حققت الكويت على مدى السنوات الخمس الماضية (2015/ 2016 - 2019/ 2020) عجزا فعليا في ميزانياتها بإجمالي قدره 17.5 مليار دينار. وفي مطلع شهر سبتمبر قال رئيس مجلس الميزانيات والحساب الختامي في مجلس الأمة «إن العجز في ميزانية الدولة 2020/ 2021 يقدر بـ 14 مليار دينار»، ما يمثل أعلى مستوى عجز في تاريخ الكويت.
ومع سعر التعادل المقدر بـ 80 دولارا للبرميل، أي ما يعادل ضعف السعر الحالي تقريبا، ومع الزيادة المستمرة لمصروفات الدولة في السنوات القادمة، لا يسعنا إلا أن نقر بتوقعات البنك الدولي بأنه سيتم استهلاك موجودات صندوق الأجيال القادمة في العقد القادم إذا أبقينا الأمور على ما هي عليه.
مع الوضع الذي وصلنا إليه، أضحى نجاحنا في المعركة مع الفساد والهدر ليس كافيا. ما نحتاجه اليوم هو إصلاح جذري وحلول مستدامة لملفات مزمنة عمرها عقود من الزمن، ولعل الملف الأهم هو ملف «تنويع وتنمية مصادر الدخل غير النفطية»، وفي هذا الملف يتداخل الشأن السياسي بالشأن الاقتصادي. فلا إصلاح مع انعدام الاستقرار السياسي، ولا إصلاح إلا مع قيادات نظيفة وكفؤة تحظى باحترام وتقدير من يعمل معها والمجتمع.
وفي مقاربة الملف الاقتصادي يجب الابتعاد عن الحلول الشعبوية والترقيعية، التي ظاهرها جميل وباطنها مدمر. نعم نريد أن نشجع الشباب المبادر، بشرط ألا يكون ذلك من خلال مشاريع تعمق من الخلل في سوق العمل والتركيبة السكانية. لا بد من أن ننظر لأي حل بعدسة واسعة ترى وتراعي جميع جوانب المشكلة. كما لا نريد أن نتبنى حلولا غير مستدامة يدفع ثمنها أبناؤنا وأحفادنا، فالاستدانة لسد العجز في ميزانية الدولة هو حل لا غبار عليه، شرط ألا يكون اعتمادنا في تسديد استحقاقات الدين هو على ارتفاع سعر برميل النفط أو تسييل صندوق الأجيال.
ببساطة، نحتاج إلى تنويع مصادر الدخل بمبادرات كبرى تشحذ لها الهمم وتسخر من أجلها الطاقات. ومن جملة تلك المبادرات تأتي الصناعات النفطية المساندة واللاحقة المتوسطة أو الصغيرة الحجم، بالإضافة إلى صناعة السياحة بكامل مكوناتها وبنيتها التحتية، ولتكن البداية مع السياحة الداخلية التي يمكن أن توفر إيرادات بمليارات الدنانير سنويا. وهناك صناعات الجيل الرابع الفكرية التي تطلق العنان لملكات الابتكار والإبداع عند أبنائنا الخريجين والخريجات، مع التركيز على الابتكارات والتصاميم العملية القابلة للتسويق وتحقيق مردود تجاري مجز. ولابد من أن يصاحب هذه المبادرات دعوم موجهة تهدف إلى خلق فرص العمل للمواطنين في الدرجة الأولى، مع الحرص على أن تكون هذه الدعوم لمدة زمنية محددة تصبح بعدها هذه المشاريع مثمرة وتساهم بشكل فعال في دعم الاقتصاد الوطني.
TariqAldowaisan@