كريم طارق
بدعوة من الزميل يوسف عبدالرحمن (أبو مهند)، خرجت من منزلي بمنطقة حولي قبل صلاة فجر يوم الجمعة بساعة تقريبا متوجها إلى منطقة أبو الحصانية لزيارة مسجد هيا الإبراهيم والالتقاء برواده، وذلك لقضاء يوم مميز وغير عادي برفقة رواد هذا المسجد الصغير من حيث مساحته والكبير بما لمسته من أجواء إيمانية وأخوية لا تفرق بين أحد من رواده بمختلف جنسياتهم وطبقاتهم، وهو ما دفعني لمشاركة قراء «الأنباء» هذه الجولة المميزة التي تعرفت من خلالها على الكثير من الجوانب الخيرية لرواد هذا المسجد، كما استمتعت بلوحة فنية من إبداع الخالق عز وجل متمثلة في لحظات شروق الشمس من منطقة أبو الحصانية الواقعة على ساحل الخليج العربي.
بعد أقل من نصف ساعة من القيادة تقريبا وصلت إلى مسجد هيا الإبراهيم الذي تأسس في عام 1993، حيث كان في استقبالي الزميل يوسف عبدالرحمن (صاحب الدعوة)، وبعد دخولنا إلى المسجد بدقائق صدح صوت عذب ملأ أركان المسجد بالهدوء والسكينة كان مصدره مؤذن المسجد موسى سلطان ـ فلبيني الجنسية ـ معلنا قيام صلاة الفجر ليؤم المصلين إمام المسجد عصام العبيد.
«أبو الحصانية»
بعد انتهائنا من صلاة الفجر، خطر على بالي سؤال قد لا يعرف إجابته الكثير من الوافدين على هذه الأرض الطيبة، ألا وهو: لماذا سميت هذه المنطقة بـ «أبو الحصانية»؟ فجاءت الإجابة الشافية من أبو مهند: «بأن المنطقة قديما كانت ملجأ للكثير من الثعالب، وقد كان أهل الكويت يسمون الثعلب حصني وأيضا الواوي وأبو الحصين، لذلك سميت هذه المنطقة الواقعة في محافظة مبارك الكبير بأبو الحصانية».
مسجد جامع للخيرات
وتطرقت بعد ذلك في الحديث مع الزميل يوسف عبدالرحمن عن العمل الخيري، والذي بدوره أشار إلى أن العمل الخير في الكويت بشكل عام هو أمر متوارث جبل عليه أهل الكويت على مر العصور، ليجوب العمل الخيري الكويتي جميع أرجاء العالم ويكون نصرة للدول المنكوبة.
أما فيما يتعلق بالعمل الخيري الذي يقدمه مسجد هيا الإبراهيم، فقال «إن المسجد على مدار العام يقدم الخير والعطاء لكل من هو محتاج، حيث ذاع صيت الخير الذي يقدمه أهل المنطقة ورواد المسجد في الكثير من المناطق المحيطة»، لافتا إلى أن المسجد خلال شهر رمضان الماضي قدم أكثر من 8000 وجبة إفطار ساخنة لضيوف بيت الرحمن الصائمين من مختلف الجنسيات، بينما قدم خلال عيد الأضحى المبارك أكثر من 200 أضحية، إضافة إلى تسيير رحلات العمرة والإغاثة للفقراء والمساكين والمعوزين.
المشي حافياً
وبعد هذا الحديث، انتقلنا إلى الساحل الذي لا يبعد عن المسجد إلا بضع خطوات، وذلك لممارسة رياضة المشي والاستمتاع بمشهد أروع ما يكون وقت شروق الشمس، وذلك برفقة عدد من رواد المسجد في عادة دائما ما يحرصون عليها، خاصة في ظل هذا الجو الرائع مع قرب انتهاء فصل الصيف، والغريب في الأمر هو إصرار «أبو مهند» على ممارستنا لهذه الرياضة حفاة الأقدام على «حصى الأسفلت البارزة» ومن ثم رمال البحر، وقال: إنها علاج صيني مجرب، لأنها تدلّك كل أجزاء الجسم مثل القلب والكلى وبقية الأجزاء.
ولكنه لم يتركني أفكر كثيرا عن السبب، ليوضح بعد ذلك أن المشي حافيا يعمل على تفريغ الجسم من الشحنات الكهربائية الفائضة من الأقدام إلى الحصى، وبالتالي الشعور بالراحة والاسترخاء بشكل أكبر، كما أن المشي حافيا على الحصى يسهم أيضا في تنشيط الدورة الدموية، إذ يعتبر كإجراء جلسة مساج للقدمين.
تلوث بيئي
وأعرب الزميل يوسف عبدالرحمن عن استيائه أيضا من أفعال البعض ممن يرمون مخلفاتهم على الشواطئ، لافتا إلى أن الأكياس البلاستيكية والعلب والزجاجات «مصيبتها مصيبة، فهي لا تذوب ولا تستهلك لسنين طويلة، ما يجعلها مدمرة للبيئة».
وتابع قائلا: «هذا التلوث البيئي مسؤولية بعض المواطنين والمقيمين من رواد الشاطئ، الذين يلقون مخلفاتهم في البحر، لكننا نحاول إصلاح ما أفسده الآخرون من خلال الحملات التوعوية وعمليات تنظيف الشواطئ».
وأضاف: «نحن كل يوم نحمل معنا كيسا لنضع فيه مخلفات من يزورون الشاطئ ليلا ليتعشوا، وللأسف يتركون مخلفاتهم وراء ظهورهم!».
فطور صباحي
في عادة جميلة، يحرص رواد المسجد من مختلف الجنسيات في كل صباح وبالتحديد بعد شروق الشمس على تناول الفطور معا، وذلك للاطمئنان على أحوالهم وكسر الروتين فيما بينهم، إذ تنتشر الأحاديث والضحكات، في أجواء أسرية لا تفرق بين أحد منهم، فالجميع هناك إخوة إذ تجد في هذه الجلسة مختلف الطبقات والجنسيات العربية والآسيوية، كما أنه في كل يوم هناك درس أو خاطرة إما من أحد أئمة المسجد أو الحاضرين.
«بوشميس» من الرعيل الأول والزمن الجميل
خالد الشميس.. مواطن كويتي من الرعيل الأول، بدأ حياته مدرسا بالمرحلة الابتدائية، وكان رياضيا مشهورا يلعب كرة القدم في نادي اليرموك ويحب البحر ولديه حظرة لصيد السمك، كما يعرف بوشميس الطب الشعبي البديل، ورغم أن جده لأمه هو العم المرحوم بإذن الله سليمان المرشود إلا أنه لا يحب العطور. وخلال جلستنا في هذا اليوم المميز، التقيت لأول مرة الأخ خالد شميس الذي دائما ما كنت أسمع عنه من خلال أحاديث ومقالات الزميل يوسف عبدالرحمن التي لا تنقطع عن صديق الدرب، وبالفعل لم يختلف ما رأيته عما كتبه أبو مهند عن تلك الشخصية الكويتية الأصيلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو بالفعل «كويتي من زمن الطيبين»، وخلال هذه الجلسة تعرفت أكثر عن آرائه التي قد تكون بالنسبة للكثيرين غريبة، إلا أنها منطقية وتحمل معها الكثير والكثير من الحقائق والفلسفة التوضيحية.
ومنذ بداية جلستنا بدأت المناوشات اليومية المعتادة بين الصديقين أبو مهند وبوشميس، حيث سأله أبو مهند عن سر كراهيته للعطور بشكل عام وانتشارها في المساجد على وجه الخصوص، لتنطلق الإجابة بانفعال من على لسان بوشميس بأن العطور هي خدعة للإضرار بالجهاز التنفسي للإنسان، مشيرا إلى أن العطور بشكل عام هي مركبات كيميائية تصنعها الشركات دون أن نعلم محتواها.
لتبدأ الحدة والانفعالات تظهر على صوته قائلا: «نادرا ما تجد المواطنين في الدول الأجنبية يرشون تلك العطور، ابتلشنا يا جماعة.. العطور منتشرة بكل مساجدنا ومع الأسف كلها مواد كيماوية»، ليقاطعه أبو مهند ولكن المولى عز وجل قال «خذوا زينتكم عند كل مسجد يا خالد؟»، ليرد بصوت أكثر حدة: «بس مو بالعطور المليانة بالمواد الكيماوية، زمان كانت العطور مستخرجة من مواد طبيعية، أما الآن فيتم إدخال المواد البترولية في هذه العطور، وبعدين الناس تكتشف بالنهاية حاشها السرطان».
لينقطع الحديث عن العطور ويبدأ أبو مهند باستذكار إنجازات «بوشميس» الرياضية، والتي تحدث عنها بوشميس بعد ذلك قائلا: «طبعا أنا رياضي قديم، وفي فترة السبعينيات أخذنا 3 كؤوس مع نادي اليرموك.. واستفدت كثيرا من الرياضة في حياتي وأنا على مشارف السبعين من عمري»، ليقاطعه أبو مهند مازحا: «وش حقه مرافچك وانت عمرك بعمر الديناصور»، لتبدأ المناوشات من جديد ليختمها بوشميس: «انت للحين بعد شعرك ما طاح يعني تشبب؟». ونظرا لعشق بوشميس وخبرته بالحداق، سألناه عن أنواع الأسماك التي كانت متواجدة قرب ساحل أبو الحصانية وانقرضت بعد ذلك، ليجيب قائلا: «من عام 1970 إلى الآن راحت 95% من الأسماك الموجودة.. واللي بقي 5 أنواع يا تلحقون عليها يا إما بينقرضوا.. والأسباب معروفة طبعا للجميع وفي مقدمتها التلوث والصيد الجائر والناس اللي تصيد أي شي وخلاص.. هذا غير الآسيويين اللي يلحقون الشرايب الأبيض والأسود والزبابيط منذ الفجر ويصطادونها»، لتستمر الأحاديث والمناوشات الودية بين الصديقين لحين انتهاء الجلسة.
وعندما سألت العم أبوشميس عن قصته مع الجن؟ قال: لا هذا يبيله حديث آخر قادم!
صدقة مهجورة
طوال فترة سيرنا، كان أبو مهند يحمل كيسا به حبوب للطيور، وفور وصولنا لإحدى المناطق الساحلية وقف ليبدأ برش الحبوب في مختلف أنحاء المكان، ليشير إلى أن منطقة أبو الحصانية تعتبر إحدى استراحات الطيور المهاجرة، والتي تأتي في الصباح الباكر من كل يوم.
وتابع: إنه وبالتعاون مع رواد المسجد يحرصون بشكل يومي على إطعام هذه الطيور، اقتداء بقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قصّ على الصحابة قصة الرجل الذي سقى الكلب، ليختم حديثه الشريف بقوله صلى الله عليه وسلم: «وفي كل كبد رطبة أجر»، متفق عليه. وأضاف أن هذه العادة من الصدقات المهجورة، على الرغم من كونها من الصدقات المباركة في الصباح، لافتا إلى أن ممارسة هذه الصدقة مع شروق الشمس، كفيلة بطرد كل الطاقة السلبية في الجسم، متوجها برسالة إلى البعض قائلا: «بسكم ما يسوى كل طير يمر من الكويت مليون شوزن يلحقه!». وقد رأيت على الشاطئ وحوله «جص الماء الفخاري» لهذه الطيور المهاجرة والمستوطنة.