- في عصرنا الحديث لم يعد اتجاه الدول للإفلاس أمراً سرياً أو «يدبر بليل»
أصبحت الاضطرابات الاقتصادية أمرا متكررا في الكثير من الدول، بما يدفع الكثير منها للاستدانة، ومع عجزها عن السداد تبدأ رحلة «إعادة جدولة» الديون، والتي تعني بالأساس عجز الدولة عن سداد ما عليها من التزامات في المواعيد المقررة، وإذا ساءت الأمور بصورة أكبر تضطر الدولة للتوقف عن السداد وتعلن إفلاسها.
والامر التقليدي هو «إعلان الحرب» على الدولة التي تمتنع عن السداد أو الاستيلاء على قطعة من أراضيها أو الأراضي التي تحتلها كمقابل، وعلى سبيل المثال اضطر «نابليون بونابرت» بعد هزائم عسكرية مني بها إلى التوجه إلى الرئيس الأميركي الأسبق «توماس جيفرسون» للحصول على أموال تنقذ بلاده من الإفلاس مقابل حصول الولايات المتحدة على أراضي في أميركا الشمالية، وذلك نظير قرابة 350 مليون دولار فقط بأسعار الزمن الحالي.
أما في عصرنا الحديث، فلم يصبح اتجاه الدول للإفلاس أمرا سريا أو «يدبر بليل»، في ظل وجود تقديرات واضحة لأوضاع الدول الاقتصادية ونسبة الديون للدخل القومي وما إلى ذلك، ولذلك بدأت رحلة إفلاس الأرجنتين عام 2001 عندما عانت من ديون بلغت 81 مليار دولار وعرضت حينها سداد الثلث فقط لكل دائنيها لكن عرضها قوبل بالرفض، لتسقط عنها 93% من الديون لاحقا بين عامي 2010-2015.
وعانت الأرجنتين طويلا نتيجة ذلك، حيث لم تتمكن من شراء أي سلع بالأجل، أو بالتقسيط، بما في ذلك السلع الاستراتيجية والغذائية، بين عامي 2001-2015، حتى تمكنت من التوصل لاتفاق مع الدائنين في عام 2016 لتعود مجددا لسوق السندات العالمي، غير أنها اضطرت لإصدار السندات بأسعار فائدة تفوق المتوسط بدرجة ملحوظة لإغراء المستثمرين باستعادة الثقة في السندات الحكومية.
إفلاس اليونان
أما في اليونان فقد كانت التأثيرات المباشرة للإفلاس أكثر وضوحا، حيث اصبحت المدن اليونانية مدن الأشباح في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة إفلاسها، ولم تعد الشرطة تعمل وتوقفت الخدمات الحكومية بكل أشكالها، وتوقفت محطات الوقود ونفد الطعام والدواء لتكالب الناس عليها.
وكثرت الاتهامات الموجهة لمجموعة «الترويكا»، بالتحرك لإنقاذ الحكومة اليونانية إبان إفلاس الأخيرة، وعدم الاهتمام بالناس، غير أن الحقيقة تتمثل في تمويل ألمانيا تحديدا للمشتريات الضرورية للحكومة اليونانية لبضعة أشهر وضمانها لديون الأخيرة أيضا، حتى أصبحت أثينا قادرة على تمويل مشترياتها. وتختلف حالات الإفلاس وفقا لاختلاف نسب الديون بالعملة المحلية إلى العملة الأجنبية، فالأرجنتين «مثلا» عانت من ديون أكثر من 70% منها بالعملة الأجنبية، وبالتالي اضطرت الحكومة للضغط على العملة المحلية كثيرا، مما أدى إلى اعتبار «البيزو» الأرجنتيني ضمن أكثر العملات تقلبا خلال العقد الأخير.
أما في الحالة اليونانية فإن الديون كانت باليورو أو بالدولار، واليورو، مما قلل كثيرا من «القلق» حول تدهور العملة المحلية لارتباطها باقتصاد مجموعة اليورو القوي ككل.
وفي كل حالات الإفلاس كانت هناك «انعكاسات سياسية» للتراجع الاقتصادي، فإسبانيا سقطت كدولة عظمى بعد إفلاسها اقتصاديا بفترة وجيزة وبدأ عهد التنافس الإنجليزي- الفرنسي عالميا، و«نابليون» خسر أهم معاركه الحربية، واليونان ملزمة ببرامج للإنفاق الاقتصادي يراقبها الاتحاد الأوروبي لضمان إعادته لحوالي 270 مليار دولار من الديون، أما المكسيك فالتزمت بتحالف غير مشروط استمر عقودا مع الولايات المتحدة، بينما عانت الأرجنتين من اضطرابات سياسية طويلة بعد إفلاسها.