Note: English translation is not 100% accurate
منهم مفتيا مصر ولبنان ود.السامرائي ود.الفلاح والعلامة بن بيه
علماء الأمة يوقّعون على إعلان موسكو لوقف التطرف والعنف في القوقاز
15 ديسمبر 2012
المصدر : الأنباء



الأراء السديدة في قضايا الجهاد وإجراء الأحكام الشرعية والخلافةأسامة أبو السعود
وقع عدد من علماء الامة الاسلامية على اعلان موسكو الذي صدر في ختام مؤتمر «الفكر الاسلامي ودوره في مواجهة الغلو» بالعاصمة الروسية موسكو في 25-26/5/2012م.
واعتمد علماء الامة الاسلامية وفي مقدمتهم مفتي مصر د. علي جمعة ومفتي لبنان الشيخ محمد رشيد قباني ورئيس ديوان الوقف السني في العراق د. احمد السامرائي ومجلس شورى الجماعة الاسلامية في مصر ووكيل وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية د. عادل الفلاح وفضيلة العلامة بن بيه وجمع من علماء الامة الاسلامية، ما جاء بإعلان موسكو لوقف العنف والتطرف في القوقاز.
واعلان موسكو وهو اول اعلان متكامل من علماء المسلمين للرد على القضايا الشرعية في مواضيع الجهاد وإجراء الأحكام الشرعية والخلافة.
وفيما يلي تفاصيل «إعلان موسكو» :
إعلان موسكو بشأن قضايا الجهاد وإجراء الأحكام الشرعية والخلافة
هذا إعلان علمي لتحرير جملة من قضايا الفكر الإسلامي المعيش، مما تقتضيه الحاجة إلى تحرير القول فيه وتجاوز الخلاف حوله في بعض النوازل والمستجدات المتعلقة بالواقع الروسي: بهدف جمع الكلمة، وتوحيد القول، حتى تكون جامعة وشاملة تصلح إطارا مرجعيا للعمل الإسلامي المعاصر للشباب المسلم في روسيا بعد أن أقرها جمع من علماء الأمة المشهود لهم برسوخ العلم والربانية الصافية والتجرد للإسلام في مؤتمر روسيا «الفكر الإسلامي ودوره في مواجهة الغلو- موسكو-25-26/5/2012م» الذي شارك فيه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمركز العالمي للوسطية في الكويت ومركز الوسطية في موسكو مع الصندوق الخيري لبطل روسيا أجمد حاج قادروف، فيحسن الشباب استقبالها، ويتعاملون معها بجدية فاعلة ومنهج راشد، وينظر إليها بموضوعية صادقة، وتمثل إضافة حقيقية له في مسيرة تعزيز الوسطية التي هي شرط أساسي لتكون الأمة شاهدة على العالم وبدونها لا يتحقق هذا الإشهاد لا في الدنيا ولا في الآخرة.
هذه الوثيقة قصدنا من خلالها أن تكون إعلانا مختصرا علميا محكما في مسائل الجهاد والتكفير والسياسة الشرعية والتعايش السلمي على نحو قريب مما جرى عليه أهل العلم من قبل في إحكام الصيغة وضبط المقصود، لتكون بين يدي الشباب المسلم بمثابة مرجعية في المستجدات المعيشية في الواقع الشبابي المسلم بعد أن راجعها علماء الأمة ونقحوها وأنضجوها بالقدر الذي صحت معه هذه الوثيقة أن تكون حجة واضحة وجلية في القضايا التي اعتراها غلو في الفهم وفي التطبيق لاسيما في التساؤلات التي يتم تداولها حول من يحق له إجراء الاحكام الشرعية كالتكفير والتفسيق وغيرها والإفتاء في قضايا الجهاد وإعلان الحرب وقضية الخلافة وانعكاسها على مفهوم المواطنة والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
أولا: حرمة الدماء
لقد كرم الله الإنسان وخلقه في أحسن تقويم، وكرمه بجميع أنواع التكريم، قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). وهذا لا يختص بأتباع دين الإسلام عن غيره فالآخر داخل في هذا التكريم كما يقول ابن عابدين في الحاشية، ومن عناية الله بالإنسان أن الله حرم الاعتداء عليه بالقتل أو بما دون ذلك من قطع أو جرح، وتعددت آيات القرآن الكريم التي تنهى وتحذر من قتله بغير حق ومن تعظيم حرمة الدماء في الإسلام أن الله جعل التعدي على حياة شخص واحد يعد تعديا على حياة الناس جميعا حيث قال سبحانه: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) [المائدة:32].
إن صيانة الأرواح والدماء بالحق وتحريم إلحاق الضرر بها وسفكها بالباطل يعد قاسما مشتركا بين كل الشرائع السماوية والسابقة لأن بقاء البشرية واستمرار الرسالة الربانية مرهون أساسا بحياة الأفراد ولذلك كان هذا المبنى من أهم الضروريات وأكبرها التي حفت بالزواجر والنواهي.
ثانيا: مفهوم الجهاد
٭ وضع الإسلام للجهاد رؤية خاصة تتناسب وطبيعة الإسلام الحضارية التي تأبى أن تعتبر الجهاد مشروعا تدميريا أو خطة انتقامية، ومن ثم وضع الإسلام للجهاد منظومة متكاملة من الضوابط والأحكام والمعالم التي تحفظ للجهاد في الإسلام دوره الحضاري، ومن أهم تلك الأسس والمعالم:
1 - ان للجهاد معاني متعددة متسعة وشاملة في الإسلام وليس مقصورا على القتال وامتشاق السلاح في وجه الخصوم فحسب ومن ثم فحصر الجهاد في مفهوم القتال دون غيره من مجالات بذل الوسع لنصر دين الله يعد إجحافا ووضعا للشيء في غيره موضعه وقد عرف شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية الجهاد بقوله: «هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال».
2 - ان الجهاد بمعنى القتال يرتبط ارتباط وثيقا بأمرين هامين هما:القدرة على إنفاذه لرد العدوان وغلبة المصلحة وأن إهمال هذين الشرطين أو عدم تحققهما كفيل بأن يدخل الشباب والمتحمسون في أي موقع أو موطن محارق ومهالك دون طائل من ورائها.
3 - ان الجهاد لم يكن يوما من الأيام هدفا في ذاته ولا غاية، فلم يشرع الإسلام القتال من أجل القتال وإنما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى حفظ الدين وإعزازه، وإعلاء لكلمة الله تعالى، فهو وسيلة من ضمن الوسائل العديدة لتحقيق الأهداف العظمى والآمال السامية، وليس غاية مرادة لذاتها.. فكان صلى الله عليه وسلم تارة يقاتل وتارة يصالح، وأخرى يحالف، ورابعة يرجع من غير قتال، رأيناه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف يحاصر حصنهم حتى إذا استعصى عليه مدة ليست باليسيرة، ووقع في صفوف المسلمين قتل وجراحات، وعلم أنه لا مجال لفتحه ولا جدوى من الاستمرار، اتخذ قراره الحكيم بالتوقف وعدم الاستمرار في قتال لا يجدي، وقفل راجعا بعد حصاره له أربعين يوما، وفي هذا الصدد يقول ابن القيم رحمه الله: «إن الإمام إذا حاصر حصنا منيعا، ولم يفتح عليه ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها».
4 - ان الجهاد وسيلة عظيمة لهداية الخلائق إلى الحق وتعبيد الناس لربهم، وهداية الخلائق هدف نبيل وغاية سامية للدعاة إلى الله، ومن ثم، فإنها مقدمة على الجهاد، إذ الغاية مقدمة على الوسيلة، فإذا تعارضت الغاية مع الوسيلة قدمت الغاية. وقد نص الإمام القرافي في «الذخيرة» على أن الجهاد وسيلة وليست مقصدا قائلا: «والجواب أن الأحكام على قسمين: مقاصد ووسائل، فالمقاصد كالحج، والسفر إليه وسيلة، وإعزاز الدين ونصر الكلمة مقصد، والجهاد وسيلة». وأنهى كلامه بقوله: «والقاعدة أنه مهما تبين عدم إفضاء الوسيلة إلى المقصد بطل اعتبارها».
5 - لقد شرع الجهاد في سبيل الله (حتى لا تكون فتنة) [البقرة: 193]، فهذا هو الهدف الأسمى للجهاد فإذا أصبح الجهاد نفسه محدثا للفتنة في الدين ومحرضا على إيقاف الدعوة وصادا للناس عن دعوة الحق، ومخوفا للشباب من ثمرة دعوة نقية، لم يحقق الجهاد بذلك مقصوده الأسمى ومن ثم تعين وقفه والعدول عنه، إن هداية الخلائق وتعبيد الناس لربهم هي مصلحة في ذاتها، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور هو هدف في حد ذاته، وإنقاذ الناس من المعاصي إلى الطاعات، ومن النار إلى الجنة هو غاية عظيمة في حد ذاتها، وإلا لماذا كادت نفس النبي صلى الله عليه وسلم تهلك حرصا على هداية قومه ورغبة منه في إسلامهم حتى إن القرآن ليقول: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) [الكهف:6]، وماذا كان الإسلام وجماعته ستستفيد من إسلام الغلام اليهودي وهو على فراش الموت بعدما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم.
6 - ان هداية الخلائق ورد العدوان وحرية العبادة هي الأصل والجهاد فرع عليها، لذلك فقد كان فتح الصحابة رضوان الله عليهم للبلاد فتح هداة لا فتح طغاة، وفتح رحمة لا فتح نقمة، فيختلطون بأهل البلاد التي يفتحونها ويتزوجون منهم ويزوجونهم ويبيعون لهم ويشترون منهم حتى أحب أهل هذه البلاد الإسلام وأقبلوا عليه يدخلون في دين الله أفواجا، وقد دخل ملايين الناس في أفريقيا وفي آسيا (اندونيسيا ـ ماليزيا) على أيدي مشايخ وعلماء بالدعوة إلى الله والتذكير بالآخرة.
7 - ان شرعية الجهاد بمعنى القتال متوقفة على ما يحقق من مصالح راجحة ومنافع معتبرة، فإذا انبنى على القتال مفاسد معتبرة لا توازي المصالح المتحققة حرم ولم يجز للائمة أن تخوض غماره يقول الشاطبي: «لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد وكانت الأعمال معتبرة بذلك لأنه مقصود الشارع فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالعمل غير صحيح وغير مشروع لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لأجلها»، ويؤكد هذا المعنى ابن تيمية بقوله: «إذا زاحمت المصالح والمفاسد أو تعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته».
8 - عمليات القتل والاغتيالات والتفجير التي يقوم بها الغلاة تحت مسمى الجهاد وبدعوى الردة والخروج عن الإسلام وموالاة غير المسلمين ويروح ضحيتها مسلمون وغيرهم ممن عصمت الشريعة دماءهم وأموالهم لا تعتبر جهادا ولا تمت إليه بأدنى صلة وليست من الإسلام في شيء لفقدانها شروط الجهاد الشرعي المعتبر وأحكامه المقررة والتي من أولها: أن يمنع المسلم من عبادة ربه كما في قوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) (الحج:40). وثانيهما: أن يأمر به سلطان شرعي، فقد كان المسلمون في مكة فلم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بجهاد ولا بإيذاء أحد، ولما طلب أهل البيعة ذلك قال: إننا لم نؤمر بذلك. فالجهاد تدبير حكومي للدفاع عن الحوزة والدين، وليس عمل أفراد يعود عليهم وعلى الأمة بالوبال.
9 - عمليات قتل المسلم نفسه – رجلا كان أو امرأة- بواسطة تفجيرها وسط جمع من الناس - مسلمين وغيرهم- ممن عصمت الشريعة دماءهم وحياتهم هي عمليات محرمة وغير جائزة لا تبعا ولا قصدا، لاسيما إن ترتب على ذلك إضعاف المسلمين وتشويه صورتهم وإعطاء الذريعة لخصومهم لتحجيم دعوتهم وإغلاق مؤسساتهم الدعوية والعلمية والإغاثية.
10 - عدم انفكاك حكم الجهاد عن النظر إلى مآلاته ونتائجه المتوقعه لأنه قد تقرر أن صحة الوسيلة أو جوازها لا يترتب عليه بالضرورة صحة حكمها إلا بعد النظر إلى مآلها وما يترتب عليها من نتائج يقول الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الاحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل فقد يكون مشروعا فيه لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه»..، يقول ابن القيم:«وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكف عن قتل المنافقين لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم إن محمدا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل».
11 - اختصاص العلماء المجتهدين بتنزيل أحكام الجهاد على الواقع أمر مقرر وثابت شرعا وعقلا وأن قيام غير المؤهلين بالفتوى في المستجدات الفكرية والواقعية كالجهاد والحاكمية والولاء والبراء والأموال إنما هو اغتصاب لدور المجتهدين وأنه سوف يؤدي إلى أحكام خاطئة يهتك فيها أمن المجتمعات وتراق الدماء المعصومة وتستباح الأموال والأعراض المصونة.وأن ثمة فرقا كبيرا وبونا شاسعا بين القيام بالأعمال الاجتهادية وإسقاط الأحكام على مناطاتها وإجراء الأحكام الشرعية، وبين مقام نشر العلم وبيان الأحكام والتصدر للدعوة والبلاغ وهذا ما قاله الشافعي بعد أن أورد شروط من يتصدى للفتوى، «فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي» ويعرف العالم المجتهد بثناء أهل العلم عليه وبما يكتب من مصنفات وكتب علمية تنضح بعلمه وقوة اجتهاده.
12 - الصحيح أن العصمة بالآدمية وأن الكفر ليس علة للاعتداء على الناس أو استباحة دمائهم وأموالهم ولا يجوز البتة التعرض لغير المسلمين ممن يعيش بين المسلمين مستأمنا على نفسه وماله وعرضه لا قصدا ولا تبعا لا بدعوى التبييت أو رمي الترس أو الضرب بالمنجنيق، لأنه تنزيل لحكم شرعي على واقع مختلف ولا يتناسب معه والأدلة على ذلك متظاهرة وثابتة مقررة، ولأن الجيوش في تاريخ الإسلام ما انطلقت إلا لمصلحة هؤلاء وإفساح المجال أمامهم حتى يتعرفوا على الإسلام وتصل اليهم دعوته. وقد بين شيخ الإسلام أن القتال في الإسلام ليس سبب الكفر وإنما كان لرد العدوان قال في رسالة القتال: «حروب النبي صلى الله عليه وسلم التي خاضها ضد المشركين (27 غزوة) كان المشركون فيها هم المعتدين أو المتسببين بأسباب مباشرة أو غير مباشرة وهذا يؤكد أن الأصل مع الكفار السلم لا الحرب ولو كان الأصل معهم الحرب لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأوهم بذلك والمتواتر من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يبدأ أحدا بالقتال».
13 - القتل على الهوية أو على أساس الجنسية تعميم ظالم وإطلاق مجحف بحق الإسلام قبل أن يكون بحق المسلمين.
وخلاصة القول: أن المتعين في هذا الزمان هو ممارسة أنواع الجهاد السلمي، ومنها جهاد النفس في طاعة الله، كما جاء في الحديث. ومنها بر الوالدين، كما جاء في الحديث الصحيح «ففيهما فجاهد» فجهادكم هو المحبة والإخلاص والتوكل وذكر الله، أما الجهاد بالقتال فهو «خدعة شيطانية»بالنسبة لغير مستكمل الشروط.
٭ ثانيا: التكفير وإجراء الأحكام الشرعية:
٭ المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، كم أذاق الأمة من الويلات ووبيل العواقب والنهايات، لا يسارع فيه من عنده أدنى مسكة من ورع وديانة أو شذرة من علم أو ذرة من رزانة، تتصدع له القلوب، وتفزع منه النفوس، وترتعد من خطره الفرائص، يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: «وها هنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لسنة ولا لقرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لما غلت به مراجل العصبية في الدين وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين، لقنهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب بقيعة، فيا لله والمسلمين من هذه الفاقرة التي هي أعظم فواقر الدين والرزية التي ما رزئ بمثلها سبيل المؤمنين..
٭ أن تكفير المسلمين بغير حق ولا مقتضى يترتب عليه مفاسد وشرور عظيمة من أهمها إهدار قيمة العدل التي تقتضي أن يكون من يجري حكم التكفير مؤهلا لذلك، وان يتاح لمن ينسب الى الكفر حق الدفاع عن النفس وبيان الظلم ومن مفاسد التكفير حل دم من تم تكفيره وماله والتفريق بينه وبين زوجه وقطع ما بينه وبين المسلمين، فلا يرث ولا يوالى، واذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، فاذا وقعت هذه التوابع على غير مستحقها ادت الى وقوع الشقاق وتمزيق الامة واراقة الدماء واستحلال الاموال بغير حق، ومن المفاسد اغلاق باب التوبة امام العصاة الموحدين وفتح طرق اليأس والقنوط من رحمة الله.
٭ لا يجوز تكفير المسلم الذي حكم باسلامه ـ برا كان او فاجرا ـ لمجرد وقوعه في قول او فعل كفري او تكفيره دون علمه، بل لابد من اقامة الحجة التي تتحقق بها الشروط وتنتفي منها الموانع كما قال ابن تيمية رحمه الله «وليس لاحد ان يكفر احدا من المسلمين، وإن اخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت اسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول الا بعد اقامة الحجة، وازالة الشبهة» وقال الذهبي عن الأشعري «رأيت للأشعري كلمة أعجبتني، وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة. ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم».
فالعلماء الراسخون لا يكفرون أحدا من المسلمين.
٭ التكفير حق محض لله سبحانه وتعالى لا يحق لأحد أن يعاقب به إن عوقب أو بغي عليه ولا دخل فيه لحماسة دينية أو كره للخصوم إذ التكفير حكم شرعي يستوجب توافر الشروط والضوابط التي يجب أن تتحقق فيه كالتفرقة بين الإطلاق والتعيين والتفرقة بين الحكم الأصغر والأكبر والتحقق من إقامة الحجة.
٭ ليس لآحاد الناس وأفرادهم -حتى وإن كانوا من المجتهدين في العلم والدعوة- أن يتصدروا للتكفير أو لإقامة الحجج على الناس، بل لابد من حكم قضائي يقوم به العلماء الموكل إليهم من ولي الأمر القضاء في الحدود فالذي يحكم ويتولى الحكم بالكفر ولوازمه على الأعيان من الأفراد والفرق والهيئات والدول هم العلماء الراسخون الذين بيدهم القضاء، لأن الكفر حكم قضائي لما يترتب عليه من أحكام وحدود وإن كان في بلد غير مسلم فالأمر لعلمائه المعتبرين المشهود لهم بالعلم والرسوخ فيه.
٭ الحكم على جميع صور الموالاة بالكفر المخرج من الملة دون النظر إلى اختلاف الأحوال وتمحيص الحالات مغالاة تلبس بها بعض الغلاة دفعهم إلى ذلك الجهل والتعصب الأعمى والتعالي على الناس.
٭ مظاهر تألّف غير المسلمين كعيادة مرضاهم والإحسان إليهم والإهداء إليهم وتهنئتهم بإنجاب ذرية أو نجاح أو شفاء مرض كل ذلك لا يعد من الموالاة الممنوعة وإنما هو المخالقة بالحسنى التي دعا الإسلام إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «يجوز زيارة مرضاهم وتهنئتهم وتعزيتهم في مصائبهم»، كما نص عليه المرداوي.
مفهوم الولاء
ان هذا المفهوم عقدي يتعلق بالولاء في العقيدة والدين والملة وهو الذي يكفر فاعله.
ومن المعروف أن مسألة الإفراط في قضية الولاء والبراء تتبناها في الغالب طائفة الخوارج حيث تبني عليها مذهبها وكأنه ركن سادس من أركان الإسلام وقد نعى عليهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ذلك في «كتاب السنة». الولاء بدعة والبراءة بدعة.
وفرقة الخوارج قد انحرفت في مفهوم الولاء والبراء فهي لا تتولى إلا من يدين بنحلتها القائمة على تكفير مرتكب الذنوب وخاصة الكبائر.
وموقفهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يتولون أبا بكر وعمر ويتبرأون من عثمان وعلي.
وأكثر استعمال البراء أن يكون البراء من الأعمال وليس من الأشخاص قال تعالى: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعلمون)، وقال صلى الله عليه وسلم « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد».
أما الولاء لتحصيل مصالح الدنيا والمعاشرة الحسنة وإيجاد سبل الوئام في العيش المشترك فهذا ليس بمذموم، بل محمود فقد قال سيدنا يوسف عليه السلام لملك مصر (اجعلني على خزائن الأرض)، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في الحبشة يوالون النجاشي قبل إسلامه لأنه ملك نصراني عادل ولا خلاف في جواز هذا النوع من الولاء.
الخلافة
٭ الإمامة العظمى من أعظم مقاصد الدين، وهي نيابة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، والسعي في إقامتها متوقف على القدرة والإمكان.
٭ إذا شغر الزمان عن السلطان لضعف أو عدم قدرة، بقي الاجتماع على المنهج، وعدم التفرق في الدين، والسعي من خلال العلماء والمصلحين إلى إقامة مقاصد الوحدة والائتلاف، في حدود الوسع والطاقة، وأدنى ذلك ما تستقيم به أمورهم في محلتهم، ويبقى به اجتماعهم على الإسلام. ولا ضير أن يجد المسلمون صيغة للوحدة تحقق لهم مقاصد الخلافة وغاياتها من القوة والمنعة في حدود السعة والمتاح.وذلك كمنظمة التعاون الإسلامي التي ترشحت روسيا لعضويتها فهي نوع من جمع الكلمة، وقد أصل ذلك السنهوري بعد سقوط الخلافة، فالخلافة جمع الكلمة، ونصرة الملة وإقامة السلام من خلال رد العدوان أو المعاهدات إذ «معظم مسائل الإمامة عرية عن مسلك القطع خلية عن مدارك اليقين». ـ كما في الغياثي ـ.
فالاجتهاد مفتوح لإيجاد الصيغة الفضلى وليس القتال السبيل الأمثل، ولاسيما في زمن أسلحة الدمار التي يخالف استعمالها كل ما جاءت به رسالة الإسلام والرسالات السماوية.
ومنذ نهاية القرن الأول لم يجتمع المسلمون في دولة واحدة، فقد قامت دولة الأدارسة في المغرب والدولة الأموية في الأندلس، وما اقتتل الناس من أجل جمع الناس على خلافة واحدة، لأن ضرر القتال أشد من انعدام خلافة واحدة.
المواطنة والتعايش السلمي
٭ الوطنية والانتماء للوطن ليست أفعالا تتجلى في وقت الحروب وعند الملمات فحسب ولكنها سلوك دائم في النفس تنضبط به علاقته بغيره ممن يشاركونه الوطن ويقاسمونه حبه، فهو يتعايش معهم ـ مسلمين وغير مسلمين ـ بما ينفع الوطن ويعزز قيمته وقدرته.
٭ لا يجوز التعدي على المواطنين غير المسلمين والتعرض لأموالهم إذ الانتماء للوطن والتعايش فيه بروح الإسلام يستلزم العدل مع كل قاطنيه والإحسان إليهم، ممن يقومون بحقوق المواطنة حتى وإن كانوا على غير ديننا، والتاريخ خير شاهد على عدل الإسلام مع غيره ممن يقيمون بين ظهراني المسلمين ويعيشون تحت سلطان الإسلام.