بقلم: غادة عبدالله الفارس
[email protected]
GhadaALKuwait@
«تقشير البرتقال» ملصق فكاهي انتشر في وسائل الاتصال الاجتماعي، غير مصحوب بأي معلومات اتصال مما يدل على عدم جدية الإعلان، لكن للتدليل على بعض المشاريع الصغيرة التي يتوجه لها بعض المبادرين والتي لا تلبي حاجة حقيقية للمستهلك.
أيضا انتشرت التعليقات الفكاهية على بعض المشروعات الصغيرة وتلقيبها بمشروعات الـ «كب كيك» لبساطتها وانخفاض القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد الكلي.
لكن بادئ ذي بدء فإن المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي محرك أساسي في أي اقتصاد، فكل مشروع كبير يتكون من مشاريع صغيرة في داخله، كون أصحابها شخصية واحدة اعتبارية كانت أو طبيعية لا يغير من الأمر شيئا.
إذن، فنجاح المشاريع الصغيرة عامل مهم جدا لنجاح أي قطاع سواء صناعي، خدمي، تجاري، زراعي، إنشائي، وبالتالي نجاح اقتصاد البلد الذي يتكون منهم.
وفي الكويت اقتصادنا يعتمد على مصدر وحيد وناضب وهو النفط والحمد لله الذي رزقنا إياه.
لكن كنا نرجو ألا يكون جل الاعتماد عليه، لأن هذا الاعتماد جعل اقتصاد الكويت استهلاكيا وغير منتج، وانحصرت معظم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاستيراد وفي تجارة التجزئة والوكالات، والجزء الباقي هو قطاع الخدمات، والصناعات الخفيفة وعدد وكميات محدودة من المنتجات الزراعية.
السؤال المهم هو: هل هذه المشروعات الصغيرة والمتوسطة المذكورة أعلاه موجودة في الكويت أم غير موجودة؟ وهل نعاني في الكويت من عدم توافر هذه الخدمات أو عدم وجود محلات البيع بالتجزئة مثلا؟
الجواب: لا، فكل الخدمات والصناعات الخفيفة والزراعية وغيرها متوافرة وأحيانا إلى حد التخمة.
إذن، لماذا الحديث الدائم عن دعم المشروعات الصغيرة وإنشاء صندوق وطني لدعم المشروعات الصغيرة، ووجود حاضنات لرواد الأعمال المبتدئين ووجود دعم لمشاريع الشباب في وزارة الشباب والرياضة وغيرها الكثير مما تقدمه حكومة الكويت لتشجيع المشاريع الصغيرة؟!
الجواب، هو وجود عمالة كويتية متزايدة كل عام لا يستوعبها القطاع الحكومي للعمل لديه، والسلطة التشريعية والتنفيذية في الكويت تقدم الحوافز وترغب المواطن للعمل في القطاع الخاص لتقليل العبء على القطاع العام من جهة واستغلال طاقات الشباب وإبداعاتهم من جهة أخرى بعيدا عن البطالة المقنعة.
لذلك فإن المشكلة في الكويت ليست في نقص المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لذلك لا يوجد داع للحديث عن أهمية المشروعات الصغيرة، فهي موجودة والعمل قائم عليها.
ولكن من يدير ومن يملك هم العمالة الوافدة وليس المواطن الكويتي! ومحاولة تشجيع المواطن لتملك مشروع صغير ومتوسط تعني مزاحمته مشروعات قائمة وناجحة.
وكما ذكرنا في مقالة بحثية سابقة أن غالبية الأنشطة التجارية في الكويت محتكرة من قبل جالية ما من الجاليات الوافدة، ومن الصعوبة إحلال المواطن مكان الوافد في هذه الأنشطة من دون دراسة جدية توجه المبادر للفرص المتاحة وللفرص التي تناسب ميوله وقدراته وخبرته.
وقد يكون وجود عمالة وافدة ماهرة شيئا طيبا يجب عدم التفريط فيها، كما أن التكامل بين المبادرين الكويتيين والعمالة الوافدة الماهرة محبذ وفي صالح تقوية الاقتصاد الكويتي.
الوافد.. والمشاريع الصغيرة
يهدف الصندوق الوطني إلى دعم مشاريع جديدة يملكها مواطن، ولكن من وجهة نظري فإن مآل هذه المشاريع هو تغيير أسماء الملاك من مواطن يملك مشروعا بدعم من الصندوق ثم يضمنه لوافد في نهاية الأمر، وكأن الهدف هو إعادة توزيع الثروة وتبادل أدوار.
المشكلة ليست في كيفية دعم إنشاء المشروعات الصغيرة ومن ثم نجاحها ماليا، بل في كيفية إحلال المواطن الكويتي محل الوافد فيها بالقدر الذي يعالج مشكلة البطالة عند المواطنين (وأيضا من ناحية اقتصادية هذا الإحلال له إيجابيات أخرى خلاف حل مشكلة البطالة).
معوقات تمنعك دخول القطاع
يستفيد الاقتصاد الكويتي من عمل الصندوق الوطني في استغلال المورد البشري والمالي المتوافر في الكويت لإعادة هيكلة الاقتصاد بشكل عام وهيكلة سوق العمل بشكل خاص.
لكن عندما نسلط الضوء على قطاع المشاريع الصغيرة في الكويت سنلاحظ الحواجز التي تمنع المواطن من دخول هذا القطاع للعمل فيه وليس فقط الاستثمار فيه، وهي:
1 - انخفاض الأجور، وهو الحاجز الأهم (علما أن انخفاضها من صالح المستهلك في الأمد القصير).
2 - ساعات عمل طويلة خلال اليوم.
3 - المشقة وظروف العمل في الأماكن المكشوفة.
4 - عدم ثبات المردود المادي لأصحاب العمل، وانخفاض الأمان الوظيفي للعاملين.
5 - تكلفة الفرصة البديلة opportunity cost، حيث التضحية بالعمل الحكومي.
كما أدى زيادة معروض العمالة الوافدة وانخفاض المستوى التعليمي لها إلى الانخفاض النسبي في أجر اليد العاملة، وخلق حاجز أمام العمالة الوطنية، ويمكن التغلب على هذه الحواجز بزيادة دعم العمالة للمواطن والاستثمار في تمكين المواطنين معرفيا في القطاعات الإنتاجية.
المبادرون والرسائل الإعلامية
الرسائل الإعلامية الموجهة للشباب تصور النجاح في العمل التجاري منحصرا فقط في الربح المادي الهائل وفي عدد الأفرع وحجم العمل الكبير! والسؤال هنا: هل جميع الناس عندهم هذا الهدف؟
الجواب: كلا، فهناك بعض الشباب يخيفه هذا الهدف! أي أن يكون مسؤولا عن أكثر من فرع وعدد من العمالة ونشاط يومي مزدحم، تقابله مخاطر عالية تحتاج الى حس عال من روح المغامرة.
لذلك من الأفضل أن تتنوع الرسائل الإعلامية الموجهة للشباب بحيث تناسب الأغلب بمختلف طباعهم وميولهم وقدراتهم.
عبارات تسبب خوفاً
«بادر وكن صاحب عمل وستصبح من الأثرياء والمشاهير مثل فلان وفلان».. هذه جملة تشجيعية لحث المواطنين على ولوج عالم العمل الحر وترك الوظيفة الحكومية.
وفي ظني أنها لا تخدم الهدف العام، والسبب: أولا: هدف الحكومة هو تحويل مجاميع كبيرة من المواطنين لامتلاك عملهم الخاص، إذن لا بد من مخاطبة جميع الشرائح السكانية أي الذكور والإناث، الشباب في العشرينيات مرورا بالشباب في الخمسينيات، المتحفظين والمغامرين، عديمي الخبرة والخبراء، المتعلمين وغير المتعلمين، وليس فقط مخاطبة شريحة الشاب المغامر الطامح لتكوين ثروة كبيرة وإدارة شركات عابرة للقارات، لأن هذه العبارات تسبب خوفا لشرائح كبيرة العدد لا تحبذ تعدد المسؤوليات وتكره السفر المتكرر.
ثانيا: ليس الهدف هو تحقيق نجاحات مالية هائلة، بل المطلوب كحد أدنى هو أن يستغني هذا المواطن عن العمل في الوظيفة الحكومية بمدخول شهري يقارب دخله من الوظيفة بالإضافة لعامل الأمان.
لكن ما يحتاج اليه الكل من الدولة هو تذليل العقبات كالروتين الإداري، والعقبة الأهم هي توفير الأماكن المناسبة بأسعار مناسبة لممارسة العمل في المشروعات الصغيرة.
التخطيط التأشيري وأثره في توجيه المبادرين
تبني التخطيط التأشيري يأتي بالتكامل مع كل وزارات الدولة تقريبا، باستخدام الرسوم، الإعفاءات الجمركية، دعم العمالة، الترخيص بمزاولة النشاط في الجمعيات التعاونية ومرافقها، دخول المناقصات، تخصيص الأراضي وغيرها.
هذه الأدوات يكون استخدامها إما لتشجيع المبادرين نحو المشاريع المفيدة، أو لكبح الاندفاع نحو تأسيس مشاريع معينة لا تشكل إضافة للاقتصاد الكلي لوجود تشبع في السوق أو لضعف الروابط الأمامية والخلفية لهذه المشاريع، على أن يمتاز استخدام أدوات التخطيط التأشيري هذه بالمرونة والتوقيت المناسب، وأن يكون لها أثر زمني محدد.
العالم الآن يكافح جائحة فيروس كورونا، وكل التوقعات تشير الى أن الاقتصاد العالمي سيكون بعد كورونا غيره قبل كورونا! حيث ستتوجه رؤوس الأموال إلى قطاعات جديدة وتنحسر عن أخرى، وسيتم التركيز على الخدمات الإلكترونية بشكل أكبر وكذلك الصحية.
بالنسبة للكويت كدولة مستوردة للعمالة ومنكشفة على الدول المصدرة للعمالة، من صالحها أن تركز على الميكنة في القطاع الزراعي والصناعي والخدمي.
وتوجيه القطاع الخاص للمشاريع قليلة العمل/ كثيفة رأس المال Capital Intensive، وكذلك التوسع في استخدام الخدمات الإلكترونية، وهنا يأتي دور الدولة في توجيه المبادرين للأنشطة المطلوبة ومساعدتهم فنيا وإداريا وقانونيا بجانب المساعدة المالية.