- المستثمرون الأجانب يعودون إلى مصر مرة أخرى للاستفادة من ارتفاع الفائدة
- 44.2 مليار دولار احتياطي مصر من النقد الأجنبي في أبريل الماضي
قال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني انه بعد قيام مصر باعتماد برنامج إصلاح اقتصادي شامل بدعم من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار على مدار 3 سنوات، تراجعت قيمة الجنيه المصري بحوالي 50% بعد قرار تعويم الجنيه في نوفمبر 2016.
وكانت تلك إحدى الخطوات الحاسمة في إطار حل أزمة نقص النقد الأجنبي وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد.
وقد ساهم هذا القرار في إنهاء التوترات التي سادت في سوق العملات على مدار عدة أشهر، والتي أدت إلى ترسيخ العديد من القيود على المعاملات التجارية والمالية وشجعت على تطوير سوق الصرف الموازي.
بالإضافة إلى ذلك، ساعد ذلك الاجراء في تقليص عجز الحساب الجاري وتزايد الصادرات قليلا وانخفاض مستويات الواردات، كما طرأ تحسن على تدفقات رأس المال الأجنبي، وارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج وزادت أعداد السياح.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تعويم الجنيه إلى جانب خفض الدعوم وإدخال الإصلاحات الضريبية ساهم في رفع التضخم إلى 33% في يوليو 2017، قبل أن يتراجع إلى 13% في أبريل 2019.
وبعد أن شهد الجنيه تقلبات عديدة خلال أشهر قليلة، استقرت قيمته أمام الدولار عند حوالي 17.6 ـ 18.0 جنيها مصريا للدولار لمدة عامين تقريبا، حتى في ذروة الأزمة التي اجتاحت بعض الأسواق الناشئة (تركيا والأرجنتين) في النصف الثاني من 2018.
وفي واقع الأمر، ظل سعر صرف الجنيه مستقرا على الرغم من تراجع معنويات المستثمرين والانخفاض الحاد في تدفقات رأس المال، حتى في ظل وجود دعم من صندوق النقد الدولي وتحسن التصنيف الائتماني.
إلا أنه منذ بداية 2019، بدأ الجنيه في استعادة قوته، حيث وصل سعر صرف الجنيه في 26 مايو إلى مستوى 16.81 جنيها مقابل الدولار للشراء و16.96 للدولار للبيع، متراجعا دون 17 جنيها للمرة الأولى منذ عامين.
أسباب ارتفاع الجنيه أمام الدولار
واضاف التقرير انه في الوقت الذي توقع معظم المتداولين والمحللين انخفاض قيمة الجنيه المصري لتتراوح ما بين 18 و 20 جنيها للدولار في 2019، كانت هناك العديد من العوامل التي أدت إلى ارتفاعه ومنها:
٭ إلغاء آلية تحويلات المستثمرين الأجانب للخارج: قرر البنك المركزي المصري إلغاء آلية تحويلات المستثمرين الأجانب إلى الخارج في 4 ديسمبر، والتي كانت تسمح لهم بتحويل استثماراتهم بالدولار إلى خارج البلاد وقتما يشاءون بضمان من البنك المركزي.
وساهمت تلك الآلية في توفير نوع من الاستقرار للجنيه، مما حد من تقلباته في وجه خروج رأس المال خلال النصف الثاني من العام الماضي.
وبمجرد إلغاء آلية تحويلات المستثمرين الأجانب للخارج، تعين على البنوك التجارية استيعاب تدفقات رأس المال، وبدأ سعر الصرف في الاستجابة بدرجة أكبر لقوى السوق في ظل تحول نظام الصرف إلى نظام أكثر مرونة، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض أكبر البنوك المصرية المملوكة للدولة بإمكانها التدخل لضبط حركة أسعار الصرف.
٭ الاقتصاد المصري يمضي على المسار الصحيح: بينما كان ارتفاع الجنيه المصري مدعوما إلى حد ما بالتغيير في آلية تحويلات المستثمرين الأجانب للخارج، إلا أن هذا الارتفاع يعكس الأداء القوي للاقتصاد المصري، حيث عالج برنامج الإصلاح الاقتصادي الطموح والشامل الذي طبقته مصر خلال العامين ونصف العام الماضيين حالة عدم توازن الاقتصاد الكلي ودعم استعادة ثقة المستثمرين الأجانب. فقد شهد الاقتصاد الكلي تحسنا وانخفضت المخاطر إلى حد كبير بدعم من البرنامج الإصلاحي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
ووفقا لأحدث البيانات، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 5.6% في الربع الأول من العام مقابل 5.5% في الربع السابق، بينما تقلص عجز الموازنة للأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2018/2019 إلى 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 6.2% في الفترة المماثلة من العام السابق.
وحظي هذا التقدم الهائل الذي تم إحرازه حتى الآن على ثناء واسع النطاق، مؤكدا دخول مصر إلى عصر جديد.
٭ تزايد ثقة المستثمرين: قد يعزى ارتفاع قيمة الجنيه في الآونة الأخيرة إلى تدفقات المحافظ الاستثمارية، حيث دعم الانتعاش الاقتصادي والاستقرار السياسي وتحسن التصنيف السيادي لمصر، عودة الاستثمارات الأجنبية للتدفق مجددا نحو مصر.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه في ظل استمرار الإصلاحات الاقتصادية وعدم توقع تأثير العوامل الاقتصادية سلبا على سعر الصرف، تزايد إقبال المستثمرين للاستفادة من الارتفاع في أسعار الفائدة مقارنة بالدول الأخرى إلى جانب ثبات سعر الصرف.
وارتفعت قيمة الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة إلى 16.9 مليار دولار في أبريل 2019، لتعود بذلك إلى مستوياتها السابقة التي سجلتها في يوليو 2018 قبل خروج رؤوس الأموال من البلاد في النصف الثاني من العام.
٭ توافر مستوى قوي من احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي: ارتفع احتياطي مصر من النقد الأجنبي من حوالي 42 مليار دولار في ديسمبر 2018 إلى 44.2 مليار دولار في أبريل 2019، بما يسمح بتغطية حوالي 8 أشهر من واردات مصر من السلع الأساسية فيما يعد أعلى من المتوسط العالمي المقبول البالغ نحو 3 أشهر من الواردات السلعية.
٭ تزايد النقد الأجنبي في البنوك التجارية: ساهم إلغاء آلية تحويل الاستثمارات الأجنبية بالدولار إلى الخارج في إعادة توجيه جزء من تدفقات المحافظ الاستثمارية من البنك المركزي إلى البنوك التجارية، الأمر الذي تسبب في تدهور حاد في صافي النقد الأجنبي لدى البنوك في أواخر العام 2018، إلا أنه بفضل تقليص العجز في الحساب الجاري الخارجي في السنة المالية 2018/ 2019 وتدفقات رأس المال في أوائل العام 2019، زادت السيولة بالدولار في النظام المصرفي.
وقد سمح ذلك لبعض البنوك، خاصة تلك التي تملكها الدولة، ببيع أصولها من العملات الأجنبية إلى البنوك الأخرى في سوق «الإنتربنك» بين البنوك، ما ساهم في توفير المزيد من الدولارات ودعم قوة الجنيه المصري.
استمرار استقرار الآفاق المستقبلية للعملة المصرية
ذكر تقرير «الوطني» انه من المقرر أن يساهم استمرار الأداء الاقتصادي الجيد والمضي قدما في تطبيق ما تبقى من تدابير الإصلاح الاقتصادي في تعزيز محفظة الاستثمارات الأجنبية والاستثمار المباشر في مصر.
وبافتراض عدم حدوث أي صدمات خارجية كبرى، فإنه من المتوقع أن يظل الجنيه المصري مستقرا نسبيا وأن يراعي في تحركاته الاستجابة للركائز الاقتصادية الأساسية ضمن نطاق معتدل، إلا أنه بالنظر إلى اعتماد مصر القوي على تدفقات رأس المال الأجنبي، فإن أي تحول في سلوك المستثمرين ومعنوياتهم قد يؤدي إلى تقلبات كبيرة في أسعار الصرف.
وفي تلك الظروف، قد تقوم السلطات بالتدخل لتهدئة مثل هذه التقلبات خاصة تلك التي لا تستند في تبريرها إلى الأسس الاقتصادية.
وفي ظل انخفاض معدل التضخم بوتيرة ثابتة مقارنة بأعلى مستوياته المسجلة في 2017، من المرجح أن يقوم البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة ما قد يؤدي إلى تراجع عائدات أذون وسندات الخزينة، وبالتالي إلى انخفاض تدفقات رؤوس الأموال التي كانت تعتمد استراتيجيتها على الفائدة المرتفعة واستقرار سعر الصرف.
من جهة أخرى، أوضح التقرير ان تعويم الجنيه في سياق برنامج الإصلاح الاقتصادي ساهم في خدمة الوضع الاقتصادي بصورة جيدة، حيث عزز انخفاض قيمة الجنيه من نمو الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، كما عمل في ذات الوقت على خفض الواردات، الأمر الذي أدى إلى تحسن ملحوظ في الحساب الجاري الخارجي.
ونرى أن السلطات المصرية تدرك حقيقة أن ارتفاع قيمة الجنيه إلى ما دون مستوى معين قد يؤثر على بعض هذه الإنجازات، وبالتالي ستكون مستعدة للتدخل وقت الحاجة، خاصة عندما تنجم تقلبات هائلة في سعر الصرف عن عوامل مؤقتة وتهدف للمضاربة وليس من التغيرات في الدعائم الاقتصادية الرئيسية.