- نريد التشابه مع سنغافورة وهونغ كونغ.. وأمامنا تحديات «غوادر» و«نيوم» ودبي
- منافسة كبيرة مع مراكز مالية عالمية تحيط بالكويت من كل جانب
محمد عواضة
يبدو أن الكويت بدأت في اتخاذ خطوات جادة للتخلص من عقدة الاعتماد على النفط من خلال تطوير وتنمية الجزر الكويتية بهدف إنشاء مركز مالي وتجاري ولوجيستي عالمي على شاكلة الجار القريب (دبي).يقضي المشروع الكويتي بإنشاء مناطق اقتصادية عبر الاستفادة من 5 جزر كويتية، وذلك ضمن خطة التنمية التي أقرها مجلس الوزراء عام 2014، وتمتد حتى العام 2020، وتتضمن إنفاق ما يصل إلى 112 مليار دولار.وهذه الجزر هي: وربة، وبوبيان، وفيلكا، ومسكان، وعوهة، وستكون هناك منطقة متعددة المجالات بمنزلة بوابة اقتصادية وثقافية لمنطقة شمال الخليج والكويت.وتمتد الجزر الكويتية على آلاف الكيلومترات المربعة، والقريبة من مشروع «مدينة الحرير» الذي تنشئه الكويت في منطقة «الصبية»، على مساحة تقدر بـ 250 كيلومترا مربعا، ومن المتوقع أن يستغرق تشييدها 25 عاما بكلفة تقدر بنحو 86 مليار دولار، والذي يعتبر مقدمة مشاريع (كويت 2035) بل أضخم مشروع واجهة بحرية من شانه وضع البلاد على الخريطة الاقتصادية والاستثمارية والسياحية في العالم.
الجزر في قلب خطة التحول الاقتصادي «كويت جديدة 2035» التي ستضمن تنوعا اقتصاديا وسياحيا وتجاريا كخطوات على طريق تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
ولكن الطريق لن يكون مفروشا بالورود، فالمعوقات البيروقراطية الحكومية والاختلاف في الرأي المتاح عبر القنوات التشريعية قد يؤخران وتيرة التنفيذ، ولا يتوقف الأمر على ذلك، وانما التحدي الأكبر امام نجاح تطوير الجزر يأتي من خارج الحدود حيث المنافسة مع مراكز مالية عالمية تحيط بالكويت من كل جانب.
تحول بوصلة الاقتصاد
الخطة الكويتية في تنمية الجزر تقضي بإنشاء مناطق اقتصادية حرة على جزر قريبة من شواطئ العراق وإيران وتحويلها في زمن قياسي من يابسة خالية الى واحة مفعمة بالحياة يزورها أو يمر بها ملايين السياح من كل انحاء العالم، وفتحها لأبواب الاستثمارات للشركات الخاصة المحلية والإقليمية والدولية، وهي من أبرز المشاريع الواعدة ضمن رؤية كويت جديدة 2035.
ويبدو أن هذا التوجه الكويتي ليس محليا فقط وإنما يشمل كل دول الخليج النفطية في تنويع اقتصادياتها، فالسعودية أطلقت مشروعها الواعد «نيوم»، وسبقتها الى ذلك دبي التي بدأت التحول لاقتصاد خالٍ من النفط منذ سنوات، وأخيرا قطر التي افتتحت ميناء حمد في جنوب الدوحة، وهو أحد أكبر وأحدث موانئ المنطقة، ومن المتوقع أن يستحوذ على أكثر من ثلث تجارة الشرق الأوسط، وأن يوفر أكثر من 200% من احتياجات السوق المحلية، لتسير بذلك على خطى دبي لتكون مركزا تجاريا وماليا في المنطقة.
ومنذ زمن طويل هناك دعوات من المختصين في الاستثمار، والمهتمين بالاقتصاد وبالسياحة المتخصصة لتسليط الضوء على الجزر الكويتية المهملة، ومناشدة المسؤولين للعمل الجاد على استثمارها، لتحويلها الى هونغ كونغ التي أصبحت في وقت قياسي مركزا لوجستيا تمر به تجارة العالم ومركزا ماليا وبورصة عالمية للسلع والأسهم، وهي تشبه الكويت في صغر مساحتها وموقعها المميز.
على قدر أهل العزم
«على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، تلك الحكمة التي تنطبق على اهتمام القيادة الكويتية بمشروع الجزر، ولهذا كلفت الحكومة النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الشيخ ناصر صباح الأحمد بالإشراف على جهاز تطوير مدينة الحرير وجزيرة بوبيان ومشروع الجزر الكويتية التي تعد من ضمن المشاريع الواعدة. والذي يعتمد على الاستغلال الأمثل للمشاريع القائمة على الجزر، ومنها مشروع ميناء مبارك الكبير، وفيلكا، فضلا عن الاعتماد على أفضل السبل والممارسات العالمية الرائدة في المجال الاقتصادي، والدروس المستفادة من تطبيق مشاريع مشابهة في إعادة تأهيل المدن الاقتصادية العالمية.
التنوع.. مسار إلزامي
ويعول على الشيخ ناصر صباح الأحمد شريحة كبيرة من الكويتيين في أن ينقذهم من اقتصاد معلّق على مصدر واحد منذ قرون في مهمة لا يحسد عليها بعد أن أعطي له الضوء الأخضر وثقة من أعلى السلطات، مما يجعل منه متحمسا لإنجاز رؤية صاحب السمو لبلوغ طموحات الكويت بأن تكون مركزا تجاريا وماليا اقليميا وربما عالميا.
وهنا نستذكر كلمة الشيخ ناصر إبان توليه رئاسة الديوان الأميري عندما قال: ان فكرة تطوير مشروع الجزر انطلقت من مبدأ أساسي هو جغرافية المنطقة وموقعها الاستراتيجي، لاسيما أنها تقع على أهم وأعظم الحضارات التي عرفتها الإنسانية، منها حضارة ما بين النهرين وحضارة إيلام في إيران إضافة الى شط العرب الذي يقع بينهما. كما ذكر في مناسبة أخرى خلال «ملتقى الكويت للاستثمار ٢٠١٨» أن الناتج المحلي الإجمالي الذي من الممكن أن توفره الجزر نحو 35 مليار دولار سنويا، إضافة إلى توفير نحو 200 ألف وظيفة، وذلك حسب دراسة أولية.
وكان قد أعرب الشيخ ناصر في إحدى جلسات مجلس الأمة عن تطلع الحكومة الى استقطاب مشروع تطوير جزيرة بوبيان ومنطقة الحرير استثمارات بـ 450 مليار دولار في حال توفير المناخ القانوني المناسب للمستثمر.
«بوبيان» سنغافورة جديدة ولكن
حديث الشيخ ناصر عن أهمية الجزر الكويتية في تطوير الاقتصاد، يرسم ملامح الكويت المستقبل، في حال نفذ المشروع- الرؤية الهادف إلى تطوير مناطق تدر المليارات عبر انشاء مشاريع جاذبة للاستثمارات العالمية بسبب مواقعها الحيوية تفوق مساحاتها دول ذات قوة اقتصادية كما هو حال جزيرة بوبيان التي تقدر مساحتها بـ 890 كم مربعا وهي أكبر من مساحة سنغافورة، ورغم ذلك لم يستفاد منها.
وتعد سنغافورة صغيرة الحجم بجنوب شرق أسيا رابع أكبر مركز مالي عالمي وخامس أنشط ميناء في العالم، وقد رسمت تجربة اقتصادية فريدة لتصبح أكثر دول العالم تطبيقا للعولمة والانفتاح الاقتصادي في العام 2006 وتخرج من الأزمة الاقتصادية محققة اسرع معدل نمو اقتصادي عالمي في 2010 والذي تخطى 17%.
وهنا تتشابه الجزر الكويتية في موقعها الجغرافي المميز مع سنغافورة التي تجاور الصين حيث تقف الجزر الكويتية في قلب منطقة تعج بتجارة النفط وسفن الشحن وحولها اقتصاديات غنية كثيفة الاستهلاك وتجمع مئات ملايين البشر في ايران وتركيا وغيرها من الدول.
دبي.. نموذج خليجي ناجح للتنوع الاقتصادي
في الواقع، ثمة اشكالية مطروحة في مدى قدرة الكويت على الالتحاق بما وصلت إليه إمارة دبي التي أدركت منذ عقود أنها لن تتمكن من الاعتماد على النفط، فسبقت كل جيرانها الخليجيين الذين بدأوا حديثا يخطون خطوات فعلية نحو التنوع الاقتصادي، وأعطت ميزة جغرافية استراتيجية للشركات، من خلال إنشاء ميناءين تجاريين رئيسيين وهما ميناء راشد وميناء جبل علي، ويعد الأخير الأكبر في الشرق الأوسط، وهو موطن لأكثر من 5 آلاف شركة من 120 بلدا.
«غوادر» نقطة قوية على طريق الحرير
ومع ذلك، تزامن استعداد الكويت باستغلال جزرها ببروز ميناء غوادر في جنوب غرب باكستان والذي استأجرته الصين لمدة 40 عاما، لهدف توجيه بضائعها إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط من هذا الميناء المطل على بحر العرب في مضيق هرمز والذي تعبر منه ثلث تجارة النفط العالمية، مستفيدة باكستان من عمق مياهه وصلاحيته لاستقبال السفن الكبيرة.
كما يقع «غوادر» ضمن خطة الحزام البري الصيني لإيصال بضائعها إلى أوروبا والعالم ليكون منافسا خطيرا لدبي أولا، والكويت لاحقا (في حال طبقت حلم الجزر)، حيث يعتبر الميناء موقعا استراتيجيا يمنح الصين ووسط آسيا إمكانية الوصول إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط، ولا ريب أنه سوف يصبح البوابة الرئيسية البحرية لآسيا الوسطى.
ويعتقد العديد من المحللين الاقتصاديين أن «غوادر» هي دبي أخرى ناشئة على خريطة العالم، والأمر المقلق هنا تأثيرها الاستراتيجي على دبي، وربما الكويت التي سيكون أمامها تحد اخر غير جيرانها الخليجيين.
«نيوم» مشروع عابر للحدود
وفي وقت تبني فيه الكويت مشروعها المستقبلي، تظهر المشاريع المنافسة مثل مشروع «نيوم» الذي اطلقته السعودية كمشروع عابر للحدود يربط بين المملكة والأردن ومصر ويمتد 460 كلم على ساحل البحر الأحمر، ومن المتوقع أن يستقطب المشروع السعودي أبرز الشركات العالمية ويكون أهم واجهة سياحية في المنطقة. وهذا المشروع الذي يقدر حجمه بـ 500 مليار دولار أو نصف التريليون لا شك أنه سيكون تحديا ضخما أمام المشاريع الكويتية المستقبلية.
التميز والتكامل
لا شك أن ظهور هذه المشاريع الإقليمية والدولية المنافسة للمشروع الكويتي، يفترض أن ينظر لها كفرصة أيضا وليس كتحديات مباشرة. ففي الغالب الدول الصغيرة تستفيد من فرص الكيانات الضخمة لتصنع مشاريع تتميز بها عنها أو تتكامل بها معها، فالمشاريع الجديدة ستزيح ـ ربما ـ دبي، وستخلق حاجات جديدة قد تؤمنها الكويت. فغوادر هو مشروع طموح للصين، وقد تكون الجزر مناطق اقتصادية حرة لبعض الشركات الصينية، أو قد يكون «نيوم» فرصة للكويت لان تستفيد من كيان عملاق يتشكل بجانبها لترى أين يمكن التكامل معه.
المنافسون في المنطقة
«حمد».. نافذة السوق القطري
أحد أكبر وأحدث موانئ المنطقة ويتوقع أن يستحوذ على أكثر من ثلث تجارة الشرق الأوسط
«جبل علي».. الأكبر بالشرق الأوسط
أكبر ميناء بحري في منطقة الشرق الأوسط يؤمن نفاذاً إلى أسواق أكثر من ملياري شخص
«غوادر» .. المنافس الأقوى
يطل على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز ويعتبر نقطة تجارة محورية على طريق الحرير