- آمر أول لواء كويتي عام 1959 وخاض جميع الأزمات العسكرية التي مرت بها الكويت حتى تقاعده عام 1986
عبدالهادي العجمي
غيّب الموت أمس الرئيس الأسبق لرئاسة الاركان العامة للجيش الفريق الركن عبدالله فراج الغانم عن عمر يناهز الـ 86 عاما بعد مسيرة عسكرية ووطنية سطر فيها بطولات سجلها التاريخ العسكري الكويتي.
يعتبر الراحل آمر أول لواء كويتي عام 1959 وهو اللواء السادس وقد دخل الراحل جميع الازمات العسكرية التي مرت بها الكويت حتى تقاعده عام 1986.
بدأ الراحل حياته العسكرية من خلال التحاقه بكلية سانت هيرست في بريطانيا عام 1956 اذ كان العربي الوحيد في الكلية واستطاع دراسة اللغة والتمكن منها والتخرج والعودة الى الكويت والبدء بتأسيس جيش نظامي حديث بدلا من مجاميع متفرقة من العسكريين ..
وفي عام 1960 أمره الشيخ مبارك العبدالله ان ينظم ويشكل كتيبة اللاسلكي التي لم تكن منظمة، فقام بترتيبها واصبحت كتيبة يعتمد عليها، ومع الايام أمره الشيخ مبارك العبدالله ان يكون قائدا للواء السادس المعروف حتى الان في الجيش الكويتي بهذا الاسم، واستلم هذا اللواء في عام 1959 وقام بتأسيسه، فعندما استلمه الفقيد عبدالله الغانم كان «مغلولا» ومن يعمل به عسكريون بسطاء وليست لديهم قدرة على التنظيم والتخطيط للجيش فكان عبارة عن وحدات عسكرية صغيرة، وكما هو معروف ان اللواء مكون من 3500 عسكري ومن ثلاث كتائب، وكان من ضمن الذين شاركوا معه في تأسيس اللواء السادس عبدالله الخرافي الذي درس في بغداد واصبح هذا اللواء نموذجيا حتى انه وقف في المقدمة ايام تهديدات عبدالكريم قاسم.
وفي عام 1962 اخذ عبدالكريم قاسم يهاجم الكويت ويتوعد باحتلالها، كرر هذه التهديدات مرارا مما ادى الى اتخاذ الحكومة الكويتية قرارا بالاستنفار، وبالفعل استنفر الجيش الكويتي وتوجهت الوية الجيش الى الحدود الشمالية للكويت، ومن هذه الالوية اللواء السادس الذي كان الفريق عبدالله الغانم قائده في ذلك الوقت، وكانت المسافة بين اللواء السادس والجيش العراقي لا تزيد عن الكيلومتر، واستمر يهدد الكويت، الامر الذي تطلب وجود القوات الكويتية على الحدود لفترة، وبعد ذلك بدأت التهديدات تقل من جانب قاسم، فقامت القوات الكويتية ببعض الانسحابات ولكنها مكثت قريبة من الحدود الكويتية – العراقية.
وكان ذلك في اشهر الصيف وظلت الكويت طوال هذه الفترة مستنفرة بقيادة المغفور له الامير الراحل الشيخ عبدالله السالم الذي وقف على المنصة في قصر السيف وخاطب الشعب الكويتي، وقال كلاما حكيما واديبا فمن حديثه خلال تلك اللحظة قوله «اما حياة تسر الصديق.. واما ممات يغيض العدا».
وفي عام 1967 عندما قرعت طبول الحرب في مصر ضد العدوان الاسرائيلي و أرادت الكويت ان تشارك شقيقتها مصر في هذه الحرب
وكان الشيخ صباح السالم رحمه الله اميرا للبلاد في ذلك الوقت أخذ الفريق الغانم الأوامر العسكرية من المغفور له باذن الله الشيخ مبارك العبدالله بان يتوجه الى القاهرة قبل وصول اللواء الكويتي لايجاد موقع مناسب له ليعسكر فيه وكانت رتبة الغانم في ذلك الوقت "عقيد ركن" وبالفعل بعد لقائه مع الاشقاء المصريين حصلت القوات الكويتية على موقع مناسب للواء الكويتي وكان في كلية الاحتياط في منطقة «فايد»، وبدأت الامور تتجهز لاستقبال اللواء الكويتي.
وبعد ذلك توجه الفقيد الغانم للسفارة الكويتية وأخذ موعدا للقاء القائد العام آنذاك المشير عبدالحكيم عامر، وكان سفير دولة الكويت هناك المرحوم حمد الرجيب، وبعد ذلك جاءت القيادة الكويتية وكان كل شيء يسير بشكل جيد، وكان هناك ترحيب من القيادة والشعب المصري باشقائهم الكويتيين.
دولة الكويت كانت اول الدول العربية التي وصلت قواتها الى مصر ثم العراق واليمن والسودان، ثم توافدت الدول العربية الاخرى فالكويت وبعد وصول القوات جهز الفريق الغانم ورفقاء السلاح للمعركة والقتال وكان قائد القوات الكويتية نائب رئيس الاركان العميد الشيخ صالح المحمد الصباح والفريق عبدالله الغانم كان مساعدا للقائد، وقد كلف بان يتولى قيادة كتيبة المغاوير لتكون اول كتيبة تصل الى ارض المعركة في سيناء وكان معه قسم الامر، حيث قاموا باستطلاع المواقع ثلاث مرات.
كان الفريق عبدالله الغانم رئيسا للاركان عندما اشتعلت حرب الخليج الاولى بين العراق وإيران . وقدم كل ما لديه من علم وخبرة عسكرية للقوات المسلحة، للحفاظ على امن الكويت.
رحلة العمر
روى الراحل في حديث صحافي للزميل منصور الهاجري مسيرته من الطفولة حتى تقاعده، قائلا: ولدت في الكويت عام 1931 ادخلني والدي مدرسة ملا مرشد ومعه ملا سليمان وبعد ذلك انتقلت الى مدرسة المباركية.
الدراسة كانت سبع سنوات دراسية، وقد انهيت الدراسة الثانوية ثم التحقت بالجيش الكويتي وذلك في العام 1949، وفي اليوم الأول من الخدمة وبعد سنوات من التدريب والعمل العسكري أرسلت في بعثة دراسية الى انجلترا، وهناك تلقيت العلوم والتدريبات العسكرية وذلك في العام 1956، ومن ضمن المنهج الدراسي علوم ثقافية ولغة انجليزية مكثفة الى جانب العلوم العسكرية.
وفي العام 1958 تخرجت في الكلية العسكرية وعدت إلى الكويت والتحقت بالجيش الكويتي عملي الاصلي، وكلفت بتدريب وحدة اللاسلكي. وبعد سنة من العمل في التدريب انتقلت إلى اللواء السادس قائدا للواء وذلك في العام 1959.
وفي العام 1961 عندما طالب عبدالكريم قاسم بالكويت كنت أقود اللواء السادس في الشمال، وكنا بكامل استعدادنا ومتأهبين لأي أوامر من القيادة العليا.
وبقيت في اللواء السادس سبع سنوات اعمل مع زملائي الضباط والافراد حتى انتقلت بناء على رغبة رئيس الأركان قائدا لسلاح المشاة، وبقيت اعمل بإخلاص واجتهاد متعاونا مع جميع الضباط والافراد الذين كانوا مخلصين لوطنهم بالخدمة العسكرية، وفي العام 1967 اصبحت معاون رئيس الاركان، وبعد اشهر قليلة من العمل عينت نائبا لقائد لواء اليرموك الذي ارسل الى مصر واشترك بكل شجاعة واقتدار في حرب 1967 الى جانب اخواننا ابناء الجيش المصري.
خدمة 45 عاما
ويتابع الراحل حديث ذكرياته قائلا: وبعد عودتي من مصر في العام 1969 كنت معاون رئيس الاركان، وعينت في هذا المنصب حتى العام 1980، وفي العام نفسه عينت رئيسا للاركان.
الحرب العراقية ـ الإيرانية
وعندما اندلعت الحرب العراقية ـ الايرانية، كان الراحل رئيسا للاركان فاتخذ احتياطات عسكرية ناجعة، اذ كانت الطائرات الاستطلاعية وقوات الاحتياط تحت الاستنفار لأن الحرب قريبة، وقدم كل ما لديه من علم وخبرة عسكرية للقوات المسلحة للحفاظ على أمن الكويت خلال تلك الفترة الحرجة.
الغزو العراقي
عُرف عن الراحل عشقه لتراب الكويت التي لم يغادرها في أحلك الظروف، إذ لم يخرج منها أثناء الغزو العراقي الآثم وبقي فيها إلى أن مَنّ الله عليها بالتحرير.
وعن تلك الفترة العصيبة يقول رحمه الله: «لم أكن مستقرا في منزلي وكنت يوميا أغير موقعي لأني معروف لديهم، ولكني في أحد أيام شهر أغسطس وعندما كنت في منزل ابنتي وهو قريب من منزلي وأثناء الظهيرة، تم إبلاغي بأن جنود الاحتلال يحاصرون منزلي ولكنهم انصرفوا بعد أن تأكدوا بأني غير موجود في المنزل، وفي اليوم التالي غيرت موقعي ولكن عاود جنود الاحتلال محاصرتهم لمنزلي، ولكن هذه المرة اعتقلوا ابني جمال وزوج ابنتي بدر، وقالوا إذا أردتم استعادتهما ليسلم عبدالله الغانم نفسه لنا قبل أن نرحلهما إلى بغداد.
وتابع قائلا: تم الطلب مني عبر مجموعة من الشباب الكويتي أن أكون قائدا لهم للقيام بأعمال مقاومة ضد المحتل وبالفعل خططنا ونظمنا لاخراج المحتل.
وبقيت في منصب رئيس الاركان من عام ١٩٨٠ حتى العام 1987، وفي نهاية العام نفسه طلبت احالتي للتقاعد بعد خدمة دامت 45 عاما، والحمد لله قضيتها بكل اخلاص وتفان وامانة.
أوسمة وتكريمات
نال الراحل تكريمات وأوسمة عديدة خلال مسيرته بلغت اثني عشر وساما: ستة أوسمة من الكويت مكافأة له على الخدمة في جيشه ومدافعا عن أرضه ومواطنيه.
وفي حرب 1967 تم منحه وسام اللواء، ومن مصر وسام الشجاعة ومن سورية وسام الشجاعة ومن السعودية وسام آخر وكذلك من شاه إيران، وأيضاً من الاتحاد العسكري الدولي.
وبهذه المناسبة الأليمة، تتقدم «الأنباء» بأحر التعازي لعائلة الفقيد، داعين الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهم ذويه الصبر والسلوان.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).