Note: English translation is not 100% accurate
أعلام اقتصادية
دافيد ريكاردو.. الاقتصادي النظري الكامل
26 يوليو 2012
المصدر : الأنباء

مدحت فاخوري
ينتمي دافيد ريكاردو (1772 - 1823) إلى المدرسة الفكرية الكلاسيكية القديمة التي ينتمي إليها أيضا كل من آدم سميث ومالتس واعنى، فعلى الرغم من عدم تفرغه لتدريس علم الاقتصاد وتأليف الملفات الكثيرة فيه كما فعل أستاذه ادم سميث وزميله مالتس، إلا انه قام بتأليف كتاب وحيد هو «مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب» والذي ترك آثارا عميقة في علم الاقتصاد، ويكفيه فخرا ما يقال عنه دائما من انه جمع المبادئ الكثيرة والمبعثرة للمدرسة الكلاسيكية مكونا منها نسيجا متماسكا من التحليل الاقتصادي. لقد كان ريكاردو متشائما هو الآخر إزاء مستقبل الجنس البشري متجها إلى الخط العريض الذي اختطه مالتس لنفسه، إلا أن تشاؤم ريكاردو كان من النوع الحذر المبني على معرفة تامة بأصول النظرية الاقتصادية وخاصة قانون الغلة المتناقضة، إن المتأمل في آراء ريكاردو يجد مبادئ اقتصادية مجردة يفصح عنها فكر فلسفي واضح فآراؤه ذات نغم إنساني متجانس يشوبها شيء من التشاؤم الضمني عن عالم جرد من كل شيء عدا الدوافع الاقتصادية التي تحركه. وليس من شك أن البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بريكاردو في الربع الأخير من القرن الثامن عشر والعقدين الأول والثاني من القرن التاسع عشر قد أثرت في تفكيره وشكلت آراءه وهو الاقتصادي النظري الرائع والسمسار الذكي في بورصة الاوراق المالية بلندن، فقد عاش شبابه في المدن ورأى التغيرات الهائلة التي طرأت على المجتمع البريطاني في أثناء الثورة الصناعية وبعدها ومن ثم خرج بفكرة مؤداها ان النظام الرأسمالي على الرغم من مساوئه الكثيرة قادر على تسيير عجلة النشاط الاقتصادي ودفعها إلى الأمام دون حاجة إلى ان يستبدل به نظام آخر. وكان ريكاردو يشعر دائما بأن لديه الكثير مما يستطيع أن يسهم به في تقدم علم الاقتصاد النظري، وربما كان لدراسته المتعمقة والمتأنية لكتاب آدم سميث «ثروة الشعوب» أثر في ذلك. إلا أن صداقته لرائد الفكر السكاني وفيلسوف المدرسة الكلاسيكية مالتس كان لها أثر أكبر في تفهمه لعلم الاقتصاد ورغبته الأكيدة في ان يدلي بدلوه في وعاء ذلك العلم، وقد تم له ذلك فعلا فأخرج كتاب «مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب» سنة 1817 وهو الكتاب الذي استحق من اجله لقب «الاقتصادي النظري الكامل» وناقش ريكاردو أغلب المبادئ الاقتصادية التي نراها اليوم مدونة في المراجع العلمية الكبرى فقد ناقش فكرة القيمة معلنا أن قيمة الشيء هي ما بذل فيها من عمل فالسلعة (أ) أغلى من السلعة (ب) لأن الأولى بذلت في انتاجها ساعات عمل أطول من الأخرى، وهو هنا يؤكد مبدأ له أهميته في الفكر الاشتراكي وهو ان العمل أساس القيمة وهي بعينها الفكرة الاساسية لآراء ماركس في العمل بتلك الفكرة التي يعلق من شأنها المفكرون اليساريون الماركسيون قائلين كذبا وبهتانا انها من أفكار ماركس، في حين انها والحق يقال من أفكار ريكاردو التي كتبها قبل ماركس بثلاثين سنة. وأعلن ريكاردو نظريته في التجارة الدولية وأعني بها نظرية التكاليف النسبية التي مازالت إلى يومنا هذا نظرية أصيلة ومبدأ أساسيا من مبادئ التجارة الدولية. ونظرية التكاليف النسبية هذه هي النظرية الاساسية في التجارة الدولية والتي حفرت عميقة من النظرية الكلاسيكية القديمة، ولكنها لم تعد تصلح الصلاح كله للتعبير عن التجارة الدولية اليوم، إلا انها تدرس ضمن دراسات التجارة الدولية كخطوة تاريخية مضت وكانت تعبر في وقتها عن نظرية التجارة الدولية. ولريكاردو نظرية مشهورة أخرى أساسها، أولا: ان الريع عائد اقتصادي نظير استخدام هبات الأرض الطبيعية التي لا تنفد قواها، ثانيا: ان الريع المرتفع لا ينهض دليلا على كثرة خيرات الأرض بل على العكس يدل على شح الأرض الطبيعية وبخلها وهي كلها نظريات مطولة ومعروفة في الفكر الاقتصادي المعاصر، إذ انها مازالت تدرس بحذافيرها في الجامعات والمعاهد باعتبارها آخر ما وصل إليه الفكر البشري في الريع، كذلك فإن آراء يكاردو في التنمية والنمو الاقتصادي هي الاخرى من الآراء التي لها مكانتها في الفكر الاقتصادي المعاصر. لقد أسهم ريكاردو بنصيب كبير في تأصيل مبادئ الاقتصاد السياسي، فضلا عن مساهمته البناءة في تعميق الفكر الكلاسيكي الرأسمالي وإعلاء شأنه.