Note: English translation is not 100% accurate
من «بلغراد» إلى الكويت
11 نوفمبر 2009
المصدر : الأنباء
في اليوم السابع من شهر سبتمبر عام 1961م، كنت في مدينة «بلغراد» اشارك وفد بلادي لاجتماعات المؤتمر الاول لدول عدم الانحياز، عندما تلقيت من الديوان الملكي امرا بعودتي عاجلا للطائف المقر الصيفي لجلالة الملك سعود بن عبدالعزيز – يرحمه الله.
اثار هذا الأمر في خاطري حشدا من الظنون عن موجبات هذا الاستدعاء سيما وانا مكلف ايضا بمواصلة سفري الى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة.
لم اكن سعيدا بهذا الاستدعاء، كنت سفيرا في وزارة الخارجية، وانا في مطالع الثلاثين من عمري، شديد الاعتداد بالنفس، رحب الاماني، واسع الطموحات، رأيت في عودتي، دون استكمال المهمة في الأمم المتحدة، اجهاضا لامنية طالما سكنت احلامي، حيث يجتمع ساسة العالم في جو من التألق الفكري والحراك السياسي الممتع المثير.
في الطائف، وجدت في انتظاري خبرا استجمعت له كل مداركي كي استوعب الاهمية فيه، لقد شرفني جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز باختياري سفيرا لجلالته في الكويت، فكان لابد من استدعائي على عجل، كي اسافر ايضا على عجل.
كانت الكويت قد اعلنت استقلالها في 19 يونيو 1961م، منهية بذلك معاهدة الحماية التي كانت تربطها ببريطانيا العظمى منذ عام 1899م، وكان لابد من ان تسارع المملكة العربية السعودية الى اقامة تمثيل ديبلوماسي لها في الكويت، تعزيزا لاستقلال البلد الشقيق.
كما جرى التفاهم بين المراجع العليا في البلدين على ان يكون سفير المملكة العربية السعودية اول من يقدم اوراق اعتماده من السفراء كي تكون للمملكة العربية السعودية عمادة السلك الديبلوماسي في الكويت.
لم تطل اقامتي في الطائف وجدت اوراق اعتمادي وختما جديدا للسفارة، وشفرة رمزية للبرقيات في انتظاري، اختار لي الشيخ عيد بن سالم رئيس الخاصة الملكية – يرحمه الله – سيفا جميلا بتوجيه من جلالة الملك سعود، فقد كان حمل السيف في تلك الاعوام جزاء من مراسم تقديم سفراء المملكة العربية السعودية لاوراق اعتمادهم.
سافرت وحدي على ان يجري تعيين موظفي السفارة لاحقا، ما ان تواصلت رسائل التهنئة والاعتراف الدولي باستقلال الكويت حتى انفجرت ازمة سياسية اربكت اجواء الترحيب العربي بمولد دولة عربية جديدة، فقد اعلن الزعيم عبدالكريم قاسم رئيس جمهورية العراق في مؤتمر صحافي عقده في 26 يونيو 1961م، اي بعد اسبوع من اعلان استقلال الكويت، رفضه الاعتراف بهذا الاستقلال مدعيا ان الكويت تاريخيا جزء من العراق، واقترن ذلك الموقف الرافض لاستقلال الكويت بالتهديد والوعيد وحشود عسكرية عراقية على الحدود بين البلدين.
وتراجع الاهتمام العربي عما كان يشغله من القضايا وتحول الموقف العراقي من استقلال الكويت لقضية جديدة من قضايا الهم العربي تنذر بمخاطر كبيرة.
في مواجهة هذا الحدث المفاجئ الخطير الذي يستدعي موقفا من مواقف الحسم لا يلوذ بالغموض، بعث الملك سعود بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية لسمو الشيخ عبدالله السالم امير الكويت بالبرقية التالية:
«تناولت برقية سموكم بتاريخ 13/1/1381هـ الموافق 26/6/1961م، والتي اشرتم فيها الى ما ادلى به الزعيم عبدالكريم قاسم، والحقيقة انه موقف عجيب مؤسف، اما نحن فمعكم في السراء والضراء، وسوف نكون اوفياء فيما تعاهدنا عليه، ونحن على اتم استعداد لمواجهة كل خطر تتعرض له الكويت الشقيقة».
كما بعث جلالته – يرحمه الله – برقية الى الزعيم عبدالكريم قاسم في 30 يونيو 1961م، جاء فيها «وفضلا عن ان الكويت بلد عربي نكن له مشاعر المحبة والاخاء مثل البلاد العربية الاخرى، فان في اعناقنا عهدا مقطوعا للكويت في ان نهرع لنجدته اذا تعرض لاي خطر».
كما ارسل جلالة الملك سعود، ايضا، برقية الى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر – يرحمه الله – يؤكد فيها على موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقلال الكويت، وتلقى من الرئيس عبدالناصر البرقية التالية:
«لقد تلقيت باهتمام كبير برقية جلالتكم عن التطورات الاخيرة بين حكومة الجمهورية العراقية وحكومة الكويت.
ولعل جلالتكم قد اطلعتم على البيان الرسمي الذي صدر عن حكومة الجمهورية العربية المتحدة والذي حوى في مقدمته رأيي بأن العلاقات بين الشعوب العربية لا يمكن ان تحكمها غير المبادئ التي صنعها النضال الطويل للأمة العربية، واني لاريد من جلالتكم ان تتأكدوا ان شعب الجمهورية العربية المتحدة يضع دائما كل طاقاته وامكاناته في خدمة هذه المبادئ».
وبأمر من جلالة الملك سعود توجه الى الكويت وفد عسكري سعودي برئاسة اللواء ابراهيم الطاسان، وعضوية العقيد الطيب محمد التونسي، والعقيد علي قباني، واجتمع الوفد مع سمو امير الكويت لترتيب وصول القوات السعودية التي تواجدت على ارض الكويت في 29 يونيو 1961م.
وهرعت العواصم العربية نحو بغداد تبحث عن مخرج يوقف النذير قبل استفحاله، واوكلت الجامعة العربية لامينها العام السيد عبدالخالق حسونة مهمة الاحتواء العاجل لاعراض التوتر على الحدود بين العراق والكويت.
وفي موازاة هذا الموقف السياسي العسكري الداعم لدولة الكويت قادت المملكة العربية السعودية حملة ديبلوماسية لانضمام الكويت لجامعة الدول العربية، في وجه معارضة عراقية شرسة لهذا الانضمام، ولا انسى يوم ان اتصل بي هاتفيا جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز عصر يوم الخميس 20 يوليو 1961م، وانا مدير عام للمديرية العامة للاذاعة والصحافة والنشر (قبل تأسيس وزارة الاعلام) وقال بلهجة المستبشر السعيد ان طاهر رضوان، مندوبنا في الجامعة العربية، قد اتصل بجلالته واخبره بموافقة الجامعة العربية على انضمام الكويت اليها، وامرني جلالته بان اكتب تعليقا سياسيا للاذاعة والصحافة يليق بالحدث السعيد.
وكان لجلالته ما اراد، ولم ينقطع يوما تساؤلي: الم يكن في مقدور جلالته ان يوعز لرئيس ديوانه كي ينقل الي رغبة ملك البلاد؟ إلا ان جلالة الملك سعود كان مبتهجا لهذا الحدث، واراد ان يوكد بنفسه على اهمية الحدث كي يجيء التعليق الاذاعي عليه لائقا به، اقترن قبول الكويت عضوا في الجامعة العربية بتشكيل قوة تابعة للجامعة العربية في 12 أغسطس 1961م من كل من السودان والاردن والجمهورية العربية المتحدة تضاف الى القوة السعودية التي وصلت الى الكويت مع بداية الازمة وطلبت الكويت من القوات البريطانية التي استعانت بها يوم انفجار الازمة الانسحاب، وحلت محلها قوات الجامعة العربية.
تولى اللواء عبدالله العبدالعزيز العيسى قيادة القوات العربية في الكويت، يعاونه ضابطان سعوديان من رتبة عقيد هما السيد مشهور الحارثي، والسيد كامل الدباغ – يرحمهم الله جميعا، وتولى المهمة من بعده الفريق عبدالله المطلق الذي اصبح فيما بعد رئيسا لهيئة اركان الجيش السعودي.
وظل الزعيم عبدالكريم قاسم يجتر مزاعمه بتبعية الكويت للعراق والدول الاجنبية تبعث بسفرائها الى الكويت، الى ان اطاح به واعدمه في 9 فبراير 1963م العقيد عبدالسلام عارف، رفيقه في السلاح، وشريكه في الانقلاب على الاسرة المالكة الهاشمية في بغداد في 14 يوليو 1958م.
هناك في اعتقادي ما يدعو للوقوف عند هذا التاريخ، والحديث عنه والتأمل فيه، فهو حديث لجيلين من ابناء وطني يجهلان هذه الصفحة المضيئة من الوفاء في تاريخ الوطن، فقد جمعني اخيرا مجلس جرى فيه الحديث عن دور المملكة في تحرير الكويت من قبضة صدام حسين، وكادت تأخذهم الريبة فيما اقول وانا احدثهم، ايضا عن موقف المملكة من ازمة الكويت مع الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1961م، وهالني ان تضيع وقائع التاريخ على ضخامة حجمها، فيما عصف بالعالم العربي خلال الخمسين عاما الماضية من مآس وانكسارات.
لقد كان قولا بليغا حاسما، لا يلوذ بالغموض عندما خاطب الملك سعود بن عبدالعزيز – يرحمه الله – الزعيم عبدالكريم قاسم قبل خمسين عاما لينذره «ان في اعناقنا عهدا مقطوعا للكويت في ان نهرع لنجدته اذا تعرض لأي خطر». ظل ذلك العهد حيا في ضمير المملكة العربية السعودية ليتحدى النوازل والمحن التي فجرها بغزوه للكويت حاكم طاغية، ارعن، جاهل باحوال العالم، فكان ذلك الغزو، وما افرزه، من بعد، من مضاعفات دولية بداية لدمار العراق، موطن التاريخ والشعر والنفط والمياه.