاف بين تقارير المؤسسات عن بعضها بعضا، له مبررات منطقية، مثل ارتفاع حالة عدم اليقين منذ تبعات الأزمة المالية العالمية في 2008، ومبررات أخرى غير متوقعة، مثل التحولات السياسية، ومن أمثلتها انتخاب الرئيس الأميركي ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعنف الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والأزمة مع كوريا الشمالية.
وفي دول النفط، ولمزيج من المبررات المذكورة عاليه، تتأثر بعامل انتكاس سوق النفط بدءا من خريف عام 2014، وعليه، أصبحت الأكثر عرضة لارتفاع حالة عدم اليقين، ومعها باتت الأكثر حاجة لمعرفة حجم التحديات الناتجة عنها بما يتطلبه ذلك من تغيير جوهري في نهجها وإدارتها.
وباختصار، الأوضاع الاقتصادية في البلد صعبة، يفاقم منها الوعي بأن انتكاسة سوق النفط ليست قصيرة الأمد، وأن لأحداث العنف الجيوسياسية واحتمالات توسعها تكلفة محتملة ضخمة، وأن السياسات العامة في البلد، إما لا تعي أو لا ترغب في فهم متطلبات وتداعيات المستقبل، لذلك هي تعمل في اتجاه معاكس لتحقيق هبوط آمن للبلد.
والمؤشرات الأولى توحي بأن مجلس الأمة أو بعض أعضائه لديهم من المقترحات الشعبوية، ما يكمل متطلبات تبني أسوأ سيناريو، فالمقترحات أو الأولويات المنشورة لبعض النواب حول التقاعد المبكر وإلغاء فوائد قروض التأمينات وإلغاء خفض الدعم عن بعض السلع والخدمات، كلها مكملات للتعجيل بزمن اصطدام البلد بالحائط.