هذا الكتاب القيم عمل فريد من نوعه أقدمه للقارئمن كاتب متمرس في الإعلام وله رؤية ومضمون
يوسف عبدالرحمن
[email protected]
من فضلك.. اقرأ سطوري بقلبك وعقلك قبل عينيك فهي ليست مجرد كلمات وحروف مرتبة بل آمـــــال وآلام جيل كامل كان قــــدري الانتماء له، جيل لم يكد يفتح عينيه حتى رأى طموحاته تتحطم على صخور نظام يحكم البــــلد بقبضة من نار، حرقت كل أمانينا فصمد من استطاع، وانهار من لم تتحمل صلابته سهام وسموم النظام الغاشم، وسافر من اختارته الغربة وقدر الله له ان ينجو مــــن ظلم سلطان جائر، سافرت مرغما ومصر تسكن بين ضلوعي وصدري وصدى صوت أمي يودعني قائــــلا «ربنا معاك يا ابني» ولــــم أنس دموعها كيف كانت ولاتزال تبلل خدي وتفطر قلبي، ثم تناثر أصدقائي من خريجي كلية الإعلام دفعة 1985 بين دول الخليج العربي وأوروبا وأميركا.
بهـــــذه السطور قـــدم الأستاذ حسام فتحـــي ـ مــــدير تحرير جريدة «الــوطن» افتتاحية كتابه القيم «لــــو دامت لغيرك» وهو كتاب بالفعل يستحق الاقتناء والقراءة وقد شدني المؤلف في إهدائه لي عبارة (مع أمل في مستقبل أفضل لأبنائنا جميعا) لأن الأبناء العرب في كل مكان إما يعيشون ربيعا عربيا أو حراكا سياسيا أو قمعا غير مألوف كما في الشام مثلا.
نعم بصدق استطيع أن اقول ان المؤلف استطاع ان ينقلني عبر مقالاته الـ 94 وهي محصلة الكتاب الى فهم مجريات ثورة 25 يناير وان يرسم لي ملامح مستقبلها بقلمه الساخر والناقم في آن واحد وهو محق في ذلك لأن المشاهد والوقائع والأحداث تحير (العشمان والحيران والطفشان). توقفت طويلا أمام عبارة كتبها أعرضها.. يقول: مصر بلدنا بلد العجايب.. تزرع القمح في سنين، تطرح الكوسة في ثواني؟!
في صفحات الكـــتاب وقـــفات تستحق الرصد وهي مؤرخة منذ ما قبل الثورة بأيام وحتى مرور عام على تفجرها.
أحيانا وأنت تقرأ للأستاذ الزميل حسام فتحي.. تشعر بأنك أمام مجموعة كتّاب، وهذا أوعزه الى خبرة الزميل أبو سارة الكاتب القدير الذي عرف وتربى في دهاليز صاحبة «الصحافة وليست الجلالة»، أرجو أن نبحر معا في رحلة التعرف على هذا الكتاب القيم ونحن نسأل أنفسنا: هي مصر الى أين اليوم؟
مقالات تصنع كتاباً
من يعرف قلم الزميل الأستاذ حسام فتحي الذي كتب مقالات كثيرة في جريدة «الوطن» الكويتية أو صحف مصر مثل «الوفد ـ المصريون ـ نهضة مصر» يعي انه أمام كاتب مقتدر اختار عنوانا لزاويته كلمة معبرة كثيرا عن «شخصية الإنسان المصري» وهي «طيب» وهذه تذكرني بكلمة اخرى لصيقة للشعب المصري وفي فهمه دائما «ماشي» وكلتاهما تقال بنفس المصري حسب النبرة إما إيجابا أو سلبا وحسب النية فهما أو استعباطا، لذا لا تعجب عندما تجد أن الكاتب المصري ماجد سمير ألف كتابا اسماه «ثالثهما.. الاستعباط» في إشارة الى اجتماع «الكاب مع العمة» في أسلوب قمة في السخرية.
والجميل في أبو سارة كاتبنا المبجل انه في الإهداء كتب عبارات تهز المشاعر وتجعل حتى محبي أم الدنيا من غيــــر المصريين يقولون اللهم احفظ مصر المحروسة.. يقول: الـــى كل قطرة دم زكية طاهرة روت شجرة الحرية لتثمر لنا مصر الجديدة، الى من اخجلونا بعطائــــهم وضحوا بأرواحهم النقية لنتنفس نحن هـــواء الحرية.. الى شـــهداء ثـــورة 25 يـــناير أطهر من أنجبت المحروسة.
صدقت فيما كتبت وزاد يقيني بعد ان رأيت الأحكام الهزلية الأخيرة.
عناوين تشد
وأنا استعرض دائما العناوين في الفهرس قبل ان اقرأ الكتاب جعلني حسام فتحي ـ اقرأ الكتاب من مختلف الاتجاهات فكل عنوان أفضل من سابقه يغريك حتى تنساق له وتفتح الصفحات لتلبي حاجتك، فأنا مثلا وجيلي المخضرم من هذا الجيل شاهدنا الأفلام المصرية الأبيض والأسود وتثقفنا باللهجة المصرية من المدارس والمسارح والأندية والعاملين من كل هؤلاء المصريين الذين يعيشون بيننا أو رحلوا أو حتى «ماتوا» رحم الله الأحياء منهم والأموات.
أقول عندما قرأت «وما له وابور الجاز» تذكرت اغنية الموسيقار محمد عبدالوهاب «يا وبور قولي رايح على فين» ولم يعلم الأستاذ محمد عبدالوهاب، رحمه الله، ان قطاره رايح ميدان التحرير ليتجمع الشباب المصري ليعلن ثورة 25 يناير.
وانا اقول لكل مصري ان فاتك البابور اركب صعيدي.
أما عنوان «عيون بهية» فذكرتني بأغنية «يا بهية ردي البيبان يا بهية لفي يوم يظلموك، داري العيون يا صبية لا الناس يحسدوك، كل الحكاية عيون بهية.. وشكرا لمحمد العزبي وحسام فتحي معا لأن الحساد كثر!
أما «سنة حلوة يا جميل» وهو عنوان أضحكني لأنه بصدق يعبر عن واقعنا العربي وأنا أهديه الى الربيع العربي على أمل ألا يكون شرقا أوسطيا وسط فوضى خلاقة!
مع أن «الجعان يحلم بسوق العيش» يامصراوية والجزار مايخفش من كتر الغنم فاحذروا.
الرسالة وصلت
شقي في الكتابة الأستاذ حسام فتحي يسمح لقلمه بأن يمتد الى عش الدبابير ولأنني (نحال) وأعرف لسع النحل والدبابير أشير الى ما أشار اليه (ما العلاقة بين عالمي المخابرات والمال؟) ايه يا عم حسام فتحي وتسأل كمان عن علاقة المخابرات بالمال!
مصيبة سوداء آخر ده يجيب ده!
لكن خلينا نكون حويطيين وبلاش الحكمة «آخر الحياة الموت»، يا حسام عايزين نشوف آخر الثورة والثوار ايه يا حبيبي، انت مش كتبت من القلب الى القلب!
وأنا أقـــــولك نعم ما كتبته وصــــل لأن سطــــورك في الكتاب لها معان جميلة لما جرى في المحروسة ولشعب مصر العظيم بعد كتم النفس لمدة تزيد على 30 عاما لذا نحن معك ستبقى المحروسة كنانة الله في الأرض الآمــنة وسيرحل عنها كل الأشرار ولنردد معك: ليحفظ الله مصر وشعبها من كل مكروه.
الرمزية
عقب قراءتي للكتاب وضعته على الطاولة أمامي وقلت خليني أكتب حصيلة ما قرأت كعادتي في قراءة كتاب ثم الكتابة عنه او التعقيب عليه او اهماله ان كان خارج دائرة اهتماماتي غير ان الحقيقة انني أمسكت القلم وطاش فكري دقائق لأن أستاذي حسام فتحي ـ بكل صدق رغم محتوى الكتاب ـ قد يبدو بسيطا قياسا بالمؤلفات الموسوعية والتوثيقية غير أنني وجدت أنني تناولت وجبة صعبة فالسطور التي يكتبها قد تبدو لك انها بسيطة مثل عنوانه (طيب)!.
لكن فكر ودقق تجد هناك عمقا في الكلمة وابعادها وما وراءها بمعنى أدق الأستاذ حسام يستخدم اللفظ كما هو الطبيب الناجح المزاول لعمله في استخدام الآلة وفتح مكان الوهن والمرض واستئصاله، انظروا في العناوين (امشير.. كفاية حرام) و(التكفير والهجرة والتفكير في الهجرة) و(حارة كل من أيدوالو) والفول والحرباء.. و«الفل الوفي» و«مبارك.. شيسكو» و«شكلها باظت» و«حيتان الأرض» نعم والله هم حيتان الأرض.
واضح عندما تقرأ أنت أمام كاتب متمرس ومتمترس خلف قوته في اللغة والعمل الصحافي في الصحف اليومية أعطاه سيلا من الألفاظ الحارقة وبالفعل استطاع بجدارة ان يستخرج من كل هذه المقالات مؤلفا منسجما للواقع الثوري الذي نعيشه اليوم ولايزال المشهد السياسي حافلا.
لو دامت لغيرك
هذه العبارة ليست بعيدة عن ثقافة الشعب الكويتي فهم يعرفون «لو دامت لغيرك ما اتصلت اليك» وهي مكتوبة فوق قصر السيف العامر وهي شعار موروث يتبناه الحاكم قبل شعبه لأن أمر الحكم مرتب في الكويت منذ 300 سنة او يزيد.
الأستاذ حسام فتحي اختار مقاله «لو دامت لغيرك» الذي كتبه في 26/1/2011 عنوانا لكتابه متأثرا بما عايشه في الكويت بلده الثاني الذي يعشقه يقول في مقدمة المقال: التغيير سنّة الحياة، ولكن يبدو ان حكومتنا (فرض) وليسوا سنّة! «لو دامت لغيرك ما اتصلت اليك» هي العبارة الشهيرة والحكيمة التي تعلو قصر الحكم في الكويت ولكن يبدو ان غالبية حكام العرب لم يقرأوها).
لقد أحسن الأستاذ حسام فتحي اختيار عنوان كتابه، لأن هذه العبارة لها أبعاد يصعب حصرها في معنى واحد وهكذا «ما ينوب الكداب الا سواد وشه» مسجى في فراش المرض والأحكام تلاحقه.. صحيح ما يقع الا الشاطر يا بوعلاء وتبقى الحقيقة لأهل الشهداء جميعا «ما يحمل همك الا اللي من دمك» والشعب المصري يقولها: لو دامت لغيرك.. وما يشكر السوق الا من كسب.
إلا وحدتنا
أثار انتباهي ما قرأته تحت عنوان «إلا وحدتنا» والذي كتبه الاستاذ حسام فتحي في 5/1/2011 وسر لفت انتباهي هو معرفتي المسبقة بنظرة استاذنا «أبوسارة» للوحدة الوطنية وانا شخصيا اتذكره جيدا ايام عمله في جريدة «الأنباء» اولا مسؤولا عن الصفحة الاقتصادية ويوم كان مديرا للتحرير وخلال هذه الفترة الطويلة لا يعرف المقربون منه هل هو مسلم ام مسيحي بل ان كثيرا من المسيحيين في «الأنباء» حسبوه قبطيا وهذا يثبت ان ما كتبه ينسجم مع اخلاقياته ومبادئه، وانا اشهد له بهذه الصفة الجميلة فهو على الدوام مفتاح خير ومغلاق شر، وانا معه في خوفه على مصر من هذا الوباء الخبيث المتمثل في الفتنة الطائفية وانا معه في حلمه ان يتعانق الهلال مع الصليب، فالحروب لا تأتي بالخير ابدا وانما هي شر مستطير ودمار ودماء وخسائر لا حصر لها.
استاذ حسام فتحي نحن جميعا معك في هذا العنوان النابع من شخصيتك المتوازنة دائما وضد هواة الصيد في الماء العكر ونيران الفتنة التي تدمر الوحدة الوطنية ويستوي ذلك في التطرف الاسلامي والتشدد المسيحي، وتبقى مصر موحدة ان شاء الله.
«فلة» من الفلول
الفلول لفظ مصري يقصد به كل من يمضي في ركاب العهد البائد الى غير رجعة، ولفت نظري مؤلف الكتاب الى الاشارة في هذا السياق برسالة الى صديقه معتز الدمرداش في صفحة 136 يقول فيها: «ربما تكون عند صديقي معتز الدمرداش الذي انتهز الفرصة لأهنئه على نجاح برنامجه الجديد الذي يظهر فيه وحده ولا تشاركه فيه «فلة» من الفلول».
انا لا اتصور بعد ان عايش جزء من الشعب المصري الشقيق كل هذا العبث في المقدرات ودم الشهداء ان يقبل على نفسه بأن يوصم بالفلولية؟!
ليه ايه اللي جابرك ما قالوها الاولون: «اتبع البوم يوديك الخراب» و«اتبع الكذاب لحد باب الدار»، اليس مطلب كل الثوار مصر جديدة يتساوى فيها الجميع، ليه ما نتعلم من دروس التاريخ ما بلاش تجروا وراء المثل المصري:
«اتعلم الحجامة في روس اليتامى» ويقول الشاعر:
وذي بخل يروم المدح مني
ولا كرم لديه ولا كرامة
أكارمه بدر بحور شعري
واغرق منه في بحر اللآمة
ياشباب مصر تذكروا
المثل المصري «بيت النتاش مايعلاش».
إصدارات مصرية
حرصت منذ اندلاع الثورة على ان اقرأ كل كتاب جديد عن هذه الثورة الشبابية التي غيرت مجرى التاريخ في مصر، ولا اخفي انني سعدت بقراءة كتاب «يوميات ثورة الصبار» لعبدالرحمن يوسف «وأصله معداش على مصر» للدكتورة هبة يس و«الأيام الأخيرة لنظام مبارك» لعبداللطيف المناوي و«أمة في خطر» لاسلام محمد البنا و«مستقبل مصر بعد الثورة» لشريف الشوباشي و«ثورة 25 يناير ايام الغضب والتحدي» للدكتور باسم عادل و«رئيس لمدة شهر» لابراهيم البشلاوي.
وايضا كتاب «مشاهد من قلب الثورة» لعبدالرحمن سعد وللاديب المصري علاء الاسواني «هل اخطأت الثورة المصرية؟» وكتب محمد حسنين هيكل الثلاثة:
مصر الى اين ما بعد مبارك وزمانه.
مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان.
مبارك وزمانه ماذا جرى في مصر ولها؟
وأخيرا: مسك الختام رائعة حسام فتحي «لو دامت لغيرك» كتاب يرصد الثورة المصرية، ويشير الى احداثها وملامحها بسلاسة العبارة ونبل المشاعر وحكمة العقل المجرب في الاعلام لينقلك الى المشاهد في المشهد السياسي بكل مصداقية تاركا لك الحكم، فاحرص على اقتنائه وقراءته. «وتذكروا ايدْ على ايدْ ترمي بعيد».