دائماً ما كنا نتساءل وبالأخص الأجيال التي عايشت الفترة الانتقالية، ما الذي طرأ حتى أصبحت المنتجات الصناعية الثقيلة كالآليات والسيارات والمنتجات الصناعية الخفيفة كالأجهزة المنزلية وباقي أنواع الأجهزة أقل جودة ومتانة من السابق بالرغم من أنها أكثر تطورا وأكثر تحديثا وأعلى تقنية ومواصفات، ولماذا أصبح عمرها الافتراضي أقل، بالرغم أن المنطق يفترض أن تكون أكثر جودة مع تطور الامكانيات وزيادة القدرات الصناعية، وما هي الأسباب التي كانت وراء متانة الأجهزة القديمة واستمرارها لسنوات طويلة؟ وما هو المانع في أن تكون جودة الآليات والأجهزة مترافقة ومتلازمة جنبا إلى جنب مع تطورها التقني المتسارع أو بالحد الأدنى أن تبقى كما كانت في السابق من ناحية الجودة والمتانة بدل أن تتراجع؟
الجواب على هذه التساؤلات يستوجب منا النظر إلى ظروف الدول الصناعية المنتجة سابقا ولاحقا، وإلى الأسباب التي كانت وراء اعتمادها هذه المبادئ الصناعية المتناقضة في المرحلتين، وما إذا كان هذا الاعتماد هو عن سابق إصرار وتصميم أو أن الظروف التقنية والتسويقية المختلفة هي التي فرضته؟ وأولى هذه الدول الصناعية التي يفترض منا النظر إليها وإلى الظروف التي كانت سائدة فيها هي الولايات المتحدة الأميركية، التي اعتمدت البحث العلمي وتفرغت من خلاله لتطوير صناعتها الخفيفة والثقيلة في بداية ما عرف بالثورة الصناعية التي نتج عنها ازدهار صناعي كبير، حيث اشتهرت صناعاتها على مستوى الجودة والمتانة والعمر الافتراضي الطويل، بالوقت الذي انشغلت به أوروبا وسائر الدول الصناعية في العالم بالحروب العالمية والصناعات العسكرية في مطلع القرن الماضي. ولا شك أن ما عُرف «بالكساد الكبير أو العظيم» الذي ضرب الولايات المتحدة الأميركية وشركاتها في ثلاثينيات القرن الماضي والذي أدى إلى أزمة اقتصادية كبيرة وأزمة بطالة وتسبب في إقفال عدد كبير من المصانع والشركات وشرد أعدادا كبيرة من الموظفين شكل هاجسا وكابوسا مرعبا عند الكثير من الشركات العالمية والدول الصناعية، أما أسباب هذا الكساد فهو طريقة عمل النظام الرأسمالي مطلق الحرية وقتها وما نتج عنه من فوضى صناعية (قبل أن يصبح نظاما رأسماليا موجها قائما على التخطيط فيما بعد) من جهة، ومن جهة أخرى العمر الافتراضي الطويل والجودة العالية للبضائع التي كانت وراء ارتفاع أسعار اليد العاملة الأميركية الماهرة، وبالتالي ارتفاع كلفة الصناعة وزيادة المنافسة خاصة مع الدول الأوروبية (بعد نهاية الحرب العالمية الثانية).
أما من ناحيتها فبعد الحرب التي دمرت اقتصادها بفترة قصيرة عمدت اليابان، الدولة التي كانت تعتمد على الصناعات الخفيفة، إلى شراء رخص الإنتاج والتقنيات الأميركية وعملت على تطويرها، وبالرغم من فرض رقابة قاسية لمعايير الجودة على صناعاتها استطاعت اليابان أن تتخطى هذه الرقابة من خلال اعتمادها على البحث العلمي لتطوير ما تم شراؤه من تقنيات أميركية، وتميزت باعتمادها أسلوب «الجودة والنوعية» من خلال إجراء الفحص والتجربة لكل منتج يخرج من مصانعها على حدة تفاديا للعيوب المصنعية، وأظهر اليابانيون قدرة فائقة في هذا المجال، حيث تطورت صناعتهم تطورا كبيرا وخطت خطوات سريعة وجبارة، واحتلت حيزا كبيرا من الأسواق العالمية بسبب الجودة العالية والكلفة الأقل بعد أن غزت البضائع اليابانية الأسواق الأميركية نفسها، لاحقا وبعد فوات الأوان شعر الأميركيون بفداحة الخطأ الذي ارتكبوه من خلال بيعهم التقنيات والرخص الصناعية إلى اليابان الأمر الذي تسبب في زيادة المنافسة معها، وفيما بعد برر الأميركيون بيعهم للتقنيات بدعوة اعتمادهم مبدأ «نحن نريد الآن أن نبيع حليبا أكثر من أن نبيع بقرا» بمعنى أنهم يريدون بيع التقنيات أكثر من بيع البضائع نفسها، لكن ومع تطور اليابان صناعيا ارتفع مستوى الدخل فيها بشكل لافت وارتفعت معه قيمة العملة وكلفة اليد العاملة المحلية، وزادت كلفة الإنتاج، ومعها زادت المنافسة الخارجية، وتفاقم الوضع وصولا إلى أزمة عام 2008 حيث أعلنت الحكومة اليابانية عن انتهاء أطول فترة ازدهار اقتصادي في البلاد نتيجة الأزمة الاقتصادية وانخفاض القدرة على الشراء، ومعها استشعر اليابانيون خطر وقوعهم بكساد مشابه «للكساد الأميركي الكبير» حيث لجأوا إلى عدة خطوات تجنبا لذلك، أولى هذه الخطوات هو اعتماد أسلوب تجميع بضائعهم في الخارج حيث كلفة اليد العاملة أقل، لكنها أيضا أقل مهارة وأقل إتقانا وبالتالي أثرت هذه الخطوة على مستوى الجودة، ومن جهة ثانية اعتمدوا كما أكثر الدول الصناعية الأخرى على مبدأ العمر الافتراضي المحدود نسبيا للأجهزة وقطع الغيار، لتأمين استمرارية المصانع واستمرارية الإنتاج والبيع، على سبيل المثال بدل أن تستبدل سيارتك كل 5 أو 6 سنوات فإنك ستضطر إلى استبدال معظم قطع السيارة خلال هذه الفترة بسبب انتهاء عمرها الافتراضي، وهنا يبدو واضحا تأثر معظم الدول الصناعية بالمبدأ الأميركي القائل «نحن نريد أن نبيع حليبا أكثر من أن نبيع بقرا» (فالبقر يمثل السيارات والآليات والأجهزة، والحليب يمثل قطع الغيار). إذا شكلت الجودة العالية أحد أسباب الكساد الذي ضرب الولايات المتحدة لأنها ساهمت في دوام الأجهزة والآليات لفترات زمنية طويلة، الأمر الذي انعكس سلبا على الشركات والمصانع المنتجة لأن المطلوب لاستمرار الإنتاج استمرارا في البيع وفي التصريف، وهذا يفترض زيادة في الطلب ويستوجب المبادرة إلى خطة تدفع المستهلك لاستبدال الأجهزة والمنتجات الصناعية وشراء الجديد منها، كذلك فإن الجودة العالية كانت سببا رئيسيا في زيادة الطلب على المنتجات اليابانية وارتفاع دخل الفرد فيها، وبالتالي تسبب بارتفاع الكلفة التي أدت بدورها إلى الاستعانة باليد العاملة الخارجية الأرخص أجرا، الأمر الذي أثر على مستوى الجودة وزاد من إمكانية منافستها، (خاصة من كوريا الجنوبية، والصين الدولة التي تحوي أهم مصانع تجميع بالعالم)، بالإضافة إلى العمر الافتراضي المحدود وتجميع البضائع في الخارج اعتمدت الشركات الصناعية حول العالم لتجنب الكساد أسلوبا آخر، هو إصدار أجيال من الأجهزة مع اعتماد إصدار جيل وأكثر في كل عام، وعمدت إلى تطويرها وزيادة خصائصها ومواصفاتها من خلال اعتماد أسلوب التقنين في التحديث بحيث تضيف تقنية واحدة او اثنتين على كل جيل مع العلم أن الامكانية متوفرة لزيادة ما هو أكثر بكثير، لكن يتم الاحتفاظ بباقي التقنيات للأجيال والإصدارت القادمة من الأجهزة لفرض استمرارية في البيع بهدف دفع المستهلك إلى تبديل جهازه لاحقا بما هو أحدث خاصة في حالة الأجهزة الذكية، هذا بالإضافة إلى أن تسارع التطور التقني والتوقف عن تصنيع قطع الغيار وملحقات الأجهزة القديمة نسبيا وارتفاع كلفة صيانتها يدفعك إلى الإسراع في كل فترة لاستبدالها بما هو أحدث، وهذا المبدأ ينطبق على معظم الأجهزة.
وبذلك استطاعت الشركات تغيير أساليب البيع وخطط الربح، بحيث اختلف الأسلوب الحديث عن التقليدي السابق اختلافا كليا، فبعد أن كانت عملية البيع قائمة على أساس أن ربح الشركة ينتهي عند بيع المنتج الصناعي للعميل، أصبح البيع أول خطوة من خطوات الربح وليس آخرها لأن الصيانة من دورية وغير دورية والمراجعة وقطع الغيار والأقساط والمرابحة والكفالة والتأمين والاكسسوارات وغيرها من الخدمات التي تقدمها الشركات تدخل أيضا من ضمن الأرباح التي تحصل عليها، وتؤمن الاستمرارية من خلالها، وعلى هذا الاساس فإن المنتج الصناعي نفسه لم يعد كما كان في السابق المنتج الوحيد الذي يتم شراؤه في عملية البيع، ودائما ما تقوم الشركات الصناعية بابتداع كل ما هو جديد لتنويع الدخل وزيادة المنافسة، مستعينة بفريقها التسويقي والإعلاني للتأثير على العميل واستمالته إليها وربطه بها بخطط ربح مستمرة ومتنوعة.