قال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني إن الإمارات شهدت معدلات نمو مرتفعة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلا أن وتيرة هذا النمو تباطأت خلال السنوات الأخيرة.
لذلك، تم تطبيق سلسلة من الإصلاحات الهيكلية إلى جانب حزمة الحوافز المالية في العام 2018-2019 سعيا لتعزيز نمو القطاع غير النفطي.
وتوقع التقرير أن تساهم تلك التدابير إضافة إلى استمرار سياسات التنويع في رفع معدلات الطلب وتوسيع القاعدة الاقتصادية للبلاد بما يضع الإمارات على مسار انتقالي على المدى المتوسط.
إلا أن الإمارات ما زالت تعتمد على عائدات النفط بما يبقيها عرضة للصدمات الخارجية.
كما أن تباطؤ الاقتصاد العالمي في ظل النزاعات التجارية وتراجع الطلب على الطاقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية يؤثر سلبا على آفاق النمو الاقتصادي للإمارات.
وأضاف التقرير ان الإمارات شهدت نموا قويا بعد الأزمة المالية العالمية حتى في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي يعاني من ضعف النمو.
وكان التعافي السريع في الفترة الممتدة من 2010-2014 واسع النطاق، حيث تم تعزيز أداء القطاع غير النفطي عن طريق سياسات التنويع ومن خلال الموقع الاستراتيجي التي تتميز به الإمارات كمركز رئيسي للتجارة الدولية وأنشطة الأعمال التجارية.
وبعد تراجع أسعار النفط في 2014، بدأ النمو غير النفطي الحقيقي يتباطأ ليصل إلى 1.7% في العام 2018 مقابل 6.2% في عام 2014.
وساهم استمرار تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة على مدار فترة زمنية طويلة في التأثير سلبا على ثقة المستثمرين وإضعاف حجم التجارة، مما أدى إلى تراجع الاستهلاك الخاص والاستثمار.
وقد تأثرت أوضاع المالية العامة بهذه الظروف، مما دفع إلى اتخاذ سلسلة من التدابير لكبح عجز الميزانية.
وفي الآونة الأخيرة، أثر تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين والعقوبات الأميركية على إيران على نمو الاقتصاد والصادرات.
وسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي نموا ضعيفا بلغت 0.3%، على أساس سنوي، في الربع الأول من 2019 إلا أن معدل النمو الكلي للاقتصاد بلغ 3.7%، على أساس سنوي، مدعوما بنمو القطاع النفطي (+ 12.4% على أساس سنوي).
وكان النمو غير النفطي أقل من 1% على أساس سنوي لثلاثة أرباع متتالية (منذ النصف الثاني من 2018) الأمر الذي يعكس تباطؤ الاقتصاد بوتيرة أكبر وذلك على الرغم من زيادة الصادرات غير النفطية بمعدل ملحوظ في 2018 (+ 13.9%) وهو الأمر الذي يشير إلى استمرار ضعف الطلب من القطاع الخاص.
وهناك أيضا تقارير حديثة تشير إلى تراجع وتيرة خلق فرص العمل في العام 2019 على خلفية تقليص الوظائف في قطاعي النقل والاتصالات.
النظرة المستقبلية
ورأى التقرير ان آفاق النمو في الإمارات لا تزال قوية نسبيا بدعم من القطاع النفطي الذي يتوقع أن ينمو 3.5% في 2019، إلا أن توقع تمديد اتفاقية أوپيك وحلفائها حتى نهاية 2020، إلى جانب ضعف الطلب العالمي، قد يضغط على نمو القطاع في 2020، إذ من المتوقع أن يسجل نموا 2.2% فقط خلال الفترة الممتدة ما بين 2020-2022.
ومن جهة أخرى، من المتوقع أن ينمو القطاع غير النفطي بوتيرة معتدلة تصل إلى 1% في 2019 قبل أن يرتفع إلى نحو 1.8% في 2020-2021 مع انعكاس تأثير الإصلاحات الهيكلية وحزمة التحفيز المالي واكسبو دبي 2020.
أما في 2022، فمن المتوقع أن يتراجع النمو إلى 1.5% مع تلاشي تأثيرات الحوافز التي استحدثتها أبوظبي وإكسبو 2020.
وتوقع تقرير «الوطني» أن يرتفع معدل التضخم اعتبارا من 2020، بعد أن ينكمش بنسبة 1.9% في 2019 على خلفية توقع تراجع الإيجارات بنسبة 5.5%. أما في 2020 وما بعد ذلك، فقد يكتسب التضخم المزيد من الزخم ليصل في المتوسط إلى 2.4% في عامي 2020-2022 مدعوما بتزايد الطلب.
وستظل أسعار النقل منخفضة على المدى المتوسط نتيجة لضعف أسعار النفط، في حين قد تتزايد الانشطة المرتبطة بالسياحة بالتزامن مع اكسبو 2020. كما سيؤثر ضعف أسعار النفط على الإيرادات الحكومية، والتي ستنخفض من 29.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019 إلى نحو 28.0% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2020-2022.
تعزيز النمو الاقتصادي
وأوضح التقرير أن النفقات في عامي 2019 و2020 سترتفع على خلفية الخطط الحكومية لتعزيز النمو الاقتصادي.
وتوقع التقرير أن يصل عجز الموازنة إلى حوالي 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019 وإلى 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2020-2022.
إلا أن الوضع المالي لايزال قويا، حيث يمكن للإمارات تحمل موقف مالي توسعي معتدل خلال السنوات القليلة المقبلة في ضوء توافر الهوامش المالية المرتفعة والحيز المالي الكبير.
وقد يتراجع نمو الصادرات وإعادة التصدير على المدى المتوسط على خلفية بطء نمو الطلب العالمي والعقوبات المفروضة على إيران.
وسيؤدي تراجع أسعار النفط وكذلك خفض الإنتاج إلى تقليص فائض الحساب الجاري، إلا أنه سيظل عند مستوى جيد عند نسبة 8.8% في 2019، قبل أن يتراجع إلى حوالي 6.5% في عامي 2020-2022.
وستظل الإمارات مركزا لجذب لاستثمار الأجنبي المباشر بدعم من الأساسيات القوية والإصلاحات الحكومية والمناخ الداعم للاستثمار.
كما تساهم صناديق الثروة السيادية والاحتياطيات الأجنبية في توفير مصدات أمان ضد الصدمات الخارجية.
وتقدر الأصول الإجمالية لصناديق الثروة السيادية جهاز أبوظبي للاستثمار ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية وشركة مبادلة للتنمية بأكثر من 1.100 مليار دولار بالإضافة إلى الاحتياطيات الرسمية لمصرف الامارات المركزي البالغة 102 مليار دولار.
وتوفر تلك الصناديق احتياطات هائلة ومساحة مالية كافية يمكن استخدامها لدعم القطاع غير النفطي وتعزيز النمو متى ما اقتضت الحاجة لذلك.
أسعار الفائدة
وأشار التقرير الى ان ارتفاع أسعار الفائدة الإماراتية الذي بدأ في 2016 بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة الأميركية - في ضوء ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي - ساهم في شح السيولة وضعف طلب القطاع الخاص.
كما تأثر القطاع العقاري أيضا بارتفاع تكاليف الاقتراض بالإضافة إلى ارتفاع رسوم معاملات البيع، في حين تأثر جانب العرض سلبا على خلفية تخمة المعروض مما تسبب في تراجع الأسعار منذ 2015. وكان انخفاض أسعار العقارات أكثر وضوحا في دبي، بتراجع 7.3% في 2018، حسب بيانات بنك التسويات الدولية.
واستمر تزايد العرض في القطاع العقاري في التأثير على أسعار العقارات في 2019، إذ تراجعت الأسعار في دبي وأبو ظبي 10% و7.7% على أساس سنوي في يوليو على التوالي.
لذلك، شكلت حكومة دبي لجنة عليا للتخطيط العقاري لتنظيم المشروعات سعيا للحد من انخفاض الأسعار من خلال تنظيم وتيرة تنفيذ المشاريع لتحقيق التوازن بين جانبي العرض والطلب.
إعادة توجيه التجارة
ولفت التقرير الى أن البيئة التجارية العالمية السلبية قد أتاحت الفرصة للإمارات لإعادة توجيه تجارتها نحو الأسواق الخليجية، إذ ارتفعت حصة دول مجلس التعاون الخليجي من الصادرات غير النفطية الإماراتية من 23.2% في 2017 إلى 34.1% في 2018.
وتصدرت السعودية القائمة باستحواذها على 16% من صادرات الإمارات غير النفطية.
وكان للتوترات الجيوسياسية والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران تأثيرات سلبية على قطاع إعادة التصدير الإماراتي.
وأصبحت البنوك أكثر ترددا في تمويل العمليات التجارية المتعلقة بإيران خشية التعرض للعقوبات الأميركية.
وتأثرت دبي، باعتبارها إحدى المراكز الرئيسية التي تربط إيران بالعالم الخارجي، بإعادة فرض العقوبات بما أثر على تراجع نشاط إعادة التصدير من الإمارات إلى إيران - الذي يشكل حوالي 15% من إجمالي إعادة التصدير - بنسبة 40.2% في 2018.
كيف تفاعلت السلطات مع تباطؤ النمو؟
ذكر تقرير «الوطني» أن الحكومة الإماراتية اعتمدت سلسلة من التدابير الهيكلية وسياسة مالية توسعية سعيا منها لتحفيز نمو القطاع غير النفطي.
وتهدف الإصلاحات الهيكلية بشكل رئيسي إلى تقليل تكلفة ممارسة الأعمال وتحسين مناخ الاستثمار.
وقامت الحكومة بخفض أو إلغاء الرسوم المفروضة على حوالي 1500 خدمة تتعلق بإصدار وتجديد تصاريح العمل وخدمات الترخيص الصناعية ومنحت تأشيرات الإقامة للعاملين الأجانب من ذوي الخبرة في المجالات الطبية والبحثية والفنية.
وأطلقت برنامج الضمانات الائتمانية بقيمة 100 مليون درهم من خلال مصرف الإمارات للتنمية لتوفير حلول تمويلية إستراتيجية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
والأهم من ذلك، صدر مؤخرا قانون استثمار يرفع نسبة الملكية الأجنبية خارج المناطق الحرة المحددة والسماح للمساهمين الأجانب بتملك حتى 100% من الشركات في 122 نشاطا تجاريا مختلفا ضمن 13 قطاعا.
كما دعمت دبي الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال تحديث اللوائح الخاصة بمسرعات وحاضنات الأعمال من خلال رفع نسبة الملكية إلى 100% وخفض التكلفة في قطاعات الطيران والعقارات والسياحة، هذا إلى جانب خفض رسوم ممارسة أنشطة الأعمال.