غادة عبدالله الفارس
GhadaALKuwait - E-mail:[email protected]@
- انخفاض مؤهلات العمالة يجر الكويت إلى نمو لن يصل لمستوى التنمية
- قوة الواقع فرضت احتكار جنسيات محددة لقطاعات اقتصادية عديدة
استعرضت الكاتبة غادة الفارس في دراسة خصت بها «الأنباء» حول التركيبة السكانية وتأثيرها على سوق العمل في الكويت، أهم المشاكل «الخطيرة» التي قد تواجهها البلاد من جراء استقطابها لعدد كبير من العمالة غير الماهرة والأمية، حيث رأت أن الأجوبة المتعلقة بعدد الوافدين ومؤهلاتهم ينبغي تحليلها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا مع وضع شروط للقادم منهم للعمل في الكويت تتناسب مع الاحتياجات التنموية، محذرة في الوقت عينه من الركون إلى مورد أحادي وهو النفط وما قد يسببه من اختلالات اقتصادية.
لكن ما علاقة كل ما سبق بـ «الأواني المستطرقة»؟!
هذا ما سوف تجيب عنه السطور التالية:
في مادة العلوم أجرينا تجربة الأواني المستطرقة، وهي مجموعة من أواني الاختبار متصلة ببعضها البعض، يتم وضع حواجز تفصلها ثم يتم سكب سائل داخل كل إناء بارتفاعات مختلفة ثم تتم إزالة الحواجز وحينها يبدأ السائل بالتحرك بين الأواني المستطرقة حتى يتساوى ارتفاع السائل في داخل كل الأواني باختلاف أشكالها وأحجامها وقياس أقطارها.
ما علاقة هذه التجربة بالتركيبة السكانية في الكويت؟
تأشيرة الدخول بين البلدان (الفيزا) في وقتنا الحاضر هي الحاجز أمام من يرغب من ملايين البشر في التنقل بين الدول للعمل أو للدراسة أو السياحة بمختلف أنواعها الترفيهية والدينية والعلاجية، أو للهجرة الدائمة.
في الكويت لا توجد تأشيرات دخول للمهاجرين، إنما فقط للإقامة المؤقتة ولهذا السبب تم تغيير اسم الإدارة العامة لشؤون الهجرة إلى الإدارة العامة لشؤون الإقامة والتابعة لقطاع الجنسية والجوازات في وزارة الداخلية.
وبسبب طبيعة الاقتصاد في الكويت فإن أغلب تأشيرات دخول الكويت هي تأشيرات عمل وتأشيرات التحاق بعائل.
أيضا ما علاقة ما سبق بتجربة الأواني المستطرقة؟!
العلاقة هي بكون المجتمع الكويتي يمثل إحدى هذه الأواني، لها شكل مختلف عن غيرها من الدول، فالكويت عربية لغتها الرسمية اللغة العربية، ديانة غالبية مواطنيها الإسلام، وهي جزء من مجتمعات شبه الجزيرة العربية، لمجتمعها أعراف وتقاليد تشكلت على مر الزمن.
تميز المجتمع الكويتي سابقا بالتنظيم، والعمل، والإنتاج، والتكافل، والانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى بفعل كثرة الأسفار والاختلاط مع وجود التحفظ الذي تدعمه التقاليد العربية وتعاليم الإسلام، وذلك حتى ما قبل تصدير أول شحنة نفط عام 1946، أما بعد تصدير النفط، فقد تغير هيكل الاقتصاد في الكويت، وتم توزيع الثروة على المواطنين من خلال تثمين منازلهم وأيضا التوظيف الحكومي لاحقا، وأصبحت الكويت دولة ريعية.
والريع المتحصل من النفط نعمة كبيرة حبانا الله بها، لكن يستلزم منا كشعب وحكومة الحذر من الركون إلى مورد أحادي وما يسببه من اختلالات اقتصادية.
تاليا، أصبح سوق العمل الكويتي جاذبا للعمالة الوافدة بمختلف تخصصاتها الماهرة منها وغير الماهرة، شيئا فشيئا تغير الوضع الديموغرافي للمجتمع الكويتي، فمن مجتمع متجانس يتوافد عليه المهاجرون بطريقة طبيعية وينسجمون فيه مع المواطنين كما كان سائدا في الأزمنة الغابرة من تنقل للأفراد والمجاميع بين الدول بدون حدود ولا تأشيرات، من طاب له المقام استقر ومن لم يطب له خرج لمكان آخر وكل له مقصد، إلى مجتمع تكونت فيه مجاميع وافدة كبيرة العدد نسبتها %70 من مجموع السكان وفي وقت زمني قصير، غير متجانسة فيما بينها، متنوعة المشارب والتعليم والديانات والأعمار ومن بيئات مختلفة أيضا فمنها بيئات زراعية وأخرى ساحلية وأخرى جبلية وصحراوية، يشكل الرجال أكثر من ثلثي الوافدين (%٦٩ ذكور و31% إناث) يعني خلق مجتمع عزاب تتنوع جنسياتهم حتى تصل إلى أكثر من 100جنسية.
ومع هذا العدد الكبير أصبحت نسبة المواطنين تقارب30% من إجمالي عدد السكان! إذن 70% تأثيرها أكبر من 30% في حال حصول تمازج لهذه المكونات مع مرور الزمن.
وهذا التمازج (إزالة الحواجز كما في التجربة) سيقوم بتسوية الفروقات حتى تتجانس! وتصبح جميعها في المستوى نفسه.
إذن، فالمصلحة تحتم إعطاء تأشيرات دخول الكويت لمن هم أفضل في التعليم والخبرة وحسني السيرة والسلوك، لأن الاندماج أو التمازج سيرفع من مستوى المجتمع ككل.
أما ما هو حاصل الآن فإن عددا كبيرا من الوافدين هم أميون وبدون مؤهلات!
وعدد كبير منهم مناط به إدارة منشآت حديثة وصيانتها وهم ينحدرون من دول متخلفة في مؤشرات التعليم أو من الطبقة التي لم تنل حظها من التعليم حتى لو كانوا من مواطني دولة نووية!
نحتاج إلى تحليل دقيق لتركيبة العمالة الوافدة في الكويت بما يخدم الكفاءة في توزيعهم على مختلف القطاعات.
لكن هل من الطبيعي لمجتمع مكون من مليون ونصف مليون نسمة أن يحتاج إلى 3 ملايين شخص للمساعدة في تشغيل منشآته؟!
أيضا المسألة تحتاج تحليلا دقيقا لديموغرافية المجتمع المحلي كذلك ومن ثم تحديد احتياجاته الفعلية من قوة عمل وافدة كعدد وكمؤهلات علمية وعملية.
الهيئة العامة للمعلومات المدنية والإدارة المركزية للإحصاء توفران البيانات (DATA)، لكنها أي البيانات تحتاج إلى تحليل، وهذا مناط بالمجلس الأعلى للتخطيط ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وأيضا وزارة الداخلية.
أما تحويل الكويت لحاضنة بشرية فقد أدى وسيؤدي إلى مشاكل عديدة وخطيرة أهمها:
أ- اختلالات في هيكل سوق العمل، حيث تتركز قوة العمل الكويتية في القطاع الحكومي، وتشكل فقط 4% من العاملين في القطاع الخاص!
أحد أسبابه هو زيادة عرض العمل (الوافد) مقابل الطلب ما أدى إلى انخفاض الأجر وبالتالي ارتفاع الحاجز أمام دخول المواطن لسوق العمل في القطاع الخاص.
ب- انخفاض مؤهلات العمالة الوافدة يجر الكويت إلى نمو متواضع المستوى، نمو لن يصل لمستوى التنمية بما يناسب وضع الكويت المادي وانفتاحها على العالم المتقدم أو يناسب المستوى العلمي للمواطنين (الأمية شبه منعدمة بين المواطنين).
ومثال على ذلك عمالة قطاع التشييد، والأخطاء الكثيرة جدا وبعضها جسيمة لضعف إلمامها بالمعايير والكودات!
وعدم احترافية هذه العمالة، بل كما هو ملاحظ انهم يبدأون تعلم الحرفة بالكويت!! (وهذا يجرنا لضرورة وجود تصنيفات مهنية مرتبطة بمعايير دقيقة تعكس مدى احترافية الشخص).
ج- احتكار قطاعات اقتصادية عديدة من قبل جنسيات محددة لا يسمح بدخول المواطن فيها ليس بقوة القانون طبعا لكن بقوة الواقع والسيطرة الفعلية والتمكين الحاصل لهذه الجنسيات.
د- انعدام التجانس بين السكان وظهور التململ من المواطنين تجاه الوافدين والتمييز ضدهم، فكما هو معروف إنه كلما زاد عدد جالية ما زاد التمييز ضدها! وما يتبع ذلك من مخالفات جسيمة وانتهاكات ضد الوافدين، قد تحدث وبالإمكان تفاديها.
هـ - الإضرار بالاقتصاد المحلي عندما يتم الاستثمار المادي في المورد البشري الكويتي ولا يتم تمكينه من العمل في القطاعات الإنتاجية المختلفة وهذا واضح بوجود بطالة مقنعة في القطاع الحكومي!
السؤال المهم هنا هو كيف يتم تحديد العدد الملائم للوافدين؟ علما ان الجوانب الإنسانية تقتضي مساعدة إخواننا المحتاجين من خلال القروض والهبات المالية والعينية للدول الشقيقة والصديقة وهو دأب شعب وحكومة الكويت وعلى رأسهم أميرها قائد الإنسانية صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد.
أذن المساعدات تكون للمحتاج وهو في وطنه وبين أهله.
ولا نستطيع فهم أي رأي يرى أن المساعدات تكون بجلب عمالة بأعداد كبيرة لا يحتاجها المجتمع، وتتسبب في تراجع التنمية، وتقلل فرص عمل المواطنين، وتسبب الزحام وتؤدي إلى حنق وتوتر وضغط على البيئة التحتية والمرافق العامة!!
الأجوبة المتعلقة بعدد الوافدين ومؤهلاتهم ينبغي تحليلها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. فإما ان نستمر بالوضع الحالي وننزل جميعا لمستوى حضاري منخفض، أو وضع الشروط للقادم بحيث نرتفع جميعا لأعلى مستوى وصلت له البشرية في العلم والتكنولوجيا والقانون والتحضر بشكل عام.
ولتستمر الكويت بلد الإنسانية وبلاد العرب.