ينظر البعض للألعاب الإلكترونية على انها وسيلة للتسلية والمتعة في حين ان لعبة «الحوت الأزرق» تحولت إلى كابوس بعد اختراقها بيوت الأسر في مختلف دول العالم وقيادتها للمراهقين والشباب إلى ارتكاب ممارسات خطيرة أودت بحياة العديد منهم.
تلك اللعبة التي ينتهي معها المراهق في اليوم الخمسين من ممارستها إلى الانتحار عبارة عن فخ نصبه مبتكر اللعبة للإيقاع بضحاياه، إذ انتشرت التحذيرات حولها أخيرا من الحكومات والمتخصصين ووسائل الإعلام.
وحذر متخصصون وأكاديميون في مجال أمن المعلومات والجرائم الإلكترونية ومن كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت من خطورة تلك اللعبة كونها تستهدف فئة المراهقين تحديدا عن طريق اتباع أسلوب التحدي والجذب واستخدام الأساليب النفسية المعقدة لاستدراجهم إلى الانتحار.
وأشاروا في لقاءات متفرقة مع «كونا» إلى أهمية الدور الذي يقع على كاهل الأسرة في متابعة سلوكيات أبنائها ومد جسور الصداقة معهم إلى جانب مسؤولية المؤسسات المعنية في بناء شخصية الشباب وتوعيتهم بما يضرهم وينفعهم.
وقال مستشار أمن المعلومات والجرائم الإلكترونية رائد الرومي: ان لعبة «الحوت الأزرق» تعتمد في طريقة لعبها على غسل دماغ المراهقين وشحنهم بالأفكار السلبية مثل الضياع والكره وبث الإحساس بعدم جدواهم وعدم أهميتهم في الحياة وأن الحياة مملة عبر 50 سؤالا توجه اليهم يوميا.
وأوضح الرومي وهو عقيد متقاعد في هذا المجال ان مخترع اللعبة يتحكم بالمراهقين بشكل مباشر عن طريق الحوار عبر برامج التواصل الاجتماعي وتكليفهم بعدد من المهام الغريبة مثل مشاهدة أفلام الرعب والاستيقاظ في ساعات الفجر والعمل على إيذاء النفس بصورة بشعة والوقوف على الأسطح العالية وشق الشفتين والرجلين والأيدي ورسم صورة الحوت على الجسم بآلة حادة وعقب استنفاد قواهم في نهاية اللعبة يطلب منهم الانتحار في السؤال الأخير.
وأضاف انه في حال قرر الطفل الانسحاب من اللعبة أو عدم تنفيذ أمر الانتحار يتم تهديده بإيذاء أسرته، ما يجعله يستسلم لطلب اللعبة ويقتل نفسه تحت وطأة الضغط المستمر وحفاظا على أسرته من الإيذاء.
وكشف ان اللعبة تسببت في انتحار أكثر من 130 شخصا في روسيا خلال الفترة 2015-2016 مبينا انها سميت بهذا الاسم نسبة إلى ظاهرة انتحار الحيتان التي توجد نافقة على الشاطئ.
وذكر انه استنادا الى ما نشرته مواقع إخبارية أجنبية فإن مخترع اللعبة الروسي فيليب بوديكين (21 عاما) اتهم بتحريض نحو 16 طالبة شاركن في اللعبة وأقر بالجرائم التي تسبب بحدوثها، معتبرا إياها «محاولة لتنظيف المجتمع مما أسماه بـ «النفايات البيولوجية التي قد تلحق الأذى بالمجتمع».
وقال: ان الأجهزة الذكية التي أصبحت من أساسيات الحياة الحديثة يمكن استخدامها في أمور أخرى ضارة وهدامة في بعض الأحيان خاصة لدى الأبناء في مراحل المراهقة، مشددا على انها «مراحل خطرة وذات تأثير قوي على شخصية الإنسان ومسيرة حياته».
وأوصى الرومي الآباء بضرورة مراقبة أجهزة وهواتف أبنائهم والاطمئنان الى سلوكياتهم عبر الكثير من البرامج المخصصة لذلك، مضيفا ان «هذه الرقابة قد تثير حفيظة بعض الأبناء وتخلق مشكلات مع أولياء الأمور، ما يستلزم نوعا من الوعي عند التعامل مع هذا الأمر من أجل الوصول إلى علاقات سليمة بين الآباء والأبناء وبالتالي خلق الثقة بينهم».
من جانبه، قال أستاذ علم النفس في جامعة الكويت د.خضر بارون لـ «كونا» انه غالبا ما يبحث المراهقون عن الإثارة والتسلية واستخدام قدراتهم العقلية في أشياء يعتقدون أنها ترفع من مستواهم وقدراتهم.
وأضاف انه لذا يندمج المراهقون في تلك الألعاب وصولا إلى مرحلة انغماس الذات مستدلا على أنه في كثير من الأحيان نشاهد اندماج البعض عندما يتفاعل مع لعبة إلكترونية بالحديث والصراخ وهو جالس وحده.
وذكر ان هذه النوعية من الألعاب توجه مستخدميها إلى تنفيذ أوامر معينة عبر أسلوب التحدي والإغراء على سبيل المثال «تقول له اللعبة إذا كنت بطلا أو رجلا أو ناجحا أو غيرها من الصفات الحميدة عليك أن تؤدي هذه الأوامر».
وقال: ان هذه اللعبة عبر مراحلها والأوامر التي توجهها للمستخدمين تعمل على تنويمهم مغناطيسيا وتقودهم إلى الانتحار»، موضحا ان أكثر فئة مستهدفة هم الأطفال والمراهقون الذين يسعون الى بناء شخصياتهم.
وتابع انه غالبا ما يتساءل هؤلاء المراهقون عن حقوقهم وواجباتهم وكيفية إثباتهم وجودهم في مرحلتي الطفولة والمراهقة، مشددا على ضرورة إعطائهم الاهتمام الأسري والاجتماعي لكي لا يصبحوا منعزلين عن أسرهم او ضحية لهذه الألعاب.
ولفت في الوقت ذاته الى أهمية الدور الذي تؤديه كذلك المدرسة ومؤسسات الدولة ووسائل الإعلام في غرس القيم الحميدة وتوعية النشء وتشجيعهم على استثمار طاقاتهم عبر إشراكهم في الأندية الصيفية والنشاطات التنافسية والأعمال التطوعية لملء أوقات الفراغ وتحصينهم من الوقوع في المحظور.
وقال ان الكويت أولت اهتماما كبيرا بتعليم الطفل وتنشئته منذ نعومة أظفاره من أجل خلق جيل قادر مستقبلا على تطوير وتنمية هذا البلد، مشددا على ضرورة الدفع باتجاه ترسيخ القيم الحميدة في نفوس الأبناء ودعمهم لتأدية دورهم المنوط بهم مستقبلا.
من جانبه، قال أستاذ علم الاجتماع والانثروبولوجيا في جامعة الكويت د.محمد الحداد ان الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية وزيادة الساعات التي يقضيها الأطفال والمراهقون أصبح مصدر قلق، لاسيما ان بعض هذه الألعاب تشكل تهديدا خطيرا لحياتهم.
وأضاف ان هذه الألعاب تتضمن رسائل مشفرة يهدف المرسل من خلالها إلى تحقيق أغراض وغايات ثقافية وسياسية ودينية وسيكولوجية، موضحا ان قواعد اللعبة تفرض على اللاعب الانغماس في حرب فكرية أو ثقافية أو إيديولوجية.
وأوضح ان خطورة اللعبة تكمن أيضا في إمكانية تقريب اللاعب بين الخيال والواقع إلى درجة أنه يحاول تطبيق مضامين هذه الألعاب في حياته اليومية مما يعني تنميط السلوك على النحو الذي يرغب فيه صانعو هذه الألعاب.
وبين «أن أكثر ما يؤرق أولياء الأمور في وقتنا الحالي هو كيفية حماية أولادهم أثناء استخدامهم مثل هذه الألعاب فمع كل ما تحمله هذه التكنولوجيا من فوائد جمة ومزايا عظيمة إلا أنها تحمل بين طياتها أخطارا داهمة ومشاريع كارثية».
وقال ان صناعة الألعاب الإلكترونية نجحت في جذب المستهلكين من فئة الأطفال والمراهقين خاصة ان التطور التكنولوجي جعل استخدام الأجهزة الذكية أسهل من السابق ولا يتطلب معرفة كاملة بالحاسوب، مضيفا ان هذه الصناعة نجحت لكونها وسيلة ترفيهية تتيح للأطفال الاكتشاف والتجريب دون خطر المسؤولية أو العقاب.
وأضاف د.الحداد انه على الرغم ما أشيع عن عدم وجود لعبة تحرض على الانتحار «فإنني أقف مع الرأي المخالف لوجود تحقيقات رسمية وإحصائيات تشير إلى تورط مخترع اللعبة الروسي بوديكين بتحريض بعض التلاميذ على الانتحار».
ورأى ان «الحوت الأزرق» ليست مجرد لعبة لأن الهدف الرئيسي من كل لعبة افتراضية أو واقعية هو التسلية وشغل أوقات الفراغ في حين انها تحولت إلى آلة لحصد الأرواح تعتمد على غسل دماغ المراهقين على مدى 50 يوما حتى تأمرهم بالانتحار.
وشدد على ضرورة مساهمة الوالدين في بناء صداقة ومصارحة مع الأبناء والتحدث معهم عندما يكونون منهمكين أمام اي لعبة إلكترونية لمعرفة أسباب تفضيله لها ومشاركته اللعب، لاسيما ان الأطفال والمراهقين لا يستطيعون التمييز بين ما هو مضر ونافع.