زاوية رمضانية تعدها «الأنباء» مع مسؤولي الشركات وأصحاب القرار بالاقتصاد الكويتي يتحدثون فيها عن تجاربهم الخاصة بعالم الاقتصاد، ويشاركون القراء العبر والدروس منها
إعداد: أحمد مغربي
تجارب الانسان في الحياة لا تعد ولا تحصى تبدأ من المدرسة بمراحلها ثم التعليم العالي وبعدها الوظيفة تتخللها بكل تلك المراحل العلاقات الانسانية والاجتماعية بزملاء الدراسة والعمل والحياة.
بدأت حياتي الوظيفية بعد التخرج من الجامعة بتخصص محاسبة بشركة البترول الوطنية الكويتية متدرجا من محاسب مبتدئ وانتهاء بوظيفة مدير دائرة المالية بمشوار امتد لأكثر من 27 سنة ثم تشرفت بعضوية المجلس الأعلى للبترول لتسع سنوات.
وسأركز على تجربتين: وظيفية ومهنية.
لعل أسوأ تجربة مر بها القطاع النفطي تتمثل بإنشاء مؤسسة البترول الكويتية أو لنقل التنفيذ الخاطئ لفلسفة انشاء مؤسسة تضم تحتها كل الشركات النفطية.
ومنذ البداية احدث إنشاؤها ربكة بالقطاع النفطي نتيجة اختلاف الكيان القانوني لها عن الشركات النفطية فهي تتبع قانون الخدمة المدنية فيما تتبع الشركات قانوني الشركات التجارية والعمل بالقطاع النفطي، ثم بدأ هيكل المؤسسة يكبر ويتضخم دون وجود عمل حقيقي لكل أعداد الموظفين وانفتحت شهية خلق وظائف قيادية فاق عددها تلك الموجودة بالشركات النفطية، وبدأت الشركات مع كل هذه الاختلالات والتدخلات تفقد استقلاليتها وإداراتها لنشاطها رويدا رويدا، وغدت مجالس ادارات الشركات مجرد مجالس صورية لا قرار ولا سلطة لها وأصبح رؤساء الشركات مجرد موظفين كبار يأتمرون من مدراء بالمؤسسة، واختل الهيكل التنظيمي للقطاع النفطي وتحكم بالقرار من لا سلطة له ولا صلاحيات بالشركات وفق القوانين المنظمة لأعمال القطاع.
وبعد ان كانت الشركات تتنافس فيما بينها بإعداد الكوادر البشرية المؤهلة وسرعة انجاز المشاريع الرأسمالية وارتفاع مستويات الأداء التشغيلي لكل شركة تبعا لاختصاصها، اختلط الحابل بالنابل وتكدست دوائر شؤون العاملين والمالية والعلاقات العامة والتجارية والقانونية والخدمات وحتى التخطيط بالموظفين الى حد الطفح، يقابلها نفس الادارات وبأعداد عمالة كبيرة بالمؤسسة، انحصر القرار عندها بالرغم من بعدها عن طبيعة أعمال الشركات. ثم جاء توحيد سلم الدرجات بين المؤسسة والشركات دون اعتبار نشاط الشركات وحجم الاعمال وتعددها وخصوصيتها ليضرب الرضاء الوظيفي في مقتل.
الى ان وصل الحال الى ما نحن عليه اليوم من تفرد بالقرار بديكتاتورية لا تخدم الصناعة النفطية وتهميش تام لمجالس إدارات الشركات ورؤسائها التنفيذيين.
والحل؟
لا مخرج من هذا المأزق إلا بأحد الحلين التاليين:
إما التطبيق الصحيح لفلسفة إنشاء كيان واحد يضم كل الشركات النفطية كما كان مخططا له عند إنشاء المؤسسة، وإلغاء الكيانات القانونية للشركات ودمج الدوائر الخدمية وتحول الأنشطة المختلفة الى قطاعات مستقلة (استكشاف، تكرير، بتروكيماويات، تسويق،...) أو إلغاء مؤسسة البترول الكويتية والعودة الى ما كانت عليه الشركات بالسابق من استقلال وتنافس وضرورة النأي بالقطاع النفطي عن التدخلات والتصفيات والتسويات السياسية التي تفاقمت كثيرا بوجود المؤسسة وخضوعها التام للقرار والهيمنة السياسية.
نقطة أخيرة تستحق الذكر بالحديث عن القطاع النفطي تتلخص بضرورة إعادة إحياء دور وزارة النفط والتي من أهدافها معاونة المجلس الأعلى للبترول في المهام التي يتولاها، والإشراف على تنفيذ قراراته، وتفعيل الرقابة على خطط وبرامج وأنشطة القطاع النفطي ممثلا بمؤسسة البترول والشركات التابعة وشركات النفط الأجنبية العاملة بالبلاد، ومباشرة حقوق الدولة فيها بغرض زيادة فعالية الأداء وتعظيم المردود المالي، وتأمين سلامة العاملين والمنشآت النفطية، وتطوير الخبرات الوطنية.
التجربة الثانية على المستوى المهني هي ترؤس اتحاد المحاسبين والمراجعين العرب بعد التحول الى نظام الانتخاب لاختيار الرئيس بدلا من الرئاسة الدورية للدول الأعضاء تبعا لتسلسل الأحرف الأبجدية لأسماء الدول.
ونجم هذه التجربة هو«الكرسي» اذ ترسخ لدي يقينا بأننا كعرب لا نؤمن بالعمل المؤسسي ولا تداول السلطة، فالرئيس أو مجلس الادارة هو الكل بالكل، ولا قيمة ولا دور للإدارة التنفيذية التي يجب ان تقوم بالعمل اليومي حسب الخطط والاستراتيجيات التي يضعها مجلس الادارة ويراقب تنفيذها بعيدا عن التدخل وإرباك الجهاز التنفيذي للهيئة.
وبسبب «الكرسي» والتكالب عليه تم تشويه اسم ومكانة وحيادية الكويت باتحاد المحاسبين والمراجعين العرب التي رسخها الأولون منذ تأسيسه.
وبسبب «الكرسي» لا زال المجلس الحالي للاتحاد متشبثا به بمبررات عديدة لكن الصحيح فيها هو صعوبة تركه.
وبسبب «الكرسي» نتجادل ونختلف على وضع الأولويات والأسس لتحقيق عمل مهني عربي مشترك.
وقضية «الكرسي» مهنيا ليست حكرا على اتحاد المحاسبين والمراجعين العرب، فهيئة المحاسبة والمراجعة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تعاني الأمر نفسه.
النقطة الثانية المرتبطة بضعف العمل المهني العربي المشترك هي هيمنة السياسة على عقولنا وخلافاتنا التي لا تنتهي حتى ان كانت بسبب مباراة كرة القدم! على أي جهود ومحاولات لتحقيق إنجاز مهني عربي. ولتحقيق أي نجاح مهني عربي مشترك لابد من تحييد السياسة.
محمد حمود الهاجري عضو سابق بالمجلس الأعلى للبترول الرئيس السابق لاتحاد المحاسبين والمراجعين العرب رئيس اسبق لجمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية