مع بداية الستينيات شهدت المنطقة العربية نهضة كبرى بفضل الفوائض المالية النفطية وجهود قيادات ومسؤولين كبار نجحوا في الاستفادة من تلك الفوائض في تنفيذ خطط ومشروعات تنموية طموحة في بلدانهم وكذلك في الدول الشقيقة عبر صناديق التنمية العربية، وفي هذا السياق يبرز اسم عبد اللطيف يوسف الحمد رئيس مجلس الادارة والمدير العام للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي كأحد أهم رواد جيل المؤسسين والمبادرين في مجال التنمية والعمل الاقتصادي العربي المشترك بإنجازاته الضخمة وأدائه الاستثنائي على مدى العقود الستة الماضية.
كان لنشأة عبداللطيف الحمد على ارض الكويت في نهاية الثلاثينيات وأصله الطيب وتعليمه الراقي في المدرسة القبلية بالكويت، ثم في فيكتوريا كوليدج بالإسكندرية والجامعة الأميركية بالقاهرة، ثم كلية كليرمونت وجامعتي هارفارد وستانفورد بالولايات المتحدة كان لهم ابلغ الاثر في تكوين شخصيته الثرية المتزنة المتنوعة والمتشعبة في معارفها وثقافتها وعلاقاتها.
وجاءت خبراته الطويلة في مجال العمل العام على مدى ستة عقود جلها في مجال التنمية عبر قيادته للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية في الفترة ما بين عامي 1963 و1982، وتوليه مسؤولية وزارتي المالية والتخطيط في الكويت في الفترة ما بين عامي 1981 و1983، ثم قيادته للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الفترة ما بين عامي 1985 و2020 لتجعل منه شخصية استثنائية بكل المقاييس.
ساهم عبداللطيف الحمد في تحسين حياة الملايين من المواطنين العرب عبر اشرافه على تنفيذ المئات من مشاريع التنمية للصندوقين الكويتي والعربي في مجالات المرافق والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء والطاقة والنقل والاتصالات والزراعة والري والتنمية الريفية والصناعة والتعدين وغيرها من المجالات وبتكاليف اجمالية ضخمة.
ويعد الحمد صاحب مدرسة في التنمية العربية لا تكتفي بمجرد تمويل المشروعات وبناء المنشآت بل اتسعت في نظرتها لتشمل بناء الانسان وتنميته عبر سياسات وبرامج لدعم وتشجيع المبادرين والمبدعين العرب في مختلف المجالات بما فيها المجالات البحثية والثقافية والفنية وغيرها باعتباره الهدف النهائي والوسيلة الاهم لبرامج التنمية.
هو عروبي بامتياز قولا وفعلا عبر ادارته البارعة لفريق عمل متعدد المهارات والخبرات تم انتقاؤه وفق معايير مهنية من مختلف الجنسيات العربية لمساعدته في ترسيخ مكانة «الصندوق» في قلوب ملايين العرب والقيام بدوره في مساعدة حكوماتهم على تحسين مستوى معيشة المواطنين في المنطقة.
حباه الله واكسبته الخبرة سمات شخصية نادرة أبرزها ميزة التوازن الدقيق في الخصال ما بين التواضع والحسم وكذلك ما بين الموضوعية والانسانية الى جانب ما يمتلكه من علم وخبرة وحرص على مبادئ العدالة والرحمة والوفاء.
شغل مناصب عدة كرئيس وعضو مجلس ادارة في العديد من المؤسسات الاقتصادية الاقليمية والدولية، وعضو في مجالس اللجان الاستشارية لعدد من المؤسسات المالية الدولية، منها البنك الدولي، وعضو في مجموعة الثلاثين، وعضو في مجالس أمناء العديد من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في العالم العربي وعلى مستوى العالم.
أشرف على انشاء المقر الدائم للمنظمات العربية وحوله من مجرد مبنى متطور يضم مقرات أربع منظمات وجهات عربية رائدة الى متحف مفتوح يضم مقتنيات نادرة وتاريخية، الى جانب ابداعات لفنانين ورسامين عرب، بل نجح في جعل هذا المبنى رمزا للمهنية والانضباط ومثالا لما يجب ان تكون عليه ادارة المؤسسات في دول المنطقة.
كما قام عبد اللطيف الحمد بدور مهم في مناقشات انشاء الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات ودفع مسيرة العمل فيها منذ تأسيسها وحتى الآن. حيث قام بتوجيه الدعوة لانعقاد الاجتماع الاول لمجلس مساهمي المؤسسة في عام 1974، وترأس أول لجنة للإشراف على أعمالها في العام 1975، فضلا عن أن «الصندوق العربي» يساهم في رأسمال «المؤسسة» ويشارك بفعالية في أنشطة واجتماعات مجلس مساهميها.
وفي هذا السياق، واضافة لأسباب اخرى عديدة لا يتسع المجال لذكرها كان من الطبيعي ان يتم تكريم رائد العمل التنموي العربي عبد اللطيف يوسف الحمد من العديد من ملوك ورؤساء دول وحكومات الدول العربية بأرفع الاوسمة والنياشين وكل اساليب التقدير المختلفة.
كما تم منحه درجة الدكتوراه الفخرية من جهات تعليمية اقليمية ودولية، وإطلاق اسمه على العديد من المؤسسات التنموية في دول المنطقة.
ومع انتهاء فترة قيادته للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي اتقدم ونيابة عن مجلس المساهمين ومجلس الادارة وكوادر المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات بالشكر والتقدير لرائد التنمية العربية، إضافة الى تقديم «لوحة تذكارية» باسم المؤسسة، فضلا عن اقتراح إطلاق اسم عبد اللطيف يوسف الحمد على قاعة المؤتمرات الرئيسية في المقر الدائم للمنظمات العربية.
وفي الختام انقل لرائد التنمية العربية تمنياتنا جميعا له بالتوفيق واستمرار وتواصل العطاء عبر عضويته في مجالس اللجان الاستشارية لعدد من المؤسسات المالية الدولية، وعضويته في مجالس أمناء العديد من المؤسسات البحثية والتعليمية في المنطقة والعالم، الى جانب نشاطه المتنوع عبر الكتابات وأوراق العمل والاسهامات العلمية في المؤتمرات والدوريات الدولية والاقليمية المهمة وغيرها من المجالات.
*عبدالله أحمد الصبيح - المدير العام - المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات