بقلم: أحمد يعقوب باقر
للأسف وقعت د.شيخة الجاسم في اخطاء كبيرة بسبب دخولها في مفاضلة ومقارنة بين القرآن والدستور والديموقراطية الكويتية، وكان عليها ان ترفض هذه المقارنة أصلا او ان تستشهد بنصوص الدستور ومذكرته التفسيرية في بيان حقيقة العلاقة بين الاثنين، كما كان الأفضل لها ان ترجع الى كلام ورأي المختصين الدستوريين، ولكن بدلا من التراجع عما قالته يبدو ان الأخت شيخة في سبيل تبريرها لأخطائها ارتكبت اخطاء اعظم كما سأبين ان شاء الله.
٭ اولا: ليس هناك مقارنة بين الدستور والقرآن او الشرع لأن الاول دستور تعاقدي بين الشعب الكويتي والأمير ينظم كيفية توارث الحكم وصلاحيات رئيس الدولة وحقوق المواطنين وكيفية مشاركتهم في الحكم ودور السلطات الثلاث واختصاصاتها وقد تكون في هذا العقد هفوات او اخطاء مثل اي عمل بشري آخر، اما القرآن فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٭ ثانيا: نص الدستور على ان دين الدولة الإسلام، إذن الدستور ليس دين الدولة حتى نقارنه بالإسلام.
٭ ثالثا: لا يجوز ان نحمل اخطاء المتطرفين والإرهابيين على انها تمثل الشرع او القرآن الكريم وهذا معروف للكافة وفي كل دين هناك فرق متطرفة وإرهابية وهؤلاء شوهوا الاسلام والشريعة الغراء.
٭ رابعا: نص الدستور على ان الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع ولم ينص على تسمية المصادر الاخرى، وهذا النص يحمل قيمتين في عظم الأهمية:
الاولى: ان الدستور الكويتي ليس دستورا علمانيا اذ لا يوجد دستورا علمانيا في العالم ينص على التشريع من دين معين.
الثانية: هي ما عبرت عنه المذكرة التفسيرية ان نص المادة الثانية يوجه المشرع (مجلس الأمة) وجهة اسلامية أساسية.
كما اضافت المذكرة التفسيرية (الملزمة بإجماع الفقه الدستوري الكويتي) فقرة مهمة عندما طالب أعضاء المجلس التأسيسي بضرورة النص على منزلة اعلى للشريعة فأضيفت ونصها هو: (كما يلاحظ بهذا الخصوص ان النص الوارد في الدستور وقد قرر ان الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع انما يحمل المشرع امانة الأخذ بأحكام الشريعة الاسلامية ما وسعه ذلك، ويدعوه الى هذا النهج دعوة صريحة واضحة، ومن ثم لا يمنع النص المذكور من الأخذ عاجلا او آجلا بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور اذا رأى المشرع ذلك).
فهل بعد هذا النص الملزم يبقى ثمة شك حول اولوية الشريعة في الدستور.
٭ خامسا: ملاحظة مهمة:
جاء في المذكرة التفسيرية ان اضافة الألف واللام الى كلمة مصدر سيمنع مجلس الامة من الأخذ بقوانين من مصدر آخر عند الوقوع في حرج بالغ في الضرورات العملية.
(وهذا كان رأي د.عثمان خليل واضع مسودة الدستور ويخالفه اليوم الغالبية العظمى من الفقهاء الدستوريين مثل د.عادل الطبطبائي ود.المقاطع والفقهاء الدستوريين المصريين مثل د.جمال العطيفي (أستاذ القانون الدستوري الذي تغيرت المادة الثانية اثناء رئاسته للجنة التشريعية في مجلس الشعب المصري) وهم يرون ان إضافة الألف واللام لا تغير طبيعة المادة وانما تزيدها قوة) اذن فحتى مع الأخذ برأي د.عثمان خليل وتبريره لعدم اضافة الألف واللام بسبب الحرج عند الضرورات العملية كما وصفها فإن ذلك لا يغير من حقيقة الاولوية التي تتمتع بها الشريعة اذ ان الدستور حمل مجلس الامة امانة الأخذ بأحكام الشريعة ما وسعه ذلك ودعاه حسب نص المذكرة التفسيرية الى هذا المنهج دعوة صريحة واضحة.
اذن فعدم اضافة الألف واللام الى كلمتي «مصدر رئيسي» لا تعني مساواة الشريعة بغيرها من المصادر وإنما فقط للسماح بالأخذ من المصادر الاخرى عند الضرورات العملية وأي متصفح للمذكرة التفسيرية يفهم ذلك بوضوح.
٭ سادسا: من المعروف ان هذا النص هو خطاب للمشرع العادي اي مجلس الامة وليس الى القاضي او منفذ القوانين بمعنى ان احكام الشريعة يجب ان توضع في صيغ قانونية من قبل مجلس الامة حتى تنفذها السلطة التنفيذية ويحكم بها القضاة وهذا معلوم لمن عنده أدنى خبرة بالدستور والعمل البرلماني الكويتي، وقد أكدت المحكمة الدستورية هذا الأساس في اكثر من حكم وقد نقلت د.شيخة جزءا من حكم المحكمة الدستورية بشكل سليم وهو: «ان احكام الشريعة الاسلامية لا تكون لها قوة الزام القواعد القانونية إلا اذا تدخل المشرع وقننها، وليس لها قوة الزام النفاذ الذاتي والمباشر».
بمعنى ان احكام عدم الاختلاط بين الجنسين في الشريعة (مثلا او غيرها من الأحكام) يجب ان تكون بين يدي مجلس الامة يستخلص منها الحكم الشرعي بشكل واضح وكيفية ومكان تطبيقه بشكل محدد جامع ومانع بحيث لا يكون له اكثر من معنى او مفهوم ثم يضعه في صيغة قانونية محكمة.
٭ سابعا: الزيادة والتغيير:
زادت د.شيخة كلمتين في حكم المحكمة الدستورية وغيرت بهما المعنى تماما ولكي أطلع القارئ على هذا التغيير انقل اولا الفقرة من حكم المحكمة الدستورية وهي:
«وعلى ذلك يتعين ان يكون تفسير هذا النص في إطار المبادئ الحاكمة والأصول الواردة بالدستور نصا وروحا وأعمالا لمبدأ تدرج القواعد القانونية اذ لا يجوز للتشريع الأدنى مرتبة مخالفة التشريع الاعلى مرتبة منه».
اما د.شيخة فكتبت في مقالها يوم ١٦مارس ما يلي:
وقد حسمت المحكمة الدستورية هذا الخلاف في حكمها حول اللباس الاسلامي للنائبات عام 2009 قائلة «إعمالا لمبدأ تدرج القواعد القانونية اذ لا يجوز للتشريع الأدنى مرتبة ـ الشريعة ـ مخالفة التشريع الاعلى مرتبة ـ الدستورـ».
(لاحظ اخي القارئ ان الدكتورة اضافت كلمة «الشريعة» بعد كلمة الأدنى وكلمة «الدستور» بعد كلمة الاعلى وهما كلمتان غير موجودتين في نص الحكم، وهذا تصرف خطير وتغيير في المعنى وشتان بين الفقرتين والمعنيين، فالمحكمة الدستورية كانت تفسر نصا قانونيا أضيف الى المادة الاولى من قانون الانتخاب وتحكم بمدى دستوريته او عدم دستوريته وهل يخالف الدستور او لا يخالفه ووصفته بالأدنى لان جميع النصوص القانونية أدنى من الدستور، وليست الشريعة هي المقصودة بهذا الوصف وكلمة «هذا النص» الواردة في الحكم تعود بوضوح على نص القانون المطعون به امام المحكمة وليس على الشريعة.
ومن الأدلة على ذلك ايضا ان المحكمة ذكرت: «وحيث ان البين من عبارة نص الفقرة الأخيرة المشار اليها بالصياغة التي افرغ فيها انها جاءت مطلقة مجملة دون تحديد تعريف جامع مانع يكون الضابط للمعنى» اي مرة اخرى كانت المحكمة تناقش النص القانوني الذي أضيف كفقرة اخيرة الى المادة الاولى من قانون الانتخاب، وليست الشريعة هي المقصودة بكلمة الأدنى والعياذ بالله وليس من المعقول ولا من الممكن ان تصف المحكمة الشريعة بأنها الأدنى.
وهذا هو ما أثارني عند قراءة مقالة شيخة ورحت ابحث عن النص الحرفي لحكم المحكمة الدستورية.
ولهذه الأسباب ذاتها حكمت المحكمة بعدم دستورية ذلك النص اي انه حسب وصف المحكمة: «عبارة نص الفقرة الأخيرة المشار اليها بالصيغة التي افرغ فيها انها جاءت مطلقة، مجملة، دون تحديد تعريف جامع مانع يكون الضابط للمعنى».
وهذا يؤكد مرة اخرى انه كان على مجلس الامة ان يضع الحكم الشرعي في نص قانوني واضح محدد بتعريف جامع مانع يكون ضابطا للمعنى لكي يكون مقبولا دستوريا.
٭ ثامنا وأخيرا: خطأ شائع:
وقعت الدكتورة في خطأ شائع يقع فيه كثير من السياسيين والكتاب وهو الاستشهاد بالفقرة الاولى او الثانية من المادة السادسة وهي التي تنص على ان «نظام الحكم ديموقراطي السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا»، ولكنهم للأسف يهملون الفقرة الثالثة من نفس المادة وهي التي تنص على: «وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين في هذا الدستور».
اي ان الديموقراطية المنصوص عليها في الدستور ليست مطلقة او مثل غيرها في الديموقراطيات الغربية او الشرقية وإنما تمارس على ضوء المواد الاخرى من الدستور كالمادة الثانية الخاصة بدين الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع ومذكرتها التفسيرية وكذلك المادة الرابعة التي نصت على ان الحكم في ذرية مبارك الصباح والمواد الاخرى الخاصة بسلطة الأمير وبالسلطة القضائية واستقلالها وكذلك المواد الخاصة بالحقوق والضمانات الأساسية وهكذا، ومن المعروف ان مواد الدستور تتكامل ولا تتعارض وهي متساوية لا يعلو بعضها على بعض ويجب ان يفهم حكم كل مادة على ضوء مفهوم المواد الاخرى.
وقبل سنتين حكمت المحكمة الدستورية حكما فيه هذا التوضيح عندما رفع بعض النواب السابقين شعار انهم يمثلون سيادة الأمة ويمكن الرجوع اليه.
تاسعا وختاما: اختم هذه المقالة بكلام رائع للدكتور عثمان عبدالملك، رحمه الله، الذي لا يختلف احد على مرجعيته الدستورية، حيث قال بعد ان استعرض ما ورد في المذكرة التفسيرية: «ومن ثم فإن العيب عند عدم الأخذ بالشريعة الاسلامية يكمن في ارادة المشرع وليس في نصوص الدستور»، وقال ايضا: «وهذا يعني انه إذا ما توفرت للمشرع العادي كل الظروف الملائمة ولم يأخذ بأحكام الشريعة الاسلامية يكون قد خالف رغبة المشرع الدستوري وهذا ما يوقعه في مخالفة لروح الدستور وهي من قبيل المخالفة الموضوعية لروح الدستور».