Note: English translation is not 100% accurate
إقرار مجلس الأمة لمرسوم إنشائها لا يسبغ عليه المشروعية الدستورية ولا يطهره من العوار الذي لحق به
المحكمة تقضي بعدم دستورية قانون إنشاء هيئة مكافحة الفساد
20 ديسمبر 2015
المصدر : الأنباء





المحكمة الدستورية دعمت رسالتنا إلى السلطة التنفيذية بأن توجهها في الاستعجال باتخاذ أي إجراء يتعلق بإصدار أو إقرار أي قوانين أو مراسيم دون التدقيق والمراجعة القانونية الصحيحة هو تدخل سافر في عمل المشرع العادي
على الحكومة إعداد قانون صحيح وفاعل لمكافحة الفساد في الكويت
مناط استعمال رخصة التشريع الاستثنائي إما أن تقتضيه ضرورة ملحّة أو كان توقياً لخطر تقدر ضرورة رده باعتبار أن هذه الرخصة إنما شرعت لهذه الأغراض
التدابير العاجلة حتى تتخذها السلطة التنفيذية لمواجهة حالة الضرورة نابعة من متطلباتها، فإن انفكاكها عنها يوقعها في حومة المخالفة الدستورية وبالتالي فإن توافر حالة الضرورة ـ بضوابطها ـ لا تستقل السلطة التنفيذية بتقديره
المرسوم بقانون رقم 24 لسنة 2012 ليس من المسائل التي تناولها بالتنظيم ما يوجب الإسراع في اتخاذ إجراء تشريعي عاجل يتحمل الأناة والانتظار
المذكرة الإيضاحية لهذا المرسوم وإن جاز أن تندرج ضمن البواعث والأهداف التي تدعو سلطة التشريع الأصلية إلى سن قواعد قانونية في مجال مكافحة الفساد ومعالجة أسبابه إلا أنه لا يصلح بذاته سنداً لقيام حالة الضرورة المبررة لإصدار هذا المرسوم بقانون
الرخصة الاستثنائية تمتد إليها رقابة هذه المحكمة للتحقق من مدى التزامها بالحدود التي رسمها الدستور في هذا الشأن ولضمان ألا تتحول هذه الرخصة التشريعية وهي من طبيعة استثنائية إلى سلطة تشريعية كاملة ومطلقة لا قيد عليها ولا عاصم من جموحهامؤمن المصري
قضت المحكمة الدستورية أمس برئاسة المستشار يوسف المطاوعة بعدم دستورية قانون إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد في الطعن المقدم من المحامي عادل عبدالهادي.وعقب صدور الحكم صرح المحامي العبدالهادي: «إننا كنا واثقين منذ إعداد صحيفة الطعن بأننا نتقدم على خطا ثابتة ومتوافقة مع الدستور والقانون والمصلحة العامة التي هي الهدف الأسمى في إقامة هذا الطعن.
وأضاف: «وبصدور قرار المحكمة الدستورية بقبول الطعن المقدم منا وإلغاء القانون المطعون عليه، تكون المحكمة الدستورية قد دعمت الرسالة التي طالما كررناها للسلطة التنفيذية بأن توجهها في الاستعجال باتخاذ أي إجراء يتعلق بإصدار أو إقرار أي قوانين أو مراسيم دون التدقيق والمراجعة القانونية الصحيحة هو توجه أرعن وتدخل سافر في عمل المشرع العادي وهو ما أدى إلى إسقاط هيئة وطنية، أساسية، وضرورية ذات هدف سامي يتجسد بمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في الجهات الرسمية.
ووصف العبدالهادي تصريحات الحكومة يوم أمس بفرض الحراسة على مبنى الهيئة العامة لمكافحة الفساد ووضع يدها على كل المحتويات ووضعها في خزائن حديدية وتشميعها بالشمع الأحمر ريثما يصدر قانون إنشاء هيئة مكافحة الفساد الجديد، بانها متسرعة وفي غير محلها ويبدو منها ان هدف الحكومة كان استعراض القوة وحسب، حيث انه وبموجب حكم المحكمة الدستورية سيتوجب أساسا على أعضاء هيئة مكافحة الفساد حماية المعلومات وحراستها.
أما ما يشار إليه عن وجود قانون جديد معروض على السلطة التشريعية، فإذا كانت الحكومة جادة فعليها إعداد قانون صحيح وفاعل لمكافحة الفساد في الكويت، وأنصح الأطراف المعنية عند إعداد وإقرار القانون الجديد توخي الدراسة والتدقيق القانوني الواجبين لنتفادي الوقوع في المطب ذاته مرة أخرى.
وفيما يلي نص حكم الدستورية:بسم الله الرحمن الرحيم
باسم صاحب السمو أمير الكويت
الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح
المحكمة الدستورية
بالجلسة المنعقدة علنا بالمحكمة بتاريخ 9 ربيع الأول 1437هـ الموافق 20 ديسمبر 2015 برئاسة السيد المستشار/ يوسف جاسم المطاوعة ـ رئيس المحكمة وعضويةالسادة المستشارين/ محمد جاسم بن ناجي وخالد سالم علي وخالد أحمد الوقيان وإبراهيم عبدالرحمن السيف، وحضر السيد/ محمد خالد الحسين ـ أمين سر الجلسة
صدر الحكم الآتي
في الطعن المباشر بعدم دستورية مرسوم بقانون رقم 24 لسنة 2012 بإنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد والأحكام الخاصة بالكشف عن الذمة المالية المرفوع من: خالد مبارك راشد النصافي، والمقيد في سجل المحكمة الدستورية برقم 24 لسنة 2015 «طعن مباشر دستوري»
الوقائع
اقام الطاعن خالد مبارك راشد النصافي طعنا بطريق الادعاء المباشر بموجب صحيفة اودعت في ادارة كتاب هذه المحكمة بتاريخ 21/10/2015، حيث قيدت في سجلها برقم 11 لسنة 2015 ، طالبا القضاء بعدم دستورية المرسوم بالقانون رقم 24 لسنة 2012 بانشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد والاحكام الخاصة بالكشف عن الذمة المالية، على سند من القول بأن المرسوم بالقانون سالف الذكر قد صدر مفتقدا القيود والضوابط والشروط التي حددها الدستور لاصدار المراسيم التي تكون لها قوة القانون، متجاوزا حدودها، كما جاء متعارضا مع ما استقرت عليه المحكمة الدستورية في احكامها في هذا الشأن، فضلا عن انطوائه من الوجهة الموضوعية على خرق للدستور ولقواعده، حيث بنى الطاعن نعيه في هذا الصدد على اكثر من وجه حاصلها ما يلي:
أولا: ان المرسوم بقانون قد صدر من السلطة التنفيذية بارادتها المنفردة في غيبة مجلس الامة بسبب حله، وجاء مشوبا بعيب عدم الدستورية لمخالفته نصوص الدستور، وقد ارتكنت السلطة التنفيذية في اصدار هذا المرسوم على المادة 71 من الدستور، في حين ان هذه المادة قد اشترطت حدوث ما يوجب الاسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير ولا الاناة والانتظار، ولا يمكن للحكومة ان تدعي حدوث ذلك فيما يخص هذا المرسوم، لأن الواقع لا يساعدها على هذا الادعاء، وان الحكومة لم يكن يحسن بها ان تخرج المادة 71 من الدستور عن دلالتها الظاهرة ومفهومها الطبيعي، اذ اصدرته بتاريخ 19/11/2012 وكان في امكانها الانتظار لبعضة ايام قليلة لحين اجراء الانتخابات البرلمانية، والتي اجريت بالفعل بتاريخ 1/12/2012 ـ على اثر صدور المرسوم رقم 241 لسنة 2012 بحل مجلس الامة ـ فضلا عن ان ما ساقته المذكرة الايضاحية من مبررات لاصداره من انه قد جاء استجابة لتوقيع الكويت على اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضمت اليها عام 2006، لا تعدو ان تكون محض اسباب واهية تنفي بذاتها وجه الضرورة الملجئة لاصداره، لاسيما ان المرسوم بالقانون قد احال في معظم احكامه الى لائحة تنفيذية والتي استغرق لصدورها ما يقارب الثلاث سنوات من تاريخ اصداره، الامر الذي يغدو معه القول بانتفاء وجه الضرورة الملحة لاصداره مفتقدا هذا المرسوم بذلك شرطا من الوجهة الشكلية لا غنى عن وجوب توافره، مما يصمه بعيب عدم الدستورية.
ثانيا: ان المادة 71 من الدستور قد اشترطت ايضا ألا تكون هذه المراسيم مخالفة للدستور، وان هذا المرسوم قد خالف الدستور، اذ احتوت نصوصه من الوجهة الموضوعية على مخالفات صريحة لاحكام الدستور، حيث اهدرت هذه النصوص العديد من الحقوق الدستورية على نحو يمثل انتهاكا للحق الدستوري في الخصوصية، واعتداء صارخا على الحرية الشخصية، وهدما لاصل البراءة الذي جبل الانسان عليها، ومساسا بالذمة المالية دون مقتضى او مسوغ قانوني بعيدا عن اعين القضاء، وعصفا بالمبادئ والحقوق التي كفلها الدستور، لاسيما ما تعلق منها بحرية التجارة، وسرية الحسابات البنكية، وحرمة الحياة الخاصة، وانه مما يزيد من تداعيات هذا المرسوم انه قد اقام بموجبه قرينة مبناها محض افتراض بحصول الكسب غير المشروع بسبب استغلال الخدمة اذا طرأت زيادة في ثروة الخاضع لا تتناسب مع موارده متى عجز عن اثبات مصدر مشروع لها ونقل الى المتهم عبء اثبات براءته، على نحو يناقض الثوابت الدستورية التي تقضي بافتراض اصل البراءة، ووجوب ابتناء الاحكام بالادانة على الجزم واليقين لا على الافتراض والتخمين، منطويا المرسوم على تعارض واضح مع مبدأ فصل السلطات، وتغول من السلطة التنفيذية على اختصاصات السلطة القضائية، واعتداء على استقلال القضاء، فضلا عن المساس برجاله من اشخاص يخضعون بالتبعية للسلطة التنفيذية بالمخالفة للمواد 50 و162 و163 و168 من الدستور، وهو ما يفقد هذا المرسوم بقانون شرطا خاصا بموضوعه من الوجهة الدستورية بالمخالفة للمادة 71 من الدستور.
واضاف الطاعن انه بصفته عضوا بالادارة القانونية ببلدية الكويت من المخاطبين بأحكام هذا المرسوم بقانون، وهو مما يوفر له المصلحة في الطعن عليه بعدم الدستورية، حيث خلص مما تقدم جميعه الى طلب الحكم بعدم دستورية المرسوم بقانون سالف البيان.
وحيث ان هذا الطعن قد عرض على المحكمة بتاريخ 11/11/2015 ـ في غرفة المشورة ـ فقررت تحديد جلسة 25/11/2015 لنظره، وتم قيد الطعن في سجل المحكمة برقم 24 لسنة 2015 «طعن مباشر دستوري»، وجرى اخطار ذوي الشأن بذلك.
وقد نظرت المحكمة الطعن على الوجه المبين بمحاضر جلساتها، والحاضر عن الطاعم صمم على طلباته الواردة بأصل الصحيفة، وقدمت ادارة الفتوى والتشريع حافظة مستندات ومذكرة برأي الحكومة طلبت في ختامها رفض الطعن، وقررت المحكمة اصدار الحكم في الطعن بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الاوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطاعن ينعى في طعنه بعدم الدستورية على المرسوم بقانون رقم 24 لسنة 2012 انه قد صدر مخالفا للدستور، إذ لا تنطبق على إصداره الشروط التي تطلبتها المادة 71 منه والتي تنص على انه «إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله، ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على ألا تكون مخالفة للدستور أو للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية.
ويجب عرض هذه المراسيم على مجلس الأمة خلال 15 يوما من تاريخ صدورها، إذا كان المجلس قائما، وفي أول اجتماع له في حالة الحل أو انتهاء الفصل التشريعي، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون بغير حاجة إلى إصدار قرار بذلك. أما إذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب من آثارها بوجه آخر».
وحيث إن الواضح من المرسوم بقانون رقم 24 لسنة 2012 المشار إليه انه قد احتوى على 85 مادة وردت في 7 أبواب، تضمن (الباب الأول) منها الأحكام العامة استهلت ببيان معاني المصطلحات الواردة في المرسوم وتحديد الأشخاص الخاضعين لأحكامه (المادتان 1 و2)، وعرض (الباب الثاني) لإنشاء هيئة عامة لمكافحة الفساد محددا أهدافها واختصاصاتها، ومهام وصلاحيات مجلس الأمناء الذي يتولى الأمور الفنية والإدارية والمالية المتعلقة بعملها (المواد من 3 إلى 17)، كما تناول هذا الباب تنظيم الشؤون المالية للهيئة وكيفية مشاركة المجتمع في مكافحة الفساد (المواد من 18 إلى 21)، وأبان (الباب الثالث) جرائم الفساد وإجراءات الضبط والتحقيق والمحاكمة والجهات المختصة بكل مرحلة منها (المواد من 22 إلى 28)، ونظم (الباب الرابع) الكشف عن الذمة المالية وحدد الأشخاص الخاضعين لأحكام هذا الباب، وبين المقصود بالذمة المالية المطلوب الكشف عنها وشكل ومضمون إقرار الذمة المالية وتقديمه وسيرته ولجان الفحص وكيفية التصرف حياله (المواد من 29 الى 35)، كما تناول (الباب الخامس) ما يتعلق من أحكام لحماية المُبلغ، وبين المقصود من الإبلاغ وشروطه وآلية تقديمه وحماية المُبلغ وإجراءات هذه الحماية واختتمها بضمان الدولة تعويضه عن أي أضرار مادية أو معنوية تلحقه نتيجة لتقديمه البلاغ وبين الحوافز المادية والمعنوية التي يجوز منحها للمبلغ (المواد من 36 إلى 42)، وفصل (الباب السادس) العقوبات المقررة على مخالفة أحكام هذا المرسوم سواء كانت عقوبات أصلية أو تبعية أو تكميلية، مبينا الأفعال المؤثمة والعقوبة المقررة لكل جريمة، وحدد حالات الإعفاء من العقاب وشروطه (المواد من 34 إلى 52)، وتضمن (الباب السابع) الأحكام الختامية التي تتعلق بعدم سقوط الدعوى الجزائية في جرائم الفساد، وحق المحكمة في أن تدخل في الدعوى أي شخص ترى انه استفاد فائدة جدية من الكسب غير المشروع ليكون الحكم بالرد أو المصادرة نافذا في ماله بقدر ما استفاد، كما نص على أن العقوبات الواردة في هذا المرسوم لا تمنع من توقيع أي عقوبة أشد تكون مقررة في قانون آخر للفعل المرتكب، وعلى أن يكون العمل بهذا المرسوم بقانون اعتبارا من تاريخ نشره (المواد من 53 إلى 58).
وقد تضمنت المذكرة الإيضاحية لهذا المرسوم مقتضيات إصداره بالإشارة إلى انه «لما كان الفساد وما ينطوي عليه من جرائم اقتصادية واجتماعية من شأنها زعزعة استقرار المجتمعات وأمنها وتفويض مؤسسات الدولة والمساس بسيادة القانون فيها ويساعد على انتهاك حقوق الإنسان، وتعريض التنمية والعدالة للخطر، ويعد من الظواهر الخبيثة التي تهدد كيان المجتمع، وتصيبه بآثار ضارة، ولأن الفساد لم يعد محليا، فقد أبرمت الأمم المتحدة في سبتمبر 2003 اتفاقية في مادتها (السادسة) على أن تكفل كل دولة طرف وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني وجود هيئة أو هيئات حسب الاقتضاء تتولى منع الفساد.ومع مراعاة ما التزمت به دولة الكويت، ولما كان القانون هو أداة الدولة لتحقيق ما يتطلبه المجتمع فقد حرص الدستور الكويتي على ألا يتعطل إصدار القوانين فأجاز في المادة 71 منه إصدار مراسيم لها قوة القوانين إذا حدث ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، وذلك مراعاة للمصلحة العليا للبلاد في مواجهة هذه الأمور عند توافر الضرورة التي تقتضي سرعة معالجتها.
وإزاء ما مرت به البلاد من أزمات نجم عنها إخفاقات شابت العمل في العديد من أجهزة الدولة وتسببت في كثير من مظاهر الفساد ومن ثم أصبح إصلاح الوضع استحقاقا وطنيا حتميا تستوجب الضرورة مواجهته ومعالجته بالسرعة اللازمة خاصة ان البلاد مقدمة في هذه الفترة على إجراء انتخابات عامة للمجلس التشريعي وما يصاحبها من حملات انتخابية يتعين أن تتسم بطهارة اليد ونقاء الذمة، واستجابة لهذه الضرورة الملحة كان إصدار المرسوم بقانون المرافق لإنشاء هيئة عامة تنهض بمكافحة الفساد ومعالجة اسبابه».
وحيث ان الدستور رسم للتشريع الاستثنائي ـ وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ حدودا ضيقة تفرضها طبيعته، وانه وإن أجاز للسلطة التنفيذية ـ استثناء من الأصل ـ إصدار مراسيم تكون لها قوة القانون وفق المادة 71، إلا أن مناط استعمال هذه الرخصة الاستثنائية إما أن تقتضيها ضرورة ملحة أو كان توقيا لخطر تقدر ضرورة رده، باعتبار ان هذه الرخصة انما شرعت لهذه الاغراض، وليس لاتخاذها وسيلة لتكون السلطة التنفيذية سلطة تشريعية على غير ما تقتضيه المادة 25 من الدستور، وإذا كان الأمر كذلك، كانت التدابير العاجلة حتى تتخذها السلطة التنفيذية لمواجهة حالة الضرورة نابعة من متطلباتها، فإن انفكاكها عنها يوقعها في حومة المخالفة الدستورية، وبالتالي فإن توافر حالة الضرورة ـ بضوابطها ـ لا تستقل السلطة التنفيذية بتقديرها، إذ هي علة اختصاصها في مواجهة الاوضاع الطارئة، والظروف الضاغطة بتلك التدابير العاجلة، وهي مناط استعمالها لهذه الرخصة الاستثنائية، ومن ثم تمتد إليها رقابة هذه المحكمة للتحقق من مدى التزامها بالحدود التي رسمها الدستور في هذا الشأن، ولضمان ألا تتحول هذه الرخصة التشريعية، وهي من طبيعة استثنائية الى سلطة تشريعية كاملة ومطلقة لا قيد عليها ولا عاصم من جموحها.
وأنه متى كان ذلك، وكان الواضح من المرسوم بقانون رقم 24 لسنة 2012 سالف الذكر، انه ليس في المسائل التي تناولها بالتنظيم ما يوجب الاسراع في اتخاذ اجراء تشريعي عاجلا يتحمل الاناة والانتظار، وان ما تناولته المذكرة الايضاحية لهذا المرسوم وان جاز ان تندرج ضمن البواعث والاهداف التي تدعو سلطة التشريع الاصلية الى سن قواعد قانونية في مجال مكافحة الفساد ومعالجة اسبابه، الا انه لا يصلح بذاته سندا لقيام حالة الضرورة المبررة لإصدار هذا المرسوم بقانون، خاصة وانه لم يطرأ من الاحداث او الظروف، أو ما يشير إلى أن أمورا معينة قد تفاقمت أو اوضاعا قائمة قد استفحلت ـ خلال غيبة مجلس الأمة ـ يمكن ان تتوافر معها تلك الضرورة التي تبيح استعمال رخصة التشريع الاستثنائية المقررة بالمادة 71 من الدستور، فضلا عن أن المرسوم المطعون عليه لم يتضمن في أحكامه ما يشير إلى اتخاذ اجراءات عاجلة ذات أثر فعالي تتماشى مع مبررات اصداره، فإن هذا المرسوم بقانون، وإذ صدر استنادا إلى هذه المادة، وعلى خلاف الاوضاع المقررة فيها، يكون مشوبا بمخالفة الدستور من الوجهة التشكلية، وحق القضاء ـ ومن ثم ـ بعدم دستوريته، ودون ان يغير من ذلك أن يكون مجلس الأمة قد أقره، ذلك ان اقرار المجلس لهذا المرسوم لا يسبغ عليه المشروعية الدستورية، ولا يطهره من العوار الذي لحق به على نحو ما كشفت عنه هذه المحكمة آنفا من الوجهة الدستورية، ولا حاجة ـ من بعد ـ إلى التعرض إلى باقي ما أثاره الطاعن من مطاعن دستورية على ما تعلق بنصوص هذا المرسوم من الواجهة الموضوعية لزوال تلك النصوص التي كانت محلا لهذه المطاعن بقضاء هذه المحكمة بعدم دستورية هذا المرسوم برمته.
حكم المحكمة
فلهذه الاسباب: حكمت المحكمة: بعدم دستورية المرسوم بالقانون رقم 24 لسنة 2012 بإنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد والاحكام الخاصة بالكشف عن الذمة المالية.